«يقول عمر بن أبي سَلَمَة: كنتُ غلامًا في حَجْرِ رسول اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وكانت يدي تَطيش في الصَّحْفَةِ، فقال لي رسول اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم-: يا غلام، سَمِّ اللَّه، وكُلْ بيمينك، وكُلْ ممَّا يليك؛ فما زالت تلك طِعْمَتِي بَعْدُ».
رواه البخاري برقم: (5376)، ومسلم برقم: (2022)، من حديث عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«حَجْرِ»:
بفتح الحاء وكسرها، وسكون الجيم، وهو الحِضن والثَّوب...، فإذا كان المراد به: الثَّوب والحِضن فبالوجهين، وإنْ أُرِيد به: الحضانة فالفتح لا غير، وإذا أُرِيد به: المنع فالفتح في المصدر، والكسر في الاسم لا غير. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 181).
قال ابن فارس -رحمه الله تعالى-:
الحاء والجيم والراء أصل واحد مُطَّرد، وهو: المنع والإحاطة على الشيء، فالحَجْر حَجْر الإنسان، وقد تُكسر حاؤه. مقاييس اللغة (2/ 138).
«تَطِيشُ»:
أي: تجول في جهاتها، وتَأخُذ من نواحيها، ولا تقتصر على مكان واحد. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 387).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: تخف وتنتقل في جوانبها، والطيش الخِفَّة، وسرعة الحركة، وعند بعضهم: تبطش، وليس بشيء. مشارق الأنوار (1/ 325).
«الصَّحْفَةِ»:
الصَحْفَةُ: كالقصعة، والجمع: صِحافٌ، قال الكسائي: أعظم القصاع: الجفنة، ثم القصعة تليها، تُشبع العشرة، ثم الصحفة، تُشبع الخمسة، ثم الْمِئْكَلَةُ، تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة، تشبع الرجل. الصحاح، للجوهري (4/ 1384).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
"الصَّحْفَة": إناءٌ كالقَصْعَة المبْسُوطة ونحوها، وجمعُها: صِحَاف. النهاية (3/ 13).
«طِعْمَتِي»:
أَي: التزمت ذلك، فكانت تلك عادتي في الأكل، والطِّعْمة: المأكلة، تقول: جعلت هذه الضَّيْعة طِعمة لفلان، أَي: عدَّة لأكله. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 388).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
الطُّعْمة والطِّعِمة، بالضم والكسر: وجه المكسب، يقال: فلان طيب الطُّعْمة الطِّعْمة، وخبيث الطُّعْمة الطِّعْمة، إذا كان رديء الكسب، وهي بالكسر: خاصة حالة الأكل؛ ومنه حديث عمر بن أبي سلمة: «فما زالت تلك طعمتي بعد» أي: حالتي في الأكل. لسان العرب (12/ 365).
شرح الحديث
قوله: «يقول عمرُ بن أبي سلمة: كنتُ غلامًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كنتُ غلامًا» أي: كنتُ صبيًّا. المفاتيح(4/ 499).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسود بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، ربيب (الربيب: ابن زوجة الرجل) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمه: أم سلمة المخزومية، أم المؤمنين ، يُكنى أبا حفص، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، وقيل: إنه كان يوم قُبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن تسع سنين، وشهد مع علي -رضي الله عنه- الجمل، واستعمله علي -رضي الله عنه- على فارس والبحرين. الاستيعاب (ص: 359).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «كنتُ غُلَامًا» أي: دون البلوغ، يُقال للصَّبي مِن حِين يُولد إلى أن يبلغ: غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أنه ولد في السنة الثانية من الهجرة، بأرض الحبشة، وتبعهُ غير واحد، قيل: فيه نظر، بل الصَّوَاب: أَنه ولد قبل ذلك، فقد صح في حديث عبد الله بن الزبير أَنه قال: كنت أَنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين، ومولد ابن الزبير في السَّنة الأولى على الصَّحيح، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين، انْتهى.
قلتُ: في نظر هذا القائل نظر؛ لأن ابن عبد البر ذكر: قيل: إِن عمر كان يوم قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابْن تسع سِنِين، فافهم. عمدة القاري (21/ 29).
قوله: «في حَجْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «في حَجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم، أي: في تربيته، وتحت نظره، وأنه يربِّيه في حضنه تربية الولد. فتح الباري (9/ 521).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«كنتُ في حَجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» هو بفتح الحاء: الحضانة، وبالكسر: الاسم، ومنه: حجر الثوب، والحجر: الحرام، بالكسر أيضًا. المفهم (5/ 297).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«في حِجْرِ رسول الله» أي: في تربيته، أي: كانت أمي زوجتَه. المفاتيح (4/ 499).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
حجر الإنسان -بالفتح والكسر-: حضنه، وهو مَا دون إبطه إلى الكشح (أي: الخصر)، ثمَّ قالوا: فلان في حجر فلان، أي: في كَنَفِهِ ومَنَعَتِهِ، ومنه: قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} النساء: 23. المغرب (1/ 182).
