السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌ما ‌يُصِيبُ ‌المسلمَ ‌من ‌نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكَةِ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بها من خطايَاهُ».


رواه البخاري برقم: (5641) واللفظ له، ومسلم برقم: (2573)، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌‌نَصَبٍ»:
‌النَّصَب: العناء. مقاييس اللغة، لابن فارس (5/ 434).
وقال النووي -رحمه الله-:
النَّصَب: التعب، وقد نَصِبَ يَنْصَبُ نَصَبًا كفرح يفرح فرحًا. شرح صحيح مسلم (16/ 130).

«‌وَصَبٍ»:
الوَصَبُ: المرض الملازم الدائم. مقاييس اللغة، لابن فارس (6/ 117).

«هَمٍّ»:
بالفتح: حزنٍ وقلقٍ. الكليات، للكفوي (ص: 960).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الهَمُّ: الحُزْنُ ‌الذي ‌يُذيب ‌الإنسان، يُقال: هممْتُ الشحم فانْهَمَّ، والهم: ما هممت به في نفسك، وهو الأصل. المفردات (ص: 845).

«حَزَنٍ»:
الحزن: بضم حاء، وسكون زاي، وبفتحها: ضد السرور. مجمع بحار الأنوار، للفتني (5/ 377).
قال البرماوي -رحمه الله-:
«حزن» أي: ما يلحقه بسبب حصول مكروه في الماضي. اللامع الصبيح (14/ 239).

«‌غمٍّ»:
الغم: الكرب. تهذيب اللغة، لابن فارس (8/ 28).
قال البرماوي -رحمه الله-:
«غم» أي: ما يلحقه من تضييق وثقل. اللامع الصبيح (14/ 239).

«يُشَاكَهَا»:
أي: يُصاب بها. أعلام الحديث، للخطابي (3/ 2099).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
يُقال: شاكَتْنِي الشوكة تَشُوكُنِي إذا دخلت في جسده، وقد شُكْتُ أنا أُشَاك إذا وقع في الشوك. تهذيب اللغة(10/ 167).


شرح الحديث


قوله: «‌ما ‌يُصِيبُ ‌المسلمَ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«‌ما ‌يُصِيبُ ‌المسلمَ» خصَّه لأن الثواب الأخروي لا يكون إلا له. فتح الإله (5/428).

قوله: «من ‌نَصَبٍ ولا وصَبٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما يصيب المسلم» «ما» نافية، و«مِن» زائدة للاستغراق في قوله: «من نصب، ولا وصب» بفتحتين فيهما، والأول التعب، والألم الذي يصيب البدن من جراحة وغيرها، والثاني الألم اللازم، والسقم الدائم على ما يُفهم من النهاية. مرقاة المفاتيح (3/ 1128).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الأشبه هُنا أن يكون النَّصَب بمعنى: الوَصَب، قال الخليل: النصب: الداء، يعني بسكون الصاد، ففتحه على اتِّباع وصب، والله أعلم، وليس هذا موضع الإعياء. إكمال المعلم (8/ 43).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «الوصب»: الحرارة في البدن، سواء كانت من الحُمّى أو غيره. فيض الباري (6/ 33).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
أكد وأطنب بعطف مترادفات، أو قريبة من الترادف؛ اهتمامًا بهذا المقام الخطر؛ ليكون العلم بعظيم الثواب مانعًا من الوقوع في ورطة خطر الضجر. فتح الإله (5/428).

