السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مَن أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزِل على محمد».


رواه أحمد برقم: (9536) واللفظ له، وأبو داود برقم: (3904)، والترمذي برقم: (135)، وابن ماجه برقم: (639)، والنسائي في الكبرى برقم: (8968)، والحاكم برقم: (9536)، والبيهقي في الكبرى برقم: (16496)، وزاد بعضهم: «مَن أَتَى حائضًا، أو امرأةً في دُبُرِهَا...»، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5939)، مشكاة المصابيح برقم: (4599). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«كَاهِنًا»:
الكاهن: الذي يخبر بما يكون برأيه وظنه، والجمع كُهَّان. غريب الحديث، لإبراهيم الحربي (2/ 594).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الكَاهِنُ: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنَةٌ، كشِقٍّ وسَطِيحٍ، وغيرهما. لسان العرب (13/ 363).

«عَرَّافًا»:
أراد بالعَرَّاف: الْمُنَجِّم، أو الحازي الذي يدَّعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به. النهاية، لابن الأثير (3/ 218).
قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
العرَّاف كالكاهن، إلّا أنّ العرَّاف يختص بمن يخبر بالأحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر بالأحوال الماضية. المفردات (ص: 562).


شرح الحديث


قوله: «من أتى كاهنًا أو عرَّافًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مَن» شرطية، فهي للعموم. القول المفيد (1/ 532).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مَن أَتَى» هذا عامٌّ مخصوصٌ بالصبي والمجنون والمكْرَه. الأزهار، مخطوط، لوح (115).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أتى» لفظ مشترك هنا بين المجامَعة، وإتيان الكاهن. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 857).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: الأَولى أن يكون التقدير: أو صدَّق كاهنًا، فيصير من قبيل: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا.
أو يُقال: مَن أتى حائضًا، أو امرأة بالجماع، أو كاهنًا بالتصديق. مرقاة المفاتيح (2/ 495).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الكاهن: الذي يُخبر عما يكون في الزمان المستقبل بالنجوم، أو بأشياء مكتوبة في الكتب من أكاذيب الجن؛ لأن الجن كانوا يصعدون السماء قبل بعثة النبي -عليه السلام-، فيستمعون ما تقول الملائكة في السماء من أحوال أهل الأرض، من قدر أعمالهم وأرزاقهم، وما يحدث من الحوادث، فيأتون إلى الكهنة ويخبرونهم بذلك، فيخبر الكهنةُ الناس بذلك، ويخلطون بكل حديث مائة كذبة.
وقد كتبوا تلك الأشياء في كتبهم، فبقيَت تلك الكتب بين الناس، فيقرأ بها جماعة من الناس، فيتحدثون بما فيها. المفاتيح (1/ 460-461).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«مَن أتى كَاهِنًا، أو عَرَّافًا» وهو من يُخبر عمَّا يحدث، أو عن شيء غائب، أو عن طَالِعِ أحدٍ بسعدٍ أو نحسٍ أو دولة أو محنة أو مِنْحَة. فيض القدير (6/ 23).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
العرَّاف قد قيل: إنه اسمٌ عام للكاهن والمنجِّم والرمَّال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق. مجموع الفتاوى (35/ 173).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الفرق بين الكاهن والعراف: أنَّ الكاهن إنما يتعاطى الخبر عن الغيب في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار.