قوله: «وكانت يدي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «وكانت يدي تَطِيشُ» أي: تضطرب وتدور في الصَّحْفَةِ، فيأخذ الطعام من جوانبها، وأصل الطيش: الاضطراب، ومنه: طاش السهم: إذا عدل عن الهدف. تحفة الأبرار(3/103).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «تَطِيشُ» بكسر الطاء، وبعدها مثناة تحت، ساكنة، أي: تتحرك وتمتد إلى نواحي الصَّحْفَة، ولا تقتصر على موضع واحد، والصحفة دون القصعة، وهي ما تَسَعُ ما يُشْبِعُ خمسة، فالقصعة تشبع عشرة، كذا قاله الكسائي فيما حكاه الجوهري وغيره عنه، وقيل: الصَّحْفَة كالقصعة، وجمعها: صحاف. شرح مسلم (13/ 193).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«تَطِيش» وأَسنَدَ الطيشَ إلى اليد مبالغة. اللامع الصبيح (13/510).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقولُ: كان الظاهر أنْ يقال: كنتُ أطيش بيدي، فأسند الطيش إلى اليد مبالغة، وأنه لم يكن يراعي آداب الأكل، فأرشده؛ لذلك إلى التسمية، والأكل باليمين أيضًا. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2838).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-: «وكانت يَدِي تطيش» أي: أحيانًا، على مقتضى عادة الصِّغار. مرقاة المفاتيح (7/ 2692).
قوله: «فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا غلام، سَمِّ الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا غلام، سَمِّ الله» أي: اذكر اسم الله عند بداية أكلك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 206).
وقال النووي -رحمه الله-:
من أهمِّ ما ينبغي أنْ يُعرف: صفة التسمية، وقدر المجزئ منها، فاعلم أنَّ الأفضل أن يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإن قال: "بسم الله"، كفاه، وحصلت السُّنة، وسواء في هذا الجُنُب والحائض وغيرهما، وينبغي أنْ يُسمِّي كل واحد من الآكلين، فلو سمَّى واحد منهم أجزأ عن الباقين. الأذكار (ص: 231).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
لم أرَ لِمَا ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصَّا. فتح الباري (9/ 521).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا على كلام النووي أيضًا:
قال النووي: وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة.
قلتُ: هو خلاف ما عليه الجمهور: أنه سنة في حق كل واحد. مرقاة المفاتيح (7/ 2692).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
ولو قال مع كل لُقمة: "بسم الله" فهو حسن، حتى لا يشغله الشَّرَهُ عن ذكر الله تعالى، ويقول مع اللقمة الأولى: بسم الله، ومع الثانية: بسم الله الرحمن، ومع الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم، ويجهر به؛ لِيُذَكِّر غيره. إحياء علوم الدين (2/ 5).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
لم أَرَ لاستحباب ذلك دليلًا، والتكرار قد بيَّن هو وجهه بقوله: حتى لا يشغله الأكل عن ذِكر الله. فتح الباري (9/ 521).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
أقول: لا أفضل من سنته -صلى الله عليه وسلم-، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا «بسم الله» فلا يجوز الزيادة عليها، فضلًا عن أن تكون الزيادة أفضل منها؛ لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-. سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 678).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«يا غلام، سَمِّ الله» ندبًا؛ طردًا للشيطان، ومنعًا له من الأكل، وهو سُنَّة كفاية، إذا أتى به البعض سقط عن الباقين، كردِّ السلام، وتشميت العاطس؛ لأن المقصود من منع الشيطان من الأكل يحصل بواحد، نعم، مع ذلك يستحب لكل واحد بناء على ما عليه الجمهور، من أن سنة الكفاية كفرضها، مطلوبة من الكل لا من البعض فقط، ويقاس بالأكل الشربُ...، فإن تركه ولو عمدًا في أوّله قال في أثنائه: بسم الله أوّله وآخره، كما في الوضوء، ولو سمَّى مع كل لقمة، فهو أحسن؛ حتى لا يشغله الشَّرَهُ عن ذكر الله؛ فتسمية الله تعالى في أوّله وآخره ترياق وبركة لطعامه. إرشاد الساري (8/211).
وقال النووي -رحمه الله-:
استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وهذا مجمع عليه. شرح صحيح مسلم (13/ 188).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وفي نقل (النووي) الإجماع على الاستحباب نظرٌ، إلا إن أريدَ بالاستحباب: أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة. فتح الباري (9/522).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليُسمع غيره، ويُنَبِّهه عليها، ولو ترك التسمية في أول الطعام عامدًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، أو عاجزًا لِعارض آخر، ثم تمكَّن في أثناء أكله منها، يستحب أن يسمي ويقول: بسم الله أوَّله وآخره؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله؛ فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه. شرح مسلم (13/ 188-189).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
قال النووي: في استحباب التسمية في ابتداء الطعام، وأن يجهر بها ليسمع غيره.