قوله: «ولا همٍّ ولا حَزَنٍ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الهم والحزن...» ما يصيب القلب من الألم بفوت مال أو موت ولد وغير ذلك...، والهم: الحزن الذي يُهِم الرجل؛ أي: يذيبه، والحزن أسهل منهما، وهو الذي يظهر منه في القلب خشونة وضيق، وهو من قولهم: مكان حَزْنٌ؛ أي: خشن. المفاتيح (2/ 394).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الهم: الحزن، والجميع: الهموم، وأهمني الأمر: إذا أقلقني وحزنني، والمهم: الأمر الشديد، وهمني المرض: أذابني.
قلتُ: هذا نقل أهل اللغة، وقد سووا فيه بين الحزن والهم، وعلى هذا فيكون الحزن والهم المذكوران في الحديث مترادفين، ومقصود الحديث ليس كذلك، بل مقصوده: التسوية بين الحزن الشديد الذي يكون عن فقد محبوب، والهم الذي يقلق الإنسان، ويشتغل به فكره من شيء يخافه، أو يكرهه في أن كل واحد منهما يُكفَّر به. المفهم (6/ 545 - 546).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ظن بعضهم أنَّ الهم والحزن يتحدان في المعنى، وإنَّما عطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظتين، وليس كما توهم، فإنَّ الهم إنما يكون في الأمر المتوقع، والحزن فيما قد وقع...، وعلى هذا الذي ذكرناه يصح أنْ يُقال: الهم أشد الحزن ومعظمه؛ لاقتران خوف الوقوع به؛ ولأن الشيء المتوقع من المكروه لا يزال يزداد تأثيره حتى يقع، فإذا وقع رجع أمره إلى الانحطاط، والحُزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، وبهذا الاعتبار يقال: خشنت بصدره إذ حزنته. الميسر (2/ 574).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فعلى هذا الهم أخص وأبلغ من الحزن، وقيل: الهم يختص بما هو آتٍ، والحزن بما مضى، روى الترمذي: أن وكيعًا قال: لم يسمع في الهم أنه يكون كفارة إلا في هذا الحديث. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1339).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
لما كان فيه (الهم) من المشقة على النفس علمت حال أصحابنا: أنَّه إذا اشتد بإنسان كان عذرًا له في ترك الجماعة والجمعة؛ لأنه أشد من كثير من أعذارهما الواردة في السنة، كالريح والمطر. فتح الإله (5/428).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
مِن غرائب فروع الشافعية ما ذكره ابن حجر، قال أصحابنا: إذا اشتد الهم بإنسان كان عذرًا له في ترك الجمعة والجماعة؛ لأنه أشد كثيرًا من أعذارها الواردة في السنة كالريح والمطر. اهـ.
وهو قياس فاسد كما لا يخفى، مع مخالفته لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أرحنا بها يا بلال»، ولما ورد من أنه -عليه الصلاة والسلام- «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة». مرقاة المفاتيح (3/ 1128).

قوله: «ولا أذًى ولا غمٍّ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
الأذى: ما يلحقه من تعدي الغير عليه، والغم: ما يلحقه بحيث يغمه كأنه يضيق عليه ويثقله، وهو شامل لجميع أنواع المكروهات؛ لأنه إما بسبب يعرض للبدن أو للنفس، والأول: إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أم لا، والثاني: إما أن يلاحظ فيه التغير أم لا، ثم ذلك إما أن يظهر فيه الانقباض والاغتمام أم لا، ثم ذلك إما بالنظر إلى الماضي أم لا. الكواكب الدراري (20/ 176- 177).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الأذى: المكروه اليسير، والغمُّ والغمَّاء والغُمَّة بالضم: الكرب، غمه فاغتم وانْغَمَّ، والغمُّ في الأصل: الستر والتغطية، من الغمام، كأنه يستر القلب ويغطيه، وهو شامل لجميع أنواع المكروهات. لمعات التنقيح (4/ 20).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا غم» بالغين المعجمة هو أيضًا من أمراض الباطن، وهو ما يضيق على القلب، وقيل: في هذه الأشياء الثلاثة -وهي الهم والغم والحزن- أن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم: كَرْبٌ يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن: يحدث لفقد ما يشق على المرء فَقْدُه، وقيل: الهم والغم بمعنى واحد. فتح الباري (10/ 106).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الغمُّ: هو الحزن الذي يغمُّ الرجل، أي: يصيره بحيث يقرب أنْ يُغمى عليه، فالهم والحزن ما يصيب القلب من الألم بفوت محبوب، إلا أنَّ الغم أشدها، والحزن أسهلها، وقيل: الهم يختص بما هو آتٍ، والحزن بما فات. مرقاة المفاتيح (3/ 1128).

قوله: «حتى الشوكَةِ يُشَاكُهَا»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «يُشاكها» أي: يُصاب بها. أعلام الحديث (3/ 2099).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «حتى الشوكة يشاكها» يجوز برفع «الشوكة» على أنها مبتدأ، ويجوز بجرها على أنَّ «حتى» بمعنى الواو العاطفة، أو بمعنى (إلى) التي هي لانتهاء الغاية.
قوله: «يشاكها» فالضمير مفعوله الثاني، والمفعول الأول مضمر قائم مقام الفاعل، والتقدير: حتى الشوكة يشاكها المسلم تلك الشوكة؛ أي: تُجرح أعضاؤه بشوكة. المفاتيح (2/ 394- 395).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«حتى الشوكة» جوَّز فيه أبو البقاء أوجه الإعراب: فالجر على أن «حتى» جارة بمعنى (إلى) والنصب بفعل محذوف؛ أي: حتى يجد الشوكة، والرفع إما بالعطف على محل «مِن نَصَبٍ» أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر.
«يشاكها»: أي: يصاب بها...، قال الأصمعي: ويقال: شاكتني تشوكني: إذا دخلت هي، فلو كان المراد هذا لقيل: تشوكه، ولكن جعلها هي مفعولة، وجعله هو مفعولًا به أيضًا.
قلتُ: ولا بدع في ذلك، ولا إشكال بوجه من الوجوه. مصابيح الجامع (9/ 205- 206).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يشاكها» بضم أوله أي: يشوكه غيره بها، وفيه: وصل الفعل؛ لأن الأصل يشاك بها، وقال ابن التين: حقيقة هذا اللفظ -يعني: قوله: «يشاكها»-: أن يُدخلها غيره، قلتُ: ولا يلزم من كونه الحقيقة أن لا يراد ما هو أعم من ذلك حتى يدخل ما إذا دخلت هي بغير إدخال أحد، وقد وقع في رواية هشام بن عروة عند مسلم: «لا يصيب المؤمن شوكة» فإضافة الفعل إليها هو الحقيقة، ويحتمل إرادة المعنى الأعم، وهي أن تدخل بغير فعل أحد، أو بفعل أحد، فمن لا يمنع الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز باللفظ الواحد يجوِّز مثل هذا، و«يشاكها» ضُبط بضم أوله، ووقع في نسخة الصَّغَاني بفتحه. فتح الباري (10/ 105).

