«اهتزَّ العرش لموت سعد بن معاذ، فقال رجل لجابر: فإنَّ البراء يقول: اهتزَّ السَّريرُ، فقال: إنَّه كان بين هذين الحيَّين ضغائنُ، سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: اهْتزَّ عرشُ الرَّحمنِ لموتِ سعدِ بنِ معاذ».
رواه البخاري برقم: (3803) واللفظ له، ومسلم برقم: (2466)، من حديث جابر -رضي الله-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«العَرْشُ»:
العرش: سرير الملك. وفي التنزيل: {وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ}، وقد يُستعار لغيره، وعرش الباري -تعالى- مِنْهُ. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده(1/ 361).
شرح الحديث
قوله: «اهْتزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ»:
قال الذهبي -رحمه الله-:
العرش: خَلْقٌ لله مُسخَّر، إذا شاء أنْ يهتزَّ اهتزَّ بمشيئة الله، وجعل فيه شعورًا لحبِ سعدٍ، كما جعل تعالى شعورًا في جبل أُحدٍ بحبه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال تعالى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} سبأ: 10. سير أعلام النبلاء (1/ 297).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«اهتزَّ العرش» أي: تحرَّك حقيقة، «لموت سعد بن معاذ» فرحًا بقدوم روحه، وخلَق الله تعالى فيه تمييزًا؛ إذ لا مانع من ذلك، أو المراد: اهتزاز أهل العرش وهم حملته؛ فحذف المضاف، ويؤيده حديث الحاكم: إنَّ جبريل -عليه السلام- قال: «مَن هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واستبشرت به أهلها؟» أو المراد باهتزازه: ارتياحه لروحه، واستبشاره بصعودها؛ لكرامته، ومنه قولهم: فلان يهتزُّ للمكارم، ليس مرادهم اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها، وقيل: جعل الله تعالى اهتزاز العرش علامة للملائكة على موته، أو المراد: الكناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء العظيم إلى أعظم الأشياء فتقول: أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة. إرشاد الساري (6/ 158).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: تحرك فرحًا وسرورًا بانتقاله من دار الفناء إلى دار البقاء، وأرواح الشهداء مُستقرها تحت العرش في قناديل هناك، أو اهتزَّ استعظامًا لتلك الوقعة التي أُصيب فيها. التيسير (1/ 383).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
فهذا (أي: اهتزاز العرش؛ لموت سعد) متواتر، أشهدُ بأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاله. العلو للعلي الغفار (ص: 89).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحًا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزًا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} البقرة: 74، وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار. شرح صحيح مسلم(16/ 22).
وقال البغوي -رحمه الله-:
الأولى: إجراؤه على ظاهره، وكذلك قوله -عليه السلام-: «أُحُد جبل يحبنا ونحبه»، ولا ينكر اهتزاز ما لا روح فيه بالأنبياء والأولياء، كما اهتزَّ أُحُدٌ وعليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وكما اضطربت الأسطوانة على مفارقته. شرح السنة (14/ 180-181).
وقال القاضي أبو يعلى ابن الفراء -رحمه الله-:
اعلم أن هذا الخبر ليس مما يرجع على شيء من الصفات؛ لأنَّ العرش مُحْدَثٌ مَخلوقٌ، وغير ممتنعٍ أنْ يهتزَّ العرش على الحقيقة، ويتحركَ لموت سعد؛ لأنَّ العرش تجوز عليه الحركة، ويكون لذكره فائدة وهو: فضيلة سعد؛ أن العرش مع عِظَم قَدْره اهتزَّ له.
وقد تأوَّل قوم على أن العرش ها هنا السَّرير الذي كان عليه سعد، وهذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن في الخبر «اهتزَّ عرشُ الرَّحْمن -جلَّ اسمه-»، وإضافةُ العرش إلى الله سبحانه إنَّما يَنصرف إلى العرش الذي هو في السماء.
والثاني: أنَّه قَصد بهذا الخبر فضيلة سعد، ولا فَضيلة في تحرك سَريره واهتزازه؛ لأنَّ سرير غيره قد يتحرك ويهتز من تحته.
وتأوله آخرون: على أنَّ الاهتزاز ها هنا رَاجعٌ إلى حَمَلَةِ العَرش، الذي يَحملونه ويَطُوفُون حوله، وأقامَ العَرشَ مَقَام من يحمله ويطوف به من الملائكة، كما قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} الدخان: 29، وإنَّما يُريد أهل السَّماء وأهل الأرض، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في أُحُد: «هَذا جَبَلٌ يحبنا ونُحبه» يريد: يُحبنا أهلُه، يعني: الأنصار.
ويكون معنى اهتزاز حملته: الاستبشار والسُّرور به، يقال: فلانٌ يستبشر للمعروف، ويَهتَزُّ له، ومنه قيل في المثل: إن فُلانًا إذا دُعي اهتزَّ، وإذا سُئِل ارتز، والكلام لأبي الأسود الدُّؤلي، والمعنى فيه: إذا دُعي إلى طَعامٍ يأكله، ارتاح له واستبشر، وإذا دعي لحاجةٍ، ارتز، أي تَقَبَّض، ولم ينطلق، قال الشاعر:
وَتأَخُذُهُ عِنْدِ المَكَارِمِ هزَّة *** كما اهْتَزَّ عِند البارحِ الغُصْنُ الرطْبُ.
وهذا غلط؛ لما بَينَّا أنَّه غيرُ ممتنعٍ من إضافة الاهتزاز إلى العرش لكونه مُحدثًا، وقد قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} الطور: 9-10، وهذه إضافةٌ صحيحة إلى السَّماء والأرض، كذلك إضافة ذلك إلى العرش، وحَمْلُ ذلك على حَمَلَةِ العرس عُدُولٌ عن الحقيقة إلى المجاز من غيرِ حاجة إلى ذلك، ولئن جاز هذا، جاز العدول في قوله: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} الطور: 9، معناه: أهل السماء. {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} الطور: 10، معناه: أهل الجبال؛ ولأنَّ ما يمنع من حمل الخبر على العرش، يمنع من حمله على حَمَلَتِهِ، وما يجوز في أَحَدهما نُجَوِّزه في الآخر. إبطال التأويلات (ص: 427-429).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
مَن تأول ذلك على أنَّ المراد به: استبشار حملة العرش وفرحهم؛ فلا بد له من دليل على ما قال، كما ذكره أبو الحسن الطبري وغيره، مع أنَّ سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال. مجموع الفتاوى (6/ 554).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وبعضهم قال: اهتز حزنًا، والحزن أقرب من الفرح، يعني: لمكانته وعظم شأنه عند الله -عزَّ وجلَّ- اهتز عرش الرحمن لموته -رضي الله عنه وأرضاه-. شرح سنن ابن ماجه (10/ ٣).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ذكر صاحب العتبية فيها: أنَّ مالكًا سُئل عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أنْ تقوله، وما يدعو المرء أنْ يتكلَّم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور؟! قال أبو الوليد ابن رشد في شرح العتبية: إنَّما نهى مالك لئلا يَسْبِق إلى وهم الجاهل أنَّ العرش إذا تحرَّك يتحرَّك الله بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله -تبارك الله-، وتنزَّه عن مشابهة خلقه، انتهى ملخصًا، والذي يظهر: أنَّ مالكًا ما نهى عنه لهذا؛ إذ لو خشي من هذا لما أسند في الموطأ حديث ينزل الله إلى سماء الدنيا؛ لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش...، وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة، أو أكثر، وثبت في الصحيحين، فلا معنى لإنكاره. فتح الباري (7/ 124).
قوله: «عرشُ الرَّحمنِ»:
قال أبو يعلى بن الفراء-رحمه الله-:
إضافةُ العرش إلى الله سبحانه إنَّما يَنصرف إلى العرش الذي هو في السماء. إبطال التأويلات (ص: 427).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
فالتصريح بعرش الرحمن يرد ما تأوله البراء وغيره، ولم يَقل البراء ذلك على سبيل العَداوة لسعد، بل فهم شيئًا محتملًا، فحمل الحديث عليه، ولعله لم يقف على قوله: «اهتز عرش الرحمن»، وظن جابر أنَّ البراء قاله غَضَبًا من سعد، فساغ له أن ينتصر له. إرشاد الساري (6/ 159).
قوله: «فقال رجلٌ لجابرٍ: فإنَّ البراءَ يقولُ: اهْتَزَّ السَّريرُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
لم أعرف اسم هذا الرجل. هدي الساري(ص:302).
وقال العيني -رحمه الله-:
«قال رجل» لم يدر من هو؟ قال لجابر بن عبد الله راوي الحديث: كيف تقول: اهتز العرش؟ فإن البراء بن عَازِب يقول: اهتز السرير؟ عمدة القاري(16/ 268).
قوله: «إنَّه كانَ بينَ هذينِ الحَيَّيْنِ ضغائنُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قال جابر في جواب الرجل: إنَّه كان بين هذين الحَيَّيْنِ، أي: الأوس والخزرج، ضغائن بالضاد والغين المعجمتين: جمع ضغينة، وهي الحقد. عمدة القاري (16/ 268).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وإنما قال جابر ذلك؛ إظهارًا للحق، واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء كيف قال ذلك، مع أنه أوسي، ثم قال: أنا وإنْ كنتُ خزرجيًّا -وكان بين الأوس والخزرج ما كان- لا يمنعني ذلك أنْ أقول الحق، فذكر الحديث، والعذر للبراء أنه لم يقصد تغطية فضل سعد بن معاذ، وإنَّما فهم ذلك، فجزم به، هذا الذي يليق أن يظن به، وهو دال على عدم تعصبه، ولما جزم الخطابي بما تقدم احتاج هو ومَن تبعه إلى الاعتذار عما صدر من جابر في حق البراء، وقالوا في ذلك ما مُحَصَّلُهُ: إنَّ البراء معذور؛ لأنه لم يقل ذلك على سبيل العداوة لسعد، وإنما فهم شيئًا محتملًا، فحمل الحديث عليه، والعذر لجابر أنه ظن أن البراء أراد الغض من سعد، فساغ له أن ينتصر له -والله أعلم-. فتح الباري (7/ 123-124).
وقال الذهبي –رحمه الله-:
الأحاديثُ الواردةُ في هذه المسألة... تدلُّ دلالةً واضحةً وصريحةً على أنَّ المرادَ بالعرشِ هو ذلك المخلوقُ العظيمُ الذي خلقهُ اللهُ تعالى فوقَ العالمِ كلِّه، ثم استوى عليه بعد أن خلقَ السماواتِ والأرضَ. العرش(1/ 287).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قيل: ما فائدة اهتزاز العرش لمثل هذه الأشياء؟
فالجواب: ... أراد إعلام خَلقه وملائكته مقادير عِظم الحوادث عنده، طاعة كانت أو معصية، فيُسَلِّطُ الانفعالَ على ذواتٍ من خَلْقِه تَقَبُّلَ الانفعال، كزلزلة الأرض، ودَكِّ الجبال، واهتزاز العرش؛ ليعلم العالم مقدار ذلك عنده، والخالق سبحانه أبدًا يقيم المخلوقات للمخلوقين معالم. كشف المشكل (3/ 31).
وينظر حديث: «هذا الذي تحرَّكَ له العرشُ، وفُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ ...».