والعراف: هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما من الأمور. مرقاة المفاتيح (7/ 2907).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من أتى عرافًا أو كاهنًا» ومنه المنجِّم الذي يزعم للنجوم أحكامًا دالة على كذا وكذا، ومنه ما لا ينحصر من الذين يدعون المغيَّبات، كمن يطلب من المنجِّم أنْ يعلِّمه ساعة فيها سعادة أو نحس. التنوير (10/ 20).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
حمل مطلق الإتيان على الإتيان بقيد التصديق فيه حسن؛ إذا المحذور العظيم من ذلك إنما هو تصديق الكاهن، لا إتيانه مطلقًا، وأما مطلق الإتيان، فإن الكراهية فيه معلومة، وأما هذا التوعُّد بالكفر أو بالبراءة مما أنزل على محمد فبعيد. النفح الشذي (3/ 210).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذا (أي: إتيان الكهنة والعرافين) داء قد دبَّ في غالب العباد ودَرَجَ، لا تراهم إلا يسألون المنجِّم...أو الحاسب، ثم يقولون: قال فلان، وإذا رأوا أمرًا غريبًا قالوا: قد قال فلان، وأعظم من ذلك ملوك الدنيا، يجعل كل مَلِكٍ له مُنَجِّمًا يخبره عن الحوادث، فاتَّسَع الخَرْقُ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. التنوير (10/ 20).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
الإتيان إلى هؤلاء فتنة، والآن ابتُلي الناس بهم في بيوتهم، القنوات الفضائية منها قنوات مخصَّصة للسحر والكهانة، وموجودة في بيوت عوام المسلمين، تجدهم يطَّلعون عليها يقولون: من باب الاطلاع عليها، مجرد فتح القناة وأنت تعرف أنها قناة سحر هذا إتيان للكاهن، لا تُقبل لك صلاة أربعين يومًا، وإذا صدَّقتَ، كَفَرْتَ بما أنزل على محمد. شرح سنن الترمذي (26/ 32).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: إنما نُهِيَ عن إتيان الكهان؛ لأنهم يتكلمون في مغيَّبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يُلْبِسُون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهَّان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطون من الحُلْوَان (ما يأخذه رشوة على تكَهُّنه)، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نَقَل الإجماع في تحريمه جماعة منهم أبو محمد البغوي -رحمهم الله تعالى-. شرح صحيح مسلم(5/ 22).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل من الكِهانة ما يخبر به الآن من أحوال الطقس في خلال أربع وعشرين ساعة أو ما أشبه ذلك؟
الجواب: لا؛ لأنه أيضًا يستند إلى أمور حسية، وهي تكيُّف الجو؛ لأن الجو يتكيف على صفة معينة تُعرف بالموازين الدقيقة عندهم، فيكون صالحًا؛ لأن يمطر أو لا يمطر، ونظير ذلك في العلم البدائي: إذا رأينا تجمع الغيوم والرعد والبرق وثقل السحاب، نقول: يوشك أنْ ينزل المطر.
فالمهم أنَّ ما استند إلى شيء محسوس فليس من علم الغيب، وإن كان بعض العامة يظنون أنَّ هذه الأمور من علم الغيب، ويقولون: إنَّ التصديق بها تصديق بالكهانة، والشيء الذي يدرك بالحس إنكاره قبيح، كما قال السفاريني:
فكل معلوم بحسٍّ أو حِجَا *** فنُكْرُه جهل قبيح بالهِجَا
فالذي يُعلم بالحس لا يمكن إنكاره، ولو أنَّ أحدًا أنكره مستندًا بذلك إلى الشرع لكان ذلك طعنًا بالشرع. القول المفيد(1/ 531).

قوله: «فَصَدَّقَهُ بما يقولُ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فصدَّقه» أي: نَسَبَه إلى الصدق، وقال: إنه صادق، وتصديق الخبر، يعني: تثبيته وتحقيقه، فقال: هذا حق وصحيح وثابت. القول المفيد(1/ 537).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أفاد بقوله: «فصدَّقه» أنَّ الغرض إنْ سأله معتقدًا صِدقه، فلو فعله استهزاء معتقدًا كذبه، فلا يلحقه الوعيد، ثم إنه لا تَعارض بين ذا الخبر وما قبله («مَن أتى عرَّافاً فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاةٌ أربعين ليلةً)»؛ لأن المراد: أنَّ مصدِّق الكاهن إن اعتقد أنه يعلم الغيب، كفر، وإنْ اعتقد أنَّ الجن تُلقي إليه ما سمعته من الملائكة، وأنه بإلهام، فصدَّقه مِن هذه الجهة لا يَكفر. فيض القدير (6/ 23).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «بما يقول» «ما» عامة في كل ما يقول، حتى ما يُحتمل أنه صدق، فإنه لا يجوز أن يصدقه؛ لأن الأصل فيهم الكذب. القول المفيد (1/ 537).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فصدَّقه بما يقول» من الإخبار بالمغيبات. التنوير (10/ 21).