قوله: «إلا كَفَّرَ اللهُ بها من خطايَاهُ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«إلا كفَّرَ اللهُ بها» أي: محا بمقابلتها «من خطاياه» أي: بعضها. شرح المصابيح (2/ 309).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
معناه: أنَّ المسلم يُجزى بمصائب الدنيا، فتكون له كفارة، روى هذا أُبي بن كعب وعائشة ومجاهد، وروي عن الحسن وابن زيد أنه في الكفارة خاصة، وحديث عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة يشهد بصحة القول الأول، وروي عن ابن مسعود أنه قال: «الوجع لا يكتب به الأجر، ولكن تكفر به الخطيئة».
فإنْ قيل: إنَّ ظاهر هذه الآثار يدل على أنَّ المريض إنما يُحط عنه بمرضه السيئات فقط دون زيادة، وقد ذكر البخاري في كتاب الجهاد في باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة في حديث أبي موسى عن النبي -عليه السلام- أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»، وظاهره مخالف لآثار هذا الباب؛ لأن في حديث أبي موسى أنه يُزاد على التكفير، قيل له: ليس ذلك بخلاف، وإنما هو زيادة بيان على آثار هذا الباب التي جاءت بتكفير الخطايا بالوجع لكل مؤمن؛ لقوله -عليه السلام-: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب» فعمَّ جميع المؤمنين. شرح صحيح البخاري (9/ 372).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
بشِّروا واستبشروا بأن الله تعالى بلطفه قد جعل المصائب التي لا ينفك عنها أحد في هذه الدار سببًا لكفارة الخطايا والأوزار، حتى يَرِد عليه المؤمن يوم القيامة وقد خلصه من تلك الأكدار، وطهَّره من أذى تلك الأقذار، فضلًا من الله ونعمة، ولطفًا ورحمة. المفهم (6/ 547).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
هو شامل لجميع أنواع المكروه؛ لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس، والأول: إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أو لا، والثاني: إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا، ثم ذلك إما أن يظهر فيه الانقباض أو لا، ثم ذلك إما بالنظر إلى الماضي أو لا. اللامع الصبيح (14/ 239).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الكفارة صيغة مبالغة من الكَفْر، وهو الستر، والمراد بها: ما جعله الله من المرض كفارة الذنوب، من إضافة المصدر إلى الفاعل...
«إلا كفر الله بها من خطاياه» أي: بعض خطاياه، وفي رواية مسلم عن عائشة: «إلا رفعه الله بها درجة، وحطَّ عنه سيئة». الكوثر الجاري (9/ 229- 230).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلا كفر الله بها عنه» في رواية أحمد: «إلا كان كفارة لذنبه» أي: يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية، ويكون ذلك سببًا لمغفرة ذنبه، ووقع في رواية ابن حبان المذكورة: «إلا رفعه الله بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة» ومثله لمسلم من طريق الأسود عن عائشة، وهذا يقتضي حصول الأمرين معًا، حصول الثواب، ورفع العقاب، وشاهِده: ما أخرجه الطبراني في الأوسط من وجه آخر عن عائشة بلفظ: «ما ضرب على مؤمن عِرْقٌ قطُّ إلا حطَّ الله به عنه خطيئة، وكتب له حسنة، ورفع له درجة» وسنده جيد، وأما ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق عمرة عنها: «إلا كتب الله له بها حسنة، أو حطَّ عنه بها خطيئة» كذا وقع فيه بلفظ «أو» فيحتمل أن يكون شكًّا من الراوي، ويحتمل التنويع وهذا أوجه، ويكون المعنى: إلا كتب الله له بها حسنة إن لم يكن عليه خطايا، أو حطَّ عنه خطايا إن كان له خطايا، وعلى هذا فمقتضى الأول أن مَن ليست عليه خطيئة يزاد في رفع درجته بقدر ذلك، والفضل واسع.
تنبيه: وقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري أن عائشة أخبرته «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طَرَقَه وجع فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي، فقالت له عائشة: لو صَنَعَ هذا بعضنا لوجدت عليه؟ فقال: إنَّ الصالحين يُشَدَّد عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة ...» الحديث، وفي هذا الحديث تعقُّب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام؛ حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح؛ فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا، ووجه التعقب: أنَّ الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد، يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة.
قال القرافي: المصائب كفارات جزمًا، سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير، وإلا قلَّ، كذا قال، والتحقيق: أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عُوِّضَ عن ذلك من الثواب بما يوازيه، وزعم القرافي أنه لا يجوز لأحد أنْ يقول للمصاب: جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك؛ لأن الشارع قد جعلها كفارة؛ فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل، وهو إساءة أدب على الشارع، كذا قال، وتُعُقِّب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسؤال الوسيلة له، وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء، وأما ما ورد فهو مشروع؛ ليُثَاب من امتثل الأمر فيه على ذلك. فتح الباري (10/ 105- 106).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا كَفَّرَ الله بها» أي: بمقابلتها أو بسببها «من خطاياه» أي: بعضها، والاستثناء من أعم الأحوال المقدرة.
وفيه تنبيه نبيهٌ على أنَّ السالك إنْ عجز عن مرتبة الرضا، وهي التلذذ بحلاوة البلاء ألَّا يفوته تجرع مرارة الصبر في حب المولى، فإنه ورد: «المصابُ مَن حُرم الثواب». مرقاة المفاتيح (3/ 1128).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «من خطاياه» «من» زائدة أو تبعيضية، يعني: صغائر. لمعات التنقيح (4/ 20).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
معناه: الصغائر؛ لأن الكبائر لا تكفرها إلا الصلاة، وهي خير الأعمال. المسالك (7/ 445).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
ظاهره تعميم جميع السيئات، لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر؛ لحديث: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» فحملوا المطْلَقات الواردة في التفكير على هذا المقيد. تحفة الأحوذي (4/ 35).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
مقصود هذه الأحاديث: أن الأمراض والأحزان -وإن دقّت- والمصائب -وإن قلَّت- أُجِرَ المؤمن على جميعها، وكُفِّرت عنه بذلك خطاياه حتى يمشي على الأرض وليست له خطيئة، كما جاء في الحديث الآخر، لكن هذا كله إذا صبر المصاب واحتسب، وقال ما أمر الله تعالى به في قوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة: 156، فمن كان كذلك وصل إلى ما وعد الله به ورسوله من ذلك. المفهم (6/ 545- 546).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أنَّ الأمراض وغيرها من المؤذيات مطهِّرة للمؤمن من الذنوب، فينبغي الصبر على ذلك؛ ليحصل له الأجر، والمصاب من حرم الثواب. تطريز رياض الصالحين (ص: 44).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(فيه) دليل على أن الإنسان يكفَّر عنه بما يصيبه مِن الهَمِّ والنَّصب والغَمِّ وغير ذلك...
(و) المصائب تكون على وجهين:
تارة إذا أُصيب الإنسان تذكَّر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها فائدتان: تكفير الذنوب؛ وزيادة الحسنات.
وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويصيبه ضجر، أو ما أشبه ذلك، ويغفل عن نية احتساب الأجر والثواب على الله، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته، إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه.
فإما أن يربح تكفير السيئات، وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر؛ لأنه لم ينو شيئًا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر، وإما أن يربح شيئين: تكفير السيئات، وحصول الثواب من الله -عز وجل-.
ولهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة، فليتذكر احتساب الأجر من الله على هذه المصيبة، حتى يؤجر عليها، مع تكفيرها للذنوب.
وهذا من نعمة الله -سبحانه وتعالى- وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى، أو يكفر عنه سيئاته. شرح رياض الصالحين (1/ 243- 244).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنَّ مجرد الإِصابة بالمرض أو غيره من البلايا كفارة للخطايا كما تَرجم له البخاري...
ثانيًا: البشارة العظيمة للمؤمن؛ لأن الله جعل البلاء مُكفِّرًا له، وهو كما قال القسطلاني: لا ينفك عنه غالبًا، فمَن صبر فله أجران، أجر على مصيبته وأجر على صَبرهِ. منار القاري (5/ 196).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