الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله إنَّ لي ضَرَّةً، فهل عليَّ جُنَاحٌ إن تَشَبَّعْتُ من زوجِي غير الذي يُعطِيني؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌الْمُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».


رواه البخاري برقم: (5219) واللفظ له، ومسلم برقم: (2130) بلفظ: «أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِي بِمَا لَمْ يُعْطِنِي؟». من حديث أسماء -رضي الله عنها-.
ولفظ مسلم برقم: (2129): «يَا رَسُولَ اللهِ أَقُولُ: إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ضَرَّةً»:
وضَرَّةُ المرأة: امرأة زوجها. ‌المصباح المنير، الفيومي(2/ 360).

«‌الْمُتَشَبِّعُ»:
المتزيِّن ‌بأكثر ‌مما ‌عنده. غريب الحديث، أبو عبيد (2/ 253).

«زُورٍ»:
الزاء والواو والراء أصل واحد يدل على الْمَيل والعُدول. مقاييس اللغة، ابن فارس (3/ 36).
الزُّور: الكذب والباطل والتُّهمة. لسان العرب، ابن منظور (4/ 337).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله إنَّ لي ضرَّةً»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
الضرة: الشريكة في الزوج، سميت بذلك لاستضرار الأخرى بها، ويقال: تزوجت المرأة على ضُرة، وضِرة بالضم والكسر: إذا تزوجها على أخرى. إكمال المعلم (6/ 660).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرة» ضَرَّة المرأة: امرأة زوجها. شرح المصابيح (4/ 11).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إن لي ضرة» وفي رواية الإسماعيلي: «إن لي جارة»، وهي الضَّرة أيضًا. عمدة القاري (20/ 204).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وقالت: يا رسول الله إن لي ضرة» هي: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. إرشاد الساري (8/ 108).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«إن لي ضرة» أي: امرأة أخرى لزوجي، وسميت ضَرَّة: إما لأنها تضرها أو تريد ضررها، أو أريد المبالغة كرجل عَدْلٍ، فإن وجودها ضرر عندها، وأهل مكة يسمونها طُبْنَةً، ولعلها مِن طَبِنَ كَفَرِحَ: فَطِنَ، فإنها فَطِينَةٌ بعيب صاحبتها. مرقاة المفاتيح (5/ 2121).
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ضَرَّة» بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء. قال في المصباح: وهي امرأة الزوج، والجمع ضَرَّات على القياس، وسُمع ضرائر، كأنها جمع ضريرة مثل كريمة وكرائم. ولا يكاد يوجد لها نظير. دليل الفالحين (8/ 391).

قوله: «فهل عليَّ جُنَاحٌ إن تَشَبَّعْتُ من زوجِي غير الذي يُعطِيني؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
سأَلَتْه: هل يجوز لها أن تُظهر لضرتها: أن زوجها قد مكَّنها أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه، أو أكثر مما أَعطى ضرتها؛ افتخارًا عليها وإيهامًا لها أنها عنده أحظى منها. المفهم (5/ 451).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
فقولها: «تشبعت من زوجي» أي: تزينت وتكثرت بأكثر مما عندي من أجل زوجي. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 375).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«هل عليَّ جناح» أي: إثم «إن تشبعت لها» أي: أظهرت لها الشبع، وليس به، وكذبتُ لها، واتصفتُ بما ليس عندي؟ والمراد أنها سألته: هل يجوز لها أن تُظهر لضرتها أن زوجها قد ملَّكها أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه، وأكثر مما أعطى ضرتها؛ افتخارًا عليها، وأنها عنده أحظى منها، «بما لم يُعْطِ زوجي» فأجابها بما يقتضي المنع من ذلك؛ لما فيه من الكذب، بخلاف كذب الزوج لزوجته، بأن تقول له إحدى زوجتيه: كسوتها وخصصتها وأعطيتها، فيقول: ما فعلت ذلك، وهو كاذب، والفرق: أن كذب الزوجة على ضرتها يوجب الشرور بين الرجل وزوجته، بخلاف كذبه لزوجته، فإنه يدفع الشرور من بينهما. شرح سنن أبي داود (19/ 150- 151).
وقال العيني -رحمه الله-:
قولها: «إن تشبَّعت من زوجي» أي: قالت أسماء الراوية: إنْ تشبعت من زوجي الزبير بن العوام؟ كذا سُميت المرأة وضرتها، وبعضهم قال: لم أقف على تعيين هذه المرأة وزوجها. عمدة القاري (20/ 204).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«فهل عليَّ جناح» أي: إثم أو بأس «إن تشبعت» وفي نسخة بفتح الهمزة أي: من أن تشبعت «من زوجي غير الذي يعطيني» أي: تزينت وتكثَّرت بأكثر مما عندي، وأظهرتُ لضرتي أنه يعطيني أكثر مما يعطيها؛ إدخالًا للغيظ عليها وتحصيلًا للضرر بها. مرقاة المفاتيح (5/ 2121).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فهل عليّ جناح» بضم الجيم أي: «أن» بفتح الهمزة أي: في أن «تشبعت» بتشديد الموحدة «من زوجي غير الذي يعطيني؟» وذلك تفعله المرأة إظهارًا لرفعتها على ضرتها عند الزوج: لتغيظها به. دليل الفالحين (8/ 391).

قوله: «فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌الْمُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ»:
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
يعني ‌المتزين ‌بأكثر ‌مما ‌عنده يتكثَّر بذلك ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون للرجل ولها ضرة فتشبع بما تدعى من ‌الحُظوة ‌والحِظوة -لغتان- عند زوجها بأكثر مما عنده لها تريد بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها وكذلك هذا في الرجال أيضًا. غريب الحديث (2/ 253).
وقال المازري -رحمه الله-:
«المتشبِّع» المتكثِّر بأكثر مما عنده يتصلَّف به وهو الرجل الذي يُري أنه شبعان وليس كذلك. المعلم بفوائد مسلم (3/ 140).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهو الذي يُظهر الشبع وليس بشبعان. المفهم (5/ 451).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «‌المتشبع ‌بما ‌لم ‌يعطَ كلابس ثوبَي زور» أي: المتكثر بأكثر مما عنده... ومثله قولها: «هل لي أن أتشبع من مال زوجي بما لم يعطني» وأصله كله من إظهار الشبع وهو جيعان، في حديث أبي هريرة: «وكان يلزمه لشبع بطنه» يروى باللام وبالياء أي: ليشبعه وهو مثل قوله في الحديث الآخر: «وكنت ألزمه لملء بطني»، ومثله في حديث موسى في أجر نفسه بشبع بطنه، يقال بالسكون في بابه اسم ما يشبعك من طعام، وبالفتح مصدر فعلك منه أو فعله، وفي دعائه -صلى الله عليه وسلم-: «ونفس لا تشبع» أي: من أمور الدنيا استعاذة من الحرص والاستكثار منها وتعلق النفس بالآمال. مشارق الأنوار (2/ 243).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فأجابها -صلى الله عليه وسلم- بما يقتضي المنع من ذلك، فقال: «‌المتشبِّع ‌بما ‌لم ‌يعط كلابس ثوبي زور» وأصل التشبع: تفعُّل من الشبع، وهو الذي يُظهر الشِّبع وليس بشبعان. وكثيرًا ما تأتي هذه الصيغة بمعنى التعاطي كالتكبر، والتصنع.
ويُفهم من هذا الكلام: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى المرأة عن أن تتظاهر وتتكاثر بما لم يُعطها زوجها؛ لأنه شبَّه فعلها ذلك بما يُنتهى عنه، وهو: أن يلبس الإنسان ثوبين زورًا. المفهم (5/ 451).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
التشبع في الأصل يُستعمل بمعنى التكلف في الأكل، والتجاوز عن الشبع، حتى يمتلئ ويتضلَّع، وبمعنى التشبه بالشبعان، ومن هذا المعنى الأخير استُعير للتحلي بفضيلة أو زينة لم تُرزق. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 375).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «‌المتشبِّع» أي: المتزين بما ليس عنده؛ يتكثَّر بذلك ويتزين بالباطل كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضَرَّة، فتدعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده تريد بذلك غيظ ضرتها وكذلك هذا في الرجال. فتح الباري (9/ 317- 318).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
أقول: الكلام الكافي والتقرير الشافي أن يقال: معناه الْمُظهِر للشبع وهو جائع كالمزوِّر الكاذب المتلبس بالباطل. الكواكب الدراري (19/ 160).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
والأحسن أن يقال فيه: إنَّ المتشبع بما لم يعط هو أن يقول: أُعطيت كذا لشيء لم يُعطه، فأما أنه يتصف بصفات ليست فيه، ويريد أن الله منحه إياها، أو يريد أن بعض الناس وصله شيء خصه به، فيكون بهذا القول قد جمع بين كذبين أحدهما اتصافه بما ليس فيه، أو أخذه ما لم يأخذه، والآخر الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس. فتح القريب المجيب (5/ 615- 616).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «‌المتشبِّع ‌بما ‌لم ‌يُعط»، والكراهة فيه إذا كانت فيه مضرة كما فيما نحن فيه، فأما إذا تضمن إصلاح ذات البين أو التحديث بإنعام الزوج أو غيره؛ ليكون شكرًا أو مدحًا فليس فيه كثير ضرر، نعم يستحب الاكتفاء بالتورية وترك صريح الكذب. بذل المجهود (13/ 397).

قوله: «كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»:
قال أبو عبيد -رحمه الله-:
وأما قوله: «كلابس ثوبَي زور» فإنه عندنا الرجل يلبس الثياب تُشبه ثياب أهل الزهد في الدنيا؛ يريد بذلك الناس، ويظهر من التخشع والتقشف أكثر مما في قلبه منه، فهذه ثياب الزور والرياء، وفيه وجه آخر: إن شئت أن يكون أراد بالثياب الأنفس والعرب تفعل ذلك كثيرًا، يقال: فلان نقي الثياب إذا كان بريئًا من الدنس والآثام، وفلان دنس الثياب إذا كان مغموصًا عليه في دينه. غريب الحديث (2/ 253).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«‌المُتشبِّع ‌بما ‌لم ‌يُعطَ كلابِس ثوبي زور». هذا يُتأول على وجهين:
أحدهما: أن الثوب مَثَل، ومعناه أن المُتشبِّع بما لم يُعْطَ صاحب زور وكذب، كما تقول للرجل إذا وُصف بالبراءة من العُيوب: إنه طاهر الثوب، نقي الجيب ونحوه من الكلام، والثوب في ذلك مَثَل، والمراد به نفسه، وكما يُقال في ضد ذلك: لبس ثوب غدْر، يُكنَى بالثوب عن فعله، وعلى هذا المعنى قوله -عزل وجل-: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المدثر: 4، قيل في تأويله: عملك فأَصْلِح، ومثله في الكلام كثير.
والوجه الآخر: أن يكون به الثوب نفسه، وقد رُوِي لنا في هذا عن نعيم بن حماد قال: كان يكون في الحي الرجل له هيئة وشارة، فإذا احتيج إلى شهادة الزور شهد لهم، فتُقبَل لِنُبْلِهِ وحُسن ثوبيه، فيقال: قد أمضاها بثوبيه، يعني الشهادة، فأُضيف الزور إليهما فقيل: لابِس ثَوبي زور. أعلام الحديث (3/ 2021- 2022).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال أبو سعيد الضرير في معنى قوله: «كلابس ثوبَي زور»، هو أن يستعير شاهد الزور ثوبين يتجمل بهما ويتحلى بهما عند الحاكم، وإنما يريد أن يقيم شهادته. وقال بعض أهل المعرفة بلسان العرب: ولقوله: «ثوبَي»، التثنية معنى صحيح؛ لأن كذب المحلَّى بما لم يُعط مثنى، فهو كاذب على نفسه بما لم يأخذ، وكاذب على غيره بما لم يبذل. شرح صحيح البخاري (7/ 347).
وقال المازري -رحمه الله-:
وتفسير «ثوبَي زور» هو أن يلبس المرائي ثياب الزهاد؛ يُري أنه زاهد، وقال غيره هو أن يلبس قميصًا يصِل بكُمَّيه كُمَّين آخرين يُري أن عليه قميصين. المعلم بفوائد مسلم (3/ 140).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
ولما كان المتشبع بما لم يُعط يَكذب على نفسه بأنه أعطي ما لم يُعط، ويكذب على غيره بأنه أُعطي ما لم يُعط، ثُنِّي الثوبان في تمثيله، وقيل: بل هو كقائل الزور مرتين. مطالع الأنوار (2/ 75- 76).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وقوله: «كلابس ثوبَي زور» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الرجل يلبس الثياب تشبه ثياب أهل الزهد في الدنيا، يريد بذلك الناس، ويظهر من التَّخشُّع والتَّقشف أكثر مما في قلبه منه، فهذه ثياب الزور والرياء.
والثاني: أن يكون أراد بالثياب الأنفس، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، تقول: فلان نقي الثياب: إذا كان بريئًا من الدنس والآثام، وضده: فلان دنس الثياب، قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية *** وأوجههم بيض المسافر غران
يريد بثيابهم أنفسهم. وقال الآخر يذم رجلًا:
لا هم إن عامر بن جهم *** أوذم حجًّا في ثياب دسم
أوذم بمعنى أوجب، وأراد أنه حجَّ وهو متدنس بالذنوب، ذكر الوجهين أبو عبيد.
والثالث: أنه كان يكون في الحي الرجل له هيئة وإشارة فإذا احتيج إلى شهادة الزور شهد لهم، فيقبل لنبله وحسن ثوبه، فيقال: قد أمضاها بثوبيه، فأضيف الزور إلى الثوبين، قاله نعيم بن حماد. كشف المشكل (4/ 402- 403).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
ومعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كلابس ثوبي زور»، إحاطة الزور به، فإن المرء إذا لبس ثوبين ستر نفسه من القرن إلى القدم، والمراد كونه كاذبًا، بل كذبًا من الفوق إلى التحت. ويحتمل أن يجعل له الكذب ثوبين في جهنم، على طور التمثيل، كما أن النائحة تُقَمَّص قميصًا من قطران. فيض الباري (5/ 562).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل، فهو مذموم كما يُذم من لبس ثوبي زور. شرح صحيح مسلم (14/ 110).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والأحسن فيه أن يقال: ‌«المتشبع ‌بما ‌لم ‌يُعط» هو أن يقول: أُعطيت كذا لشيء لم يُعطه، فأما أنه يتصف بصفات ليست فيه، يريد أن الله منحه إياها، أو يريد أن بعض الناس وصله بشيء خصه به، فيكون بهذا القول قد جمع بين كذبين:
أحدهما اتصافه بما ليس فيه وأخذه ما لم يأخذه، والآخر الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس.
وأراد بثوبَي الزور هذين الحالين اللذين ارتكبهما واتصف بهما، وقد سبق أن الثوب يُطلق على الصفة المحمودة والمذمومة، وحينئذ يصح التشبيه في التثنية؛ لأنه شبَّه اثنين باثنين. والله أعلم. النهاية (1/ 228).
وقال ابن الصلاح -رحمه الله-:
ومن أحسن ما قيل في تفسير قوله: «كلابس ثوبي زور» وجهان -أنا أحررهما-:
أحدهما: أن معناه: ‌المتشبع ‌بما ‌لم ‌يُعط كالكاذب المتعاطي قول الزور، والعرب تكني بالثوب عن الصفة والحال، فيقولون: لبس فلان ثوب كذا وكذا، أي: اتصف بكذا وكذا، وتثنية الثوب من أجل أن الحُلة ثوبان، وهي أقل ما يتجمل به العربي.
الثاني: أن أحدهم كان إذا نهض ليشهد بشهادة زور لبس ثوبَي جَماله؛ ليلحظ ويراعى، فتقبل شهادته، فأضيف الزور إلى الثوبين لذلك، وكنى بلبسهما عن شهادة الزور. والله أعلم. شرح مشكل الوسيط (2/ 171).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قلت: وأي شيء من هذه الوجوه كان المقصود، فيحصل منه: أنَّ تشبُّع المرأة على ضَرَّتها بما لم يعطها زوجها محرم؛ لأنه شبّه بمحرم، وإنما كان ذلك محرمًا؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ورياء وأذى للضرة من نسبة الزوج إلى أنه آثرها عليها، وهو لم يفعل، وكل ذلك محرم. المفهم (5/ 452).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلت: ما فائدة التثنية؟
قلت: المبالغة إشعارًا بالإزار والرداء، يعنى هو زُور من رأسه إلى قدمه، أو إعلام بأن في التشبع حالتين مكروهتين: فقدان ما يشبع به، وإظهار الباطل. الكواكب الدراري (19/ 160).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأما حكم التثنية في قوله: «ثوبي زور» فللإشارة إلى أن كَذِبَ المتحلي مثنى؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يعط، وكذلك شاهد الزور يظلم نفسه ويظلم المشهود عليه.
وقال الداودي: في التثنية إشارة إلى أنه كالذي قال الزور مرتين؛ مبالغة في التحذير من ذلك...
ويحتمل أن تكون التثنية إشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان: فقدان ما يتشبع به، وإظهار الباطل. فتح الباري (9/ 318).
وقال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
«كلابس ثوبَي زور» الذي يشكل من هذا الحديث على أكثر الناس تثنية الثوب... وإنما ثَنَّى الثوب فيما نرى؛ لأن العرب أكثر ما كانت تلبس عند الجدة إزارًا ورداء، ولهذا حين سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في الثوب الواحد قال: «أو كلكم يجد ثوبين».
وفسَّره عمر -رضي الله عنه- بإزار ورداء، إزار وقميص، رداء وتُبَّان في أشياء ذكرها في كتاب البخاري، ولا يريد بذلك الثوبين يلبس أحدهما فوق الآخر كما جرت عادة العجم بها. المجموع المغيث (1/ 281- 282).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الداودي: إنما كُره ذلك؛ لأنه يُدخل بين المرأة الأخرى وزوجها البغضاء، فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (25/ 100).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: نهي المرأة أن تتكابر على ضرتها بما لم يعطها زوجها؛ لأنه شبَّه فعلها بما نهى عنه، وهو أن يلبس الإنسان ثوبين زورًا، قال السفاقسي (إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القيسي): وهو من وجوه: أحدها: أن تلبس المرأة ثوبي وديعة أو عارية في بيتها أو في العرس؛ ليظن الناس أنهما لها، فلباسها لا يدوم وتفتضح بكذبها، وإنما أراد بذلك خوفًا من الفساد بين زوجها وضرتها، وهو مثل الزور الذي صاحبه فيه مأثوم... شرح سنن أبي داود (19/ 151- 152).
وقال ابن بلبان -رحمه الله-:
إذا علمتَ ذلك فاعلم أنه لا ينبغي لأحد أن يتزيَّا بزيٍّ يُظن فيه بسببه أنه عالم أو فقيه أو نحو ذلك، حتى يكون فيه أهلية لذلك، بأن يكون قادرًا على إلقاء العلم لأهله، وعلى فهم السؤال ومراد السائل، وعلى رد الجواب المطابق له الموافق للحق، وألا يكون من المزوِّرين على الناس والكذابين على الله ورسوله. مختصر الإفادات (ص: 332).

وينظر للفائدة الرواية الأخرى (هنا


إبلاغ عن خطأ