قلتُ: لا دلالة في الحديث على الجهر، ولعله يؤخذ من محل آخر. مرقاة المفاتيح (7/ 2692).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المراد بالتسمية على الطعام، قول: بسم الله في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية: ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعًا: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره»، وله شاهد من حديث أمية بن مخشي عند أبي داود والنسائي. فتح الباري (9/521).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
ووقع في رواية الترمذي من طريق عروة عن عمر بن أبي سلمة أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده طعام، فقال: «ادْنُ يا بُني»، ويأتي في الرواية التي في آخر الباب الذي يليه: «أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بطعام وعنده ربيبه»، والجمع بينهما: أن مجيء الطعام وافق دخوله. فتح الباري (9/ 522).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله (في رواية): «ادْنُ يا بني» فيه تسمية الرجل لغير ابنه، ابنه. الكوكب الدري(3/26).
قوله: «وَكُلْ بيمينك»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وَكُلْ» ندبًا «بيمينك»؛ لأن الشيطان يأكل بالشمال؛ ولشرف اليمين؛ ولأنه أقوى في الغالب، وأمكن، وهي مشتقة من اليُمْن، فهي وما نسب إليها، وما اشتق منها محمود لغةً وشرعًا ودينًا، ويقاس عليه الشرب. إرشاد الساري (8/ 211).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا الأمر (بالأكل باليمين) على جهة الندب؛ لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال؛ وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال، ثم هي مشتقة من اليُمن والبركة، وقد شرَّف الله تعالى أهل الجنة بأنْ نسبهم إليها، كما ذم أهل النار حين نسبهم إلى الشمال. المفهم (5/ 295).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب التيامن في كل شيء، وفضَّل اليمين على الشمال، وجعل الجهة الفضلى للمؤمنين، وجهة النقص للشياطين، وشرع الجميل كله باليمين، كالترجل والتطهر والأكل والتنعُّل باليمين، وجعل القبيح الْمَتَقَذر: البصاق والمخاط والاستنجاء بالشمال، والقلب في ذلك حرام، لا يقال فيه: إنه مكروه، بل يأثم فاعله، فإنَّ كل فعل يُنْسَبُ إلى الشياطين فهو حرام وشر، ولا خير، ولا جائز. عارضة الأحوذي (6/222).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كُلْ بيمينك...» قال شيخنا (العراقي) في شرح الترمذي: حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي، ثم النووي، لكن نَصّ الشافعيُّ في الرسالة، وفي موضع آخر من الأُم على الوجوب.
قلتُ: وكذا ذكره عنه الصيرفي في شرح الرسالة..
قلتُ: ويدل على وجوب الأكل باليمين: ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: «كُلْ بيمينك» قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعتَ»؛ فما رفعها إلى فيه بَعْدُ.
وأخرج الطبراني من حديث سُبيعة الأسلمية من حديث عقبة بن عامر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فقال: «أخذها داء غَزّة» فقال: إن بها قرحةً، قال: «وإن» فمرَّت بغزّة، فأصابها طاعون، فماتت، وأخرج محمد بن الربيع الجيزيّ في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر، وسنده حسن.
وثبت النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر -رضي الله عنه- عند مسلم، وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته: «من أكل بشماله أكل معه الشيطان...» الحديث...، وقد صرح ابن العربي بإثم من أكل بشماله، واحتجّ بأنَّ كل فِعل يُنْسَب إلى الشيطان حرام. فتح الباري (9/522).
قوله: «وَكُلْ مما يليك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «وكل مما يليك» أي: من طعام الجانب الذي يليك من الصحفة، لا من طعام الجانب الذي يلي غيرك، وهذا من آداب الأكل مع الناس. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 206).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وكل مما يليك» أي: مما يقربك، لا من كل جانب، ذهب جمهور العلماء إلى أن الأوامر الثلاثة في هذا الحديث للندب، وذهب بعضهم إلى أن الأمر بالأكل باليمين للوجوب. مرقاة المفاتيح (7/ 2692).
وقال أبو العباس القرطبيّ -رحمه الله-:
«وكل مما يليك» محلُّه ما إذا كان الطعام نوعًا واحدًا؛ وسبب ذلك الاستقباح؛ لأن كل آكل كالحائز لِمَا يليه من الطعام، فأخذُ الغير له تَعَدٍّ عليه، مع ما فيه من تقذُّر النفس، مما خاضت فيه الأيدي؛ ولِمَا فيه من إظهار الحرص والنَّهَم، وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة. المفهم (5/ 298).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: بيان ثلاث سنن من سنن الأكل، وهي التسمية، والأكل باليمين، وقد سبق بيانهما، والثالثة: الأكل مما يليه؛ لأن أَكْله من موضع يد صاحبه سُوء عشرة، وتَرْك مروءة، فقد يتقذَّره صاحبه...، وهذا في الثريد، والأمراق، وشبهها، فإن كان تمرًا، أو أجناسًا، فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي؛ حَمْلًا للنهي على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص. شرح صحيح مسلم (13/193).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال النووي: وفيه استحباب الأكل مما يليه؛ لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مودة؛ لنفوره لا سيما في الأمراق وأشباهها.
قلتُ: وفيه أن أكل ما يليه سنة، ولو كان وحده على ما صرح به الشافعية وغيرