الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«إذا شَرِبَ أحدكم فلا يتنفَّس في الإناء، وإذا أتى الخلاء، فلا يمس ذَكَرَهُ بيمينه، ولا يَتَمَسَّحْ بيمينه».


رواه البخاري برقم: (153)، ومسلم برقم: (267)، من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فلا يتنفَّسْ»:
التنفس له معنيان: أحدهما: أن يشرب ولا يتنفس في الإناء من غير أن يبينه عن فِيه، وهو مكروه.
والتنفس الآخر: أن يشرب الماء وغيره من الإناء بثلاثة أنفاس، فَيُبِين فاه عن الإناء في كل نفس. الغريبين، لأبي عبيد الهروي (6/ 1870).
قال الجوهري -رحمه الله-:
تَنَفَّسَ الرجل، وتَنَفَّس الصُعَداء، وكلُّ ذي رئةٍ مُتَنَفِّسٌ. الصحاح (3/ 984).

«الخلاءَ»:
‌المكان الخالي، وهو ها هنا كناية عن موضع الحدَث.كشف المشكل، لابن الجوزي (3/ 270).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
هو: المكان الذي يُتخلى فيه؛ لحاجة الإنسان من الغائط، أي: ينفرد، ومنه قوله: يتخلى بطرق المسلمين، يعني: يُحدث. مشارق الأنوار(1/ 239)


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: فلا يخرجْ نفَسَه في الظَّرْف (الإناء)، بل إذا أراد التنفُّسَ، فليَدْفَعْ فمَه عن الإناء ويتنفس ويستريح، ثم يشرب، وعِلَّةُ النهي عن التنفُّس في الإناء؛ لتغيُّرِ ما في الإناء بنفسه. المفاتيح (1/ 373).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «فلا يتنفس» أي: فلا يُخْرِج نَفَسَه «في الإناء» كراهة أن ينحدر قذر من تنفسه، أو لئلا تقل برودة الماء الكاسر للعطش؛ بحرارة النَّفَسِ، بل إذا أراد التَّنَفُّس، فليرفع فمه عن الإناء، ويتنفَّس ثم يشرب. شرح المصابيح (1/ 250-251).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ولا يتنفس» وفي نسخة: «ولا يتنفَّسَنَّ» بنون التوكيد، وهو من باب التفعيل أيضًا، «في الإناء» أي: الوعاء، جمعها: آنية، وجمع الآنية: الأواني، مثل سقاء، وأسقية، وأساقي، وأصله غير مهموز. عمدة القاري (2/282).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يتنفس» بجزمه مع الفعلين بعده على النهي، وبرفعه معهما على النفي بمعنى النهي، والنهي في الثلاثة للتنزيه، وحكمته في الأول: المبالغةُ في النظافةِ؛ لأنه ربما يخرجُ منه ريق فيخالط المشروب، فيعافه الشارب، وربَّما تروَّح المشروبُ من بخار رديء بمعدتهِ فيفسده، فالسُّنَّةُ أنْ يبين الإناء عن فمه ثلاثًا، مع التَّنَفُّسِ كل مرَّة. منحة الباري(1/ 430).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلا يتنفس في الإناء» زاد ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: النهي عن النفخ في الإناء، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه».
وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا النهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه ربما حصل له تغير من النفس؛ إما لكون المتنفس كان متغيّر الفم بمأكول مثلًا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس. فتح الباري (10/ 92- 93).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
نهيه عن التنفس في الإناء نهي أدب وتعليم؛ وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبدُرَ من فيه الريق، فيخالط الماء، فيعافه الشارب منه، وربما تروَّح بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه، ورِقَّةِ طبعه تُسْرِعُ إليه الروائح، ثم إنَّه من فِعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت، ثم تنفَّست فيه، ثم عادت فشربت، وإنما السُّنة والأدب أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفسًا من الإناء نحَّاه عن فمه، ثم عاد مصًّا له، غير عَبٍّ (شرب الماء من غير مَصٍّ) إلى أن يأخذ رِيَّهُ منه. أعلام الحديث (1/ 244-245).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: هذا (النهي) إذا أكل أو شرب مع غيره، وإذا كان الإنسان يأكل أو يشرب وحده، أو مع أهله، أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئًا مما يأكل منه، فلا بأس بالتنفس في الإناء، كما فعل النبي مع عمر بن أبي سلمة، أمره أن يأكل مما يليه، وكان هو -عليه السلام- يتبع الدباء في الصحفة، علمًا منه أن لا يقذِّر منه شيء -عليه السلام-، وكيف يُظن ذلك! وكان -عليه السلام- يبادر أصحابه نخامته فدلَّكوا بها وجوههم، وكذا قصد وضوئه، فهذا فرق بين فعله -عليه السلام- وأمره غيره بالأكل مما يليه. شرح صحيح البخاري (6/ 79).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إن قيل: فقد صح من حديث أنس أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتنفس في الإناء ثلاثًا.