قال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«فصدَّقه بما يقول» له، ويأمره به. التنوير (10/ 20).

قوله: «مَن أَتَى حائضًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
أي: جامعها حال حيضها. فيض القدير(6/ 23).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وهي تشمل المنكوحة والأَمَة، وغيرهما. مرقاة المفاتيح (2/ 495).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «حائضًا» حالٌ مستقلة؛ ولهذا جاز حذف التاء، ولو كانت صفة لكانت التاء لازمة. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2992).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
لا شك أنَّ المراد بها الوصف القائم بها؛ ليترتب عليه الوعيد الآتي، وإنَّما ترك التاء؛ لأنها من أوصاف النساء خاصة، كطالق. مرقاة المفاتيح (7/ 2907).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مَن أَتَى» عام مخصَّص بالصبي والمجنون والْمُكره والجاهل، فلو جامع الصبي والمجنون حائضًا مستحِلًّا لذلك لم يَكفر ولم يعصِ، وعُزِّر للزَّجر والتأديب، ولو أُكره رجلٌ على ذلك لم يَكفر ولم يعص؛ لأنه غير مكلف، ولو جامع جاهل بالحال أو الحرمة لِقُرْب العهد بالإسلام، لم يكفر ولم يعصِ. الأزهار، مخطوط، لوح (115).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
أما إتيان المرأة وهي حائض فمحرم باتفاق العلماء، ونص الشافعي على أنه من الكبائر، وقد تقدم ما يُباح منها سوى الوطء. النفح الشذي (3/ 206-207).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
إنَّما معنى هذا (الكفر) عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن أتى حائضًا فليتصدَّق بدينار» فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يُؤمر فيه بالكفارة. السنن (1/ 243-244).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
مَن جامع امرأةً حائضًا مستحلًّا لذلك، كفر، و«قد» هنالك للتحقيق؛ لأنه حرام إجماعًا، كانت زوجته أو أجنبية، وإنْ جامع زوجته غير مستحِل لذلك، أو استحل له بعدما يقطع الدم، ولم تغتسل، لم يكفر؛ لاختلاف العلماء في حلِّه، و«قد» هنالك للتقريب من الكفر، أو لتحقيق كفران نعمة ما أُنزل على محمد، وهو قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} البقرة: 222الآية، ولو جامع أجنبيةً عالمًا بعدما يقطع الدم مستحلًّا لذلك، كفر بحُرمته بالإجماع. الأزهار، مخطوط، لوح (115).

قوله: «أو امرأةً في دُبُرِهَا...»:
قال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«أو امرأة» يعني: وَطِئ امرأة. شرح سنن الترمذي (26/ 30).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مَن أتى امرأة في دبرها» عامٌّ مخصوصٌ بالصبي والمجنون والجاهل والمكره، كما مرَّ. الأزهار، مخطوط، لوح (115).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في دبرها» مطلقًا، سواء كانت حائضًا، أو غيرها. مرقاة المفاتيح (2/ 495).

