السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ على النَّارِ، أو بِمَنْ تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟ على كُلِّ قرِيبٍ هيِّنٍ سَهْلٍ».


رواه أحمد برقم: (3938)، والترمذي برقم: (2488)، حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد: «حُرِّمَ على النَّارِ كلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ».
صحيح الجامع برقم: (3135)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1744).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«قَرِيبٍ»:
أن يكون قريبًا من الناس يجالسهم ويلاطفهم. المفاتيح، للمظهري (5/ 252).

«هَيِّنٍ»:
أصله: هَيْوِن قُلِبَتِ الواو ياءً، وأُدغمت الياءُ في الياءِ، وهو مِن الهَوْن، وهو: السهولة. المفاتيح، للمظهري (5/ 252).

«لَيِّنٍ»:
أَيْ: رقيق الفؤاد. فيض القدير، للمناوي (3/ 380).
قال الصاحب بن عباد -رحمه الله-:
يقال: رجل هَيِّنٌ لَيِّنٌ؛ وهَيْنٌ لَيْنٌ. المحيط في اللغة (2/ 457).
«سَهْلٍ»:
رجل سهل الخُلُق: سهل المَقَادَةِ والقِياد. أساس البلاغة، للزمخشري (1/ 480).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
يقال: رجل سهل الخُلُق: نقيض صعب الخُلُق. شمس العلوم (5/ 3237).


شرح الحديث


قوله: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ على النَّارِ، أو بِمَنْ تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أَلَا» أداة استفتاح أُتِي بها لتنبيه السامع على ما بعدها، كقوله «أُخبركم»؛ ليستيقظ المخاطَب من غمرات الأفكار، ويتوجه لتلقي ما يُلقى عليه، «بِمَنْ يَحْرُم على النار» أي: يُحرِّمه الله عليها، فيَسْلب منها قوة إحراقه وإيذائه، كنَارِ الخليل -عليه السلام-، «أو» شَكٌّ من الراوي: أي: أو قال: «ألا أخبركم بمن تَحْرُم عليه النار؟» أي: لا يستحقها، والأوَّل أبلغ؛ لأنه لو فُرِض أنه دخلها لم تضره، بخلاف الثاني، فإنَّ المُحَرَّم عليه دخولها فقط. دليل الفالحين (5/ 97، 98).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ألا أخبركم بمن يَحرُم على النار» أي: لا يُطْرَح فيها، ولا يدخلها «وبمن تَحرُم النار عليه؟» أي: لا تَصِلُ إليه. شرح المصابيح (5/ 345).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ألا أخبركم بمَن يَحرُم» بضم الراء «على النار» أي: يُمنع عنها «وبمن تَحرُم النار عليه؟» زيادة تأكيد، وإلا فالمعنيان متلازمان، ولَمَّا كان مآلهما واحدًا اكتفى بالجواب عن الأول؛ لأنَّه المُعَوَّل، والثاني مؤكد. مرقاة المفاتيح (8/ 3178، 3179).
وقال السندي -رحمه الله-:
المعنى (أي: معنى التحريم على النار) أي: حِفْظه ومنعه منها، أو لا تَقْربه النار كما لا يَقرب الإنسانُ ما حُرِّم عليه، وإلا فلا تَكْليف على النار حتى يكون شيء عليها حرامًا أو حلالًا، والله تعالى أعلم. فتح الودود (2/ 42).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والتحريم (على النار) لا يكون إلَّا على مُكَلَّف. التنوير (3/ 316).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
اعلم أنه أُتِي في السؤال بكلا الشقين -أعني حرمة الشخص على النار، وحرمة النار على الشخص- تأكيدًا ومبالغة في بُعده عنها، ولَمَّا كان مآل العبارتين إلى معنى واحد اقتُصر في الجواب على أحدهما؛ لقربه؛ ولكونه المتعارف في العبارة عن ذلك المعنى. لمعات التنقيح (8/ 329).
وقال رشيد الكنكوهي -رحمه الله-:
يحرُم على النار، ويُحَرَّم عليه النار، أي: المضادة ثابتة من الطرفين، فلو دخل مثل هذا الرجل في النار لما أكلته. الكوكب الدري (3/ 299).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اُختُلِف في معنى ذلك (التحريم على النار) هل المراد أنه لا يدخل النار أصلًا، أو أنه وإن قُدِّر عليه دخولها لا تأكله النار، أو أنَّه يحرم على النار أنْ تستوعب أجزاءه وإنْ مَسَّت بعضه؟... فيكون قد أُطْلِق الكل وأُرِيد البعض مجازًا، والحمل على الحقيقة أولى، وأن الله تعالى يُحَرِّم جميعه على النار، وفضل الله تعالى أوسع، ورحمته أَعَم. نيل الأوطار (3/ 23).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«حرم على النار» أي: دخولها مؤبَّدًا؛ جمعًا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها. منحة الباري (2/ 130).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حَرُمَ على النار» أي: المُعدة لعذاب الكفار، أو على سبيل الخلود المُؤبَّد، فلا ينافي ما ثبت من تعذيب بعض عصاة المؤمنين بها. دليل الفالحين (8/ 355، 356).