فالجواب: أنَّ المعنى يتنفس في مدة شربه من الإناء ثلاثًا، ومعنى هذا: التنفس عند إبانة الماء عن الفم، والنهي في حديثنا هذا أنْ يجعل النفس في الإناء. كشف المشكل (2/137-138).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: روى البخاري ومسلم «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتنفسُ في الإناء إذا شرب ثلاثًا»، قلتُ: معناه: أنه كان يشرب بثلاث دفعات، وعلَّله بأنه أبرأ وأهنأ وأمرأ، والذي نُهِيَ عنه النَّفَسُ في الإناء بأن لا يُبْعِده عن فيه؛ فإنه يفسد الماء بحرارة نَفَسَهُ، وربما خرج من فيه ريقٌ أو رائحة خبيثة فيتأذَّى به مَنْ يشربُ بعده. الكوثر الجاري (1/301).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن التنفس، وكان هو يتنفس، فقيل: معناه: يتنفس في الإناء، أي: لا يعمه بالشرب في نفس واحد، ولكنه يقطعه، وقيل: كان يتنفس فيه؛ لأن ريقه كان ألذّ من الماء، وأعطر من المسك، فعدمت العِلَّةُ التي نهى غيره عن ذلك لأجلها. عارضة الأحوذي (8/60).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره، ونَتَنِهِ، وسقوط شيء من الفم، والأنف فيه، ونحو ذلك -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (3/160).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه إشارة إلى جواز الشرب في نفس واحد؛ لأنه إنما نهي عن التنفس في الإناء، والذي يشرب في نفس واحد ولم يتنفس في الإناء، فلا يكون مخالفًا للنهي، وهو مقتضى حديث أبي سعيد الخدري منه، حيث أقرَّهُ -صلى الله عليه وسلم- عليه. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (1/ 502-503).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: لم يُبيِّن في الحديث عدد التنفس خارج الإناء، غاية ما في الباب أنه نهى عن التنفس فيها، قلتُ: قد بيَّنه في الحديث الآخر بالتثليث...
فإن قلتَ: هل الحكم مقصور على الماء أم غيره من الأشربة مثله؟
قلتُ: النهي المذكور غير مختصٍّ بشرب الماء، بل غيره مثله، وكذلك الطعام مثله، فيكره النفخُ فيه، والتَّنفُّس في معنى النفخ، وفي جامع الترمذي مصحَّحًا عن أبي سعيد الخدري أنه -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء، قال: أهرقها، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: فأبِن القدح إذًا عن فيك».
فإنْ قلتَ: ما الدليل على العموم؟ قلتُ: حذف المفعول في قوله: «وإذا شرب»؛ وذلك لأن حذف المفعول يُنبئ عن العموم. عمدة القاري (2/ 295-296).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «‌فلا ‌يتنفس ‌في ‌الإناء» عام في كل إناء؛ فإنه يُقَذِّرُهُ فتعافه النفس؛ ولأنه مِن فِعل البهائم، فمن فعله فقد تمثَّل بهم، قال العراقي: فالنهي محمول على الكراهة لا التحريم اتفاقًا، والمراد به: أن يتنفس في أثناء شربه من الإناء من غير أن يرفع فمه عنه. فيض القدير (1/ 386).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
والنهي عن هذا (عن التنفس في الإناء) نهي أدب، لا نهي تحريم؛ لأن العلماء قد أجمعوا أن من تنفَّس في الإناء، أو نفخ فيه لم يحرم عليه بذلك طعامه ولا شرابه، ولكنه مُسيء على فعله إذا كان عالِمًا بالنهي، وكان داود (الظاهري) يقول: إن النهي عن هذا كله، وما كان مثله نهي تحريم، وهو قول أهل الظاهر، لا يجوز عند واحد منهم أن يشرب من ثلمة القدح، ولا أن يتنفس في الإناء، ومن فعل شيئًا من ذلك كان عاصيًا لله عندهم، إذا كان بالنهي عالِمًا. المسالك (7/ 348).
وقال ابن العربي -رحمه الله- أيضًا:
قال آخرون: إنما نهى عن التنفس في الإناء ليزيل الشارب القدح عن فيه؛ لأنه إذا أزاله عن فيه صار مستأنِفًا للشرب، ومِن سُنَّة الشرب أن يبتدئه المرء بذكر الله تعالى؛ فمتى أزال القدح عن فيه حمد الله، ثم استأنف الشرب، فسمَّى الله، فحصلت له بالذكر حسنات، فإنما جاء هذا؛ رغبة في الإكثار من ذكر الله على الطعام والشراب.
وهذا تأويل ضعيف؛ لأنه لم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُسمِّي عند كل لقمة إلا في أوله وفي آخره. المسالك(7/ 349).
وقال ابن العربي -رحمه الله- أيضًا:
(في رواية) «نهى عن النفخ في الشراب» قال علماؤنا: هذا من مكارم الأخلاق أيضًا، ومعنى ذلك: لئلا يقع فيه من ريق النافخ، فيتقزَّزُهُ غيره.
(قلتُ): بل هو حرام فيما يعلم أنَّه يناوله لغيره، فإن الإضرار بالغير حرام، فإن فعله في خاصة نفسه، ثم ناوله لغيره، فليعلمه به؛ لأنه إن كتمه كان من باب الغش، وهو حرام. عارضة الأحوذي (8/65).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله- معلقًا:
العجب منه حيث قال: إنَّ عدم إعلامه بما تنفَّس فيه حرام، فكيف يكون حرامًا!؟ وأي وجه لحرمته؟ فإنَّ البصاق طاهر إجماعًا، فإذا تسبب في أكله لشيء طاهر لم يظهر له فيه استقذار، كيف يكون حرامًا؟ ولو كان ظَهَر له فيه قذر، ما أكله، بل لو أكرهه على أكله، لم تكن فيه حرمة، وكيف يلتئم التحريم مع قوله: إنَّ التنفس خارج الإناء من مكارم الأخلاق ؟ فتأمل. كوثر المعاني الدراري (4/ 304-305).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: أن الشريعة الإسلامية شاملة كاملة، شاملة لكل شيء؛ ولهذا قال رجل لسلمان الفارسي: «علَّمكم نبيكم حتى الخراءة»، يعني: آداب الخراءة -التخلي- قال: «أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع، أو عظيم»، وقال أبو ذر: «ولقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وذكر لنا منه علمًا».
فالشريعة -والحمد لله- شاملة، ومع شمولها كاملة تكمل جميع ما يتعلق بها.
ومن فوائد الحديث: النهي عن التنفس في الإناء، وهل النهي للكراهة أو للتحريم؟ نقول: هو للكراهة إلا إذا أدَّى إلى إيذاء الغير، كما لو كان هذا الشراب سيشرب من بعدك، وأنك لو تنفَّست فيه لقَذَّرته في نظر غيرك، فحينئذٍ يكون النهي للتحريم؛ من أجل الأذية، وإلا فالأصل أنه للكراهة.
ومن فوائد الحديث: أن السُّنة إذا أردت أن تتنفس، أن تفصل الإناء عن فمك، تبعده، ما يكفي أن ترفع رأسك، والتنفس يمكن أن يصل للإناء، لا، بل افصله. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 626-627).

قوله: «وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يمسَّ ذكَره بيمينه»، يعني: لا يضع يده اليمنى على ذَكَرِهِ، ولا يأخذه بيمينه عند الاستنجاء وغيره؛ لأن اليد اليمنى شريفة، لا يستعملها إلا في المواضع الشريفة، كالوجه والرأس، وغيرهما. المفاتيح في شرح المصابيح (1/373).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «وإذا أتى الخلاء» أي: فبال، كما فسرته الرواية الآتية ( يقصد: «لا يُمْسِكَنَّ أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول»)، وقوله: «فلا يمسَّ ذكره بيمينه» أي: حالة البول، والفاء في «فلا» جواب الشرط، كهي في السابقة، ويجوز في سين «يمس» الفتح لِخِفَّتِهِ، والكسر على الأصل في تحريك الساكن، وفك الإِدغام، وإنما لم يظهر الجزم فيها للإِدغام، فإذا زال ظهر. كوثر المعاني الدراري (4/ 305-306).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
رُوي بلفظ: «لا يُمْسِكَنَّ أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول»، وبلفظ: «نهى أن يمس ذكره بيمينه»؛ فالرواية المطلقة والمقيدة كلتاهما من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- فهو حديث واحد، وحينئذٍ يتعيَّن حمل المطلق على المقيد، ولا بد. البحر المحيط الثجاج (6/561).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
بل التحقيق أنه ليس من المطلق والمقيد، بل هو مقيد لا غير؛ إذ الرواية المطلقة لم ترِدْ عنه -صلى الله عليه وسلم- إنما أحد الرواة أسقط القيد نسيانًا ... إلا أنه لا يتم هذا إلا إذا ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- لم ينطق بذلك الحديث إلا مرة واحدة مقيدًا، ولا دليل على هذا، لِمَ لا يجوز أنه نطق به مطلقًا، ثم نطق به مقيدًا، كما في كثير من الأحاديث؟ والتقييد زيادة من عدل، وإن كان الحديث ليس واحدًا.
وبالجملة: فالتقييد زيادة، سواء كانت في حديث أو في حديثين، وإن جرى الاصطلاح بأن الزيادة إنما تسمَّى كذلك إذا كانت في حديث واحد، لكن المعنى الحاصل عنها حاصل عن الروايتين؛ إذ الفرض أنه اتحد التكلُّم والموقف، وجاء حديث التقييد بزيادة من عدل؛ فيجب قبولها، ويجري قبول الزيادة دليلًا لحمل المطلق على المقيد، فلا فرق بين الحديثين والواحد، فليتأمل. العدة(1/262).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «لا يمس ذكره بيمينه» فهو في معنى النهي عن الاستنجاء باليمين؛ لأن القُبُل والدُّبُر عورة، وموضع الأذى، وهذا إذا كان في الخلاء، وأما على الإطلاق، على ما روي عن عثمان أنه قال: ما تغنَّيتُ (من الغناء وهو صوت مطرب)، ولا تمنَّيتُ (أي: كَذَبْتُ)، ولا مسستُ ذكري بيميني مذ بايعت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا على إكرام اليمين، وإجلال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مباشرته، وهذا كله عند الفقهاء نهي أدب. شرح صحيح البخاري (1/ 243-244).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: "باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال" أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين -كما في الباب قبله- محمول على المقيد بحالة البول، فيكون ما عداه مباحًا.
وقال بعض العلماء: يكون ممنوعًا أيضًا من باب أولى؛ لأنه إذا نهي عنه في تلك الحالة، وهي مظنة الحاجة، فلأن ينهى في غيرها أولى.
وتعقبه أبو محمد ابن أبي جمرة -رحمه الله- بأن مظنَّة الحاجة لا تختصُّ بحالة الاستنجاء، وإنما خصَّ النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطى حكمه، فلما منع الاستنجاء باليمين، منع مس آلته بها؛ حسمًا للمادة، ثم استدل على الإباحة بقوله -صلى الله عليه وسلم- لطلق بن علي -رضي الله عنه- حين سأله عن مس الذكر: «إنما هو بضعة منك»؛ فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة. فتح الباري (1/254).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
وأما النهي عن مَسّ الذكر والتمسّح به فلشرفه (أي: اليمين)، روى أبو داود عن عائشة: «أن يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليُمنى كانت لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه، وما كان من أذىً»، هذا إذا أمكنه، وأما إذا كان هناك عذرٌ، فذاك شيء آخر، والنهي في أمثاله من قبيل الآداب، قيل: هذا إذا أزال النجاسة بالماء أو بغيره، وأما لو باشره بيده من غير إزالةٍ، فلا يجزئ ولا يجوزُ، سواء كان باليمين أو بالشمال.
قلتُ: عدم الإجزاء مسلَّمٌ، وأما عدم الجواز ففيه نظرٌ.
والظاهرُ: الكراهة، قال الفقهاء: إذا احتاجَ إلى استعمال اليمين في الاستنجاء فليمسك ذكره بشماله، والحجر بيمينه، ولا يحركه، بل يحرك بالشمال. الكوثر الجاري (1/301).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
واستُشكل النهيُ عن مسّ الذكرِ والاستنجاءِ فيه باليمين؛ لأنه إذا استجمر باليسارِ استلزم مسَّ الذكر باليمين، وإذا مسَّ باليسارِ استلزم الاستجمارَ باليمين، وكلاهما منهيٌّ عنه، وأجيبُ عن ذلك: بأن يُمرَّ الذكر بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارة، فلا يُعدُّ مستجمرًا باليمين، ولا ماسًّا للذكرِ بها، فهو كمن صبَّ الماء بيمينهِ على يسارهِ في الاستنجاء. منحة الباري (1/ 431).

قوله «ولا يتمسح بيمينه»:
قال الأصبهاني -رحمه الله-:
قوله: «ولا يتمسح بيمينه» أي: لا يستنج، وقيل: يعني: لا يمس ذكره بيمينه، يعني: الاستنجاء أيضًا؛ لأن القُبُل والدُّبُر عورة، وموضع الأذى، وفي الحديث: فضل اليمين، روي عن الحسن بن علي -رضي الله عنه-: «يميني لوجهي -يعني: للأكل وغيره- وشمالي لحاجتي»، وقال بعض العلماء: النهي عن الاستنجاء باليمين نهي أدب، وقال آخرون: نهي تحريم. شرح صحيح البخاري (2/166).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ولا يتمسحْ بيمينه» أي: ولا يستنجِ بيمينه، فإن قيل: كيف يستنجي بالحَجَر؛ فإنْ أخذَ الحجر بشماله، والذَّكَر بيمينه؛ فقد مسَّ ذكَره، وهو منهيٌّ، وإن أخذَ الحَجَر بيمينه، وأخذ الذَّكَر بشماله؛ فقد يَمْسَحُ بيمينه، وهو منهيٌّ، قلنا: طريقه: أن يأخذ الذَّكَر بشماله، ويمسحَه على جدار أو حجر كبير بحيث لا يستعمل يمينه، لا في أخذ الذَّكَر، ولا في أخذ الحَجَر. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 373).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد تعْرض ها هنا شُبهة، ويُشكل فيه مسألة، فيقال: قد نهى عن الاستنجاء باليمين، ونهى عن مسِّ الذكر باليمين، فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول، فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وإن أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بشماله؛ فقد دخل في النهي؟
فالجواب: أن الصواب في مثل هذا: أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه، أو بالجدار أو بالموضع الناتئ من وجه الأرض وبنحوها من الأشياء، فإن أدته الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة والنبل ونحوها، فالوجه أن يتأتى لذلك بأن يلصق مقعدته إلى الأرض، ويمسك الممسوح بين عقبيه، ويتناول عضوه بشمال، فيمسحه به وينزه عنه يمينه. معالم السنن (1/ 23-24).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا الخطابي:
وهذه هيئة منكرة، بل يتعذَّر فعلها في غالب الأوقات...، والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي: ما قاله إمام الحرمين، ومن بعده؛ كالغزالي في الوسيط، والبغوي في التهذيب: أنه يمر العضو بيساره على شيء، يمسكه بيمينه، وهي متحركة، فلا يعد مستجمرًا باليمين، ولا ماسًّا بها، ومَن ادَّعى أنَّه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمينه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء. فتح الباري (1/ 253-254).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
من دخل الخلاء الأغلب أنْ يُبتلى بما يخرج من السبيلين، فيكون النهي بمسح اليمين، أي: الاستنجاء بها مختصًّا بالدُّبر، ونهي المس مختصًّا بالقبل، ويعلم منه أنه إذا أخذ الحجر باليمين، ومسح بشماله ذكره عليه، لم يكره. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 771).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا الطيبي:
وما ادَّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدُّبر مردود، والمسُّ وإن كان مختصًّا بالذَّكر، لكن يلحق به الدُّبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خصّ الذَّكر بالذِّكر؛ لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الإحكام إلا ما خُصَّ. فتح الباري (1/254).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنَّما وقع النهي عن مسِّ الذكر والاستنجاء باليمين لمعنيين:
أحدهما: لرفع قدر اليمين عن الاستعمال في خساس الأحوال؛ ولهذا تجعل في آخر دخول الخلاء، وأول دخول المسجد، وتجعل اليمين للأكل والشرب والتناول، وتمتهن اليسرى في الأقذار.
والثاني: أنه لو باشرت اليمنى النجاسة لكان الإنسان يتذكر عند تناول طعامه بيمينه ما باشرت ومسَّت، فينفر بالطبع، ويستوحش، ويخيل إليه بقاء ذلك الأثر فيها، فنزّهت عن هذا؛ ليطيب عيشه في التناول. كشف المشكل (2/ 138).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أما الاستنجاء باليمين، فمذهب مالك وأكثر الفقهاء: أنَّ من فعل ذلك فبئس ما فعل، ولا شيء عليه، وقال بعض أصحاب الشافعي، وأهل الظاهر: لا يجزئه الاستنجاء بيمينه؛ لمطابقة النهي، والصواب في ذلك: قول الجمهور؛ لأن النهي عن الاستنجاء باليمين، من باب الأدب، كما أنَّ النهي عن الأكل بالشمال من باب أدب الأكل، فمن أكل بشماله، فقد عصى، ولا يحرم عليه طعامه بذلك، وكذلك من استنجى بيمينه وأزال الغائط، فقد خالف النهي، ولم يقدح ذلك في وضوئه، ولا صلاته، ولم يأتِ حرامًا. شرح صحيح البخاري (1/ 244).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وبكونه للتنزيه قال الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للتحريم، وفي كلام جماعة من الشافعية ما يشعر به، لكن قال النووي: مراد من قال منهم: لا يجوز الاستنجاء باليمين، أي: لا يكون مباحًا يستوي طرفاه، بل هو مكروه راجح الترك، ومع القول بالتحريم، فمن فعله أساء وأجزأه، وقال أهل الظاهر وبعض الحنابلة: لا يجزئ.
ومحل هذا الاختلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلةٍ غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى -والله أعلم-. فتح الباري (1/ 253).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ولا يجزئ أحدًا أنْ يستنجي بيمينه. المحلى بالآثار(1/ 108).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
فيه دليل على أنَّ مجاور الشيء يُعطى حكمه، يُؤخَذ ذلك من قوله -عليه السلام-: «إذا بال أحدكم فلا يأخذَنَّ ذكره بيمينه»؛ ففي حين كان الذكر مجاورًا للبول مُنع أخذه باليمين، وفي غير ذلك الزمان لم يمنع منه، يؤيد ذلك قوله -عليه السلام- حين سأله السائل في مس ذكره، فقال: «وهل هو إلا بضعة منك؟» فدل على جواز أخذه كسائر جسده؛ ولهذه الإشارات أعني المستخبثات كلها تكون بالشمال. جمع النهاية(1/154).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وفيه فضل الميامن، وقد قال علي: «يميني لوجهي» يعني: للأكل وغيره، «وشمالي لحاجتي»، وقد نزع لهذا الكلام ابنه الحسن حين امتخط بيمينه عند معاوية، فأنكر عليه معاوية، وقال: «بشمالك». شرح صحيح البخاري (1/ 243-244).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