قوله: «فقد كَفَرَ بما أُنزل على محمد»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
لفظ «قد» يحتمل التحقيق، ويحتمل التقريب (يعني بحسب حال الفاعل كما سيذكر). الأزهار، مخطوط،لوح (115).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فقد كَفَرَ» ظاهره: أنَّه الكفر الحقيقي، وقيل: هو الكفر المجازي، وقيل: من اعتقد أنَّ الكاهن والعرَّاف يعرفان الغيب، ويطَّلعان على الأسرار الإلهية، كان كافرًا كفرًا حقيقيًّا، كمن اعتقد تأثير الكواكب، وإلا فلا. نيل الأوطار (7/ 214).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
قوله: «فقد كفر» عائد على «مَن أتى» شيئًا من الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث، فأما إتيان الكاهن فذلك واضح بقيد التصديق، كما سبق. النفح الشذي (3/ 210).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: أنَّه يكفر متى اعتقد صِدقه بأي وجه كان؛ لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان ذلك مِن قِبَل الشياطين، أو من قِبَل الإلهام، لا سيما وغالب الكُهَّان في وقت النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين، وفي حديث رواه الطبراني عن واثلة مرفوعًا: «مَن أتى كاهنًا فسأله عن شيء، حُجِبَتْ عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدَّقه بما قال، كفر» قال المنذري: ضعيف. فهذا -لو ثبت- نصٌّ في المسألة، لكن ما تقدم من الأحاديث يشهد له، فإن الحديث الذي فيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه، والأحاديث التي فيها إطلاق الكفر مقيدة بتصديقه. تيسير العزيز الحميد (ص: 350).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد كفر بما أُنزل على محمَّد» من كتاب الله؛ وذلك أنه تعالى يقول: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} الجن: 26، 27، ويقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} النمل: 65، ويقول: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} لقمان: 34، فهذه نصوص تنفي ما يقوله الكهان والعراف، فمن صدَّقهم فقد كذَّب بالقرآن، وهو الذي أنزل على محمَّد -صلى الله عليه وسلم-. التنوير (10/ 20).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وجه ذلك: أنَّ «ما أُنزل على محمد» قال الله تعالى فيه: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} النمل: 65، وهذا من أقوى طُرق الحصر؛ لأن فيه النفي والإثبات، فالذي يصدِّق الكاهن في علم الغيب، وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة، وإنْ كان جاهلًا ولا يعتقد أنَّ القرآن فيه كذب، فكُفْرُه كفر دون كفر. القول المفيد (1/ 539).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «فقد كفر بما أُنزل على محمد» أي: بالذي أُنزل، والذي أُنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- القرآن أنزل إليه بواسطة جبريل، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} الشعراء: 192-193، وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} النحل: 102. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 537).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا (الكفر) حُكم مَن صدَّقه، وأما حكمه هو (يعني: الكاهن والعراف) فمسكوت عنه، والقياس يقتضي أنه أَشد جُرمًا ممن صدَّقه، ثم المراد تصديقه، فالإثم فيه ولو لم يأته ولا سأله، بل أخبره عنه غيره، أو أخبره هو من غير سؤال. التنوير (10/ 20).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
في هذا الحديث: وعيد شديد في حق من يتعاطى ذلك، أو يحصل منه ذلك، وأنه قد وقع في أمر فاحش خطير، وقد جاء في بعض الروايات: «من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-»، فإذا اعتقد أنَّ الكاهن يعلم الغيوب، وصدَّقه بما يقول فقد كفر -والعياذ بالله-؛ لأن علم الغيب على الإطلاق من خصائص الله -سبحانه وتعالى- وحده. شرح سنن أبي داود (440/ 6).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
مَن أتى امرأة أجنبية في دُبرها مستحلًّا لذلك كفر، و«قد» هنا للتحقيق؛ لأنه حرام بالإجماع، ولو جامع زوجته في دبرها مستحلًّا له، لم يكفر؛ لاختلاف العلماء في حِلِّه، ولا يجب الحد للشبهة، ويجب التعزير، و«قد» هنا للتقريب من الكفر، أو لتحقيق كفران ما أُنزل على محمد، وهو قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} البقرة: 222، أي: القُبُل، وقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} البقرة: 223، والدُّبُر فَرْثٌ لا حرث. الأزهار، مخطوط، لوح (115).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفي تخصيص ذكر المرأة المنكوحة ودُبرها دلالة على أنَّ إتيان الأجنبية لا سيما الذكران أشد نكيرًا، وفي تأخير الكاهن عنهما (في رواية) ترقٍّ من الأهون إلى الأغلظ. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 857).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: مَن جامع امرأة في حال الحيض، أو في دُبرها معتقدًا تحليله، أو سأل كاهنًا عن حال معتقدًا أنه حق وصدَّق فقد كفر؛ لأن تحليل الحرام كفر، وإنْ عَلِمَ بُطلان ذلك وتحريمه كان فاسقًا، فيكون معنى «كفر» حينئذٍ: كفران نعمة الله، أو يكون للتهديد والوعيد الشديد. المفاتيح (1/ 461).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في قوله -صلى الله عليه وسلم- تغليظ شديد، ووعيد هائل؛ حيث لم يكتفِ بـ«كَفَرَ» بل ضمَّ إليه «بما أنزل على محمد»، وصرَّح بالعَلَم (محمد) تجريدًا، والمراد بالمنزَّل الكتاب والسُّنة، أي: مَن ارتكب هذه الهنَّات فقد بَرِئَ مِن دِين محمد -صلى الله عليه وسلم-، وبما أُنزل عليه. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 857).