قوله: «على كُلِّ قرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ»:
قال رشيد الكنكوهي -رحمه الله-:
معنى «القريب» أنه لسهولة أخلاقه لا يتباعد منه الناس، ولا يتوحشون منه، و«الهين» المنقاد لكل أحد، المتحمِّل أقوالهم وأفعالهم الذين أمروه بإتيانها، والسهل: المنقاد الساعي في أمورهم وإن لم يأمروا بإتيانها إياه. الكوكب الدري (3/ 299).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «هَيِّن» أصله: هَيْوِن، قُلِبَت الواو ياء، وأدغمت الياءُ في الياء، وهو مِن الهَوْن، وهو: السهولة، ومعنى «القريب» أن يكون قريبًا من الناس يجالسهم ويلاطفهم. المفاتيح (5/ 252).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«هَيِّن» من الهَون بِفَتْح الهاء: السكينة والوَقار «لَيِّن» مخفف (لَيْن) على فَيْعل، مِن الِّلين ضد الخشونة. التيسير (2/ 453).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «على كل هَيِّن لَيِّن» هذا جواب عن السؤالين، والجواب الظاهر عنهما: كل هيِّن ليِّن، ثم في الدرجة الثانية أن يقال عن الأول: يحرم على النار كل هيِّن ليِّن، وعلى الثاني: تحرم النار على كل هين لين، فَأَتَى بجواب موجز يدل عليهما بالتفصيل، ولو أتى به كما يقتضيه الظاهر، وهو قوله: «كُل هيِّن ليِّن» لم يدل على التفصيل. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3236).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-متعقبًا الطيبي:
وهو غريب منه؛ فإن دلالة ما يقتضيه الظاهر على التفصيل أظهر من دلالة الجواب الموجز عنده عليه، كما يظهر بأدنى تأمل، فإنَّ تقديره حينئذٍ هو: كل هيِّن ليِّن، ويكون مرجع الضمير ما ذكره من الوصفين، وهو مَن يَحرُم على النار، ومَن تَحرُم عليه النار، بل لو حَقَّقت النظر ودَقَّقت التأمل لوجدت أنَّ جوابه الموجز على زعمه لا دلالة له على التفصيل أصلًا، بل دلالته إجمالية كما قدمناه، وقد يقال: إنه من باب الاكتفاء، كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} النحل: 81، أي: والبرد، فكذلك هنا يُقَدَّر: وعلى كلِّ هَيِّنٍ ليِّنٍ، مع احتمال أن القرينة الثانية زائدة من بعض الرواة؛ لأجل المبالغة، ويؤيده ما في الجامع بلفظ: «ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا، على كل هين لين قريب سهل» والله أعلم. مرقاة المفاتيح (8/ 3179).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«على كل هَيِّن» مِن: الهَوْن، وهو السهولة «لَيِّن» أي: حليم، ضد الخشونة، قيل: هما يُطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، وعلى غيره بالتشديد على الأصل، وعن ابن الأعرابي: بالتخفيف للمدح، وبالتشديد للذم، «قريب» من الناس بمجالستهم وملاطفتهم، «سهل» أي: في قضاء حوائجهم، وتمشية أمورهم وإعانتهم. شرح المصابيح (5/ 345).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فقال -صلى الله عليه وسلم- قبل قولهم: بلى «على كُلِّ هَيِّن لَيِّن» بتشديد التحتية فيهما، أي: تحرم على كل سهل طَلق حليم ليِّن الجانب...، ثم قوله: «هَيِّن» فعيل من الهَون، وهو السكون والوقار والسهولة، فَعَيْنُه واوٌ، فَأُبدلت وأُدْغمت... «قريب» أي: من الناس بمجالستهم في محافل الطاعة، وملاطفتهم قدر الطاقة، «سهل» أي: في قضاء حوائجهم، أو معناه: أنه سمح القضاء، سمح الاقتضاء، سمح البيع، سمح الشراء على ما ورد في فضل المؤمن الكامل. مرقاة المفاتيح (8/ 3179).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «هَيِّن لَيِّن» بكسر الياء مشددة، وسكونها، كَمَيِّتٍ وَمَيْتٍ، و«الهيِّن» من الهَون، وهو: السهولة «ليِّن» أي: حليم، ضد الخشونة. لمعات التنقيح (8/ 328 ــ 329).

قوله: «حُرِّمَ على النارِ كُلُّ هيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قرِيبٍ مِنَ الناسِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«كُلُّ» مكلَّف «هَيِّن لَيِّن» أي: رقيق الفؤاد «سهل قريب من الناس» والمراد المسلم الذي يكون كذلك. فيض القدير (3/ 380).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كل هَيْن» مخففًا، من الهَوْن بفتح الهاء، السكينة والوقار «لَيْن» مثله... «قريب» إلى الناس غير متكبر ولا متعاظم «سهل» غير صعب الأخلاق، ولا بعيد عن حوائج العباد. التنوير (4/ 361).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الأوصاف، فقال: «أهل الجنة كل هين لين سهل طلق» ولما ذكرنا من هذه الأوصاف حدودًا مقدَّرة ومواضع مستحقة...، فإذا كانت لمحاسن الأخلاق حدود مقدرة، ومواضع مستحقة، فإن تجاوز بها الحد صارت مَلَقًا، وإنْ عدل بها عن مواضعها صارت نفاقًا، والْمَلَقُ ذل، والنفاق لؤم، وليس لمن وسم بهما ود مبرور، ولا أثر مشكور. أدب الدنيا والدين (ص: 243).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: استحباب ملاطفة الناس، وتسهيل الجانب لهم، وقضاء حوائجهم. تطريز رياض الصالحين (ص: 417).


إبلاغ عن خطأ