وقال الصنعاني -رحمه الله- معلقًا على كلام الطيبي:
قلتُ: وذلك لأن فيما أُنزل فيه: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} البقرة: 222، وفيه: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} البقرة: 223، فأفاد بإباحة موضع الحرث تحريم غيره، والدُّبر ليس موضع حرث، قيل: والمراد كافر نعمة، إلا أنْ يكون مستحلًّا. التنوير (10/ 21-22).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
أما إتيان الحائض أو الدبر، فيحتاج إلى التأويل؛ إذ هو معصية، وارتكاب محرم لا ينتهي إلى الكُفر، فقد يَقبل التأويل لمن فعل ذلك مستحلًّا كما قيل في نظائره. النفح الشذي (3/ 210).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
هو محمول على الاستحلال، أو على التهديد والوعيد. مرقاة المفاتيح (7/ 2907).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
معنى هذا (يعني: «فقد كفر بما أنزل على محمد») عند أهل العلم على التغليظ، قد كفر يعني: يكون مِن نصوص الوعيد التي لا يُقصد منها حقيقة الكفر، وإنما يقصد من ذلك التغليظ على فاعل هذه الأمور، وإنْ كان مستحلًّا لذلك كفر، نسأل الله العافية؛ لأنها أمور مجمَع عليها. شرح سنن الترمذي (26/ 33).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله- أيضًا:
وطء المرأة بالدُّبر محرَّم، وبعض الناس إذا رأى مثل هذا الحديث، وأنَّ فيه كلامًا لأهل العلم، قال: الضعيف لا يحتج به، فنسمع من يقول: بأنَّ مثل هذا ما دام فيه حديث ضعيف ما أثْبتُ به حجة، فبدلًا من أنْ يكون محرمًا يكون جائزًا؛ لأن الضعيف لا تثبت به حُجة، مع أنَّ الإجماع قائم على تحريم وطء المرأة في الدبر، ولا يفعله إلا بعض طوائف البدع، كما هو معلوم في كتبهم، ومقرر عندهم، لكن مع ذلك هو محرم بإجماع من يُعْتَدُّ بقوله من أهل العلم، ومَن يَستدل بقوله:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} البقرة: 223، يعني في موضع الحرث {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} البقرة: 223، لكن في موضعه، يعني: كيف شئتم، لكن في موضعه، أين موضع الحرث؟ هو الفَرْجُ، القُبُل لا الدُّبُر؛ لأن الدُّبُر ليس بموضع للحرث، وأنصاف المتعلمين تجد منهم من يجترئ على بعض القضايا المجمَع عليه، ويظن أنَّه أتى بما لم تأتِ به الأوائل، مجرد أنَّ الحديث ضعيف، وقد وجد غيره في الباب أحاديث تقويه، ويوجد من عمومات الشريعة، وإجماع أهل العلم لا يُهْدَر. شرح سنن الترمذي (26/ 30).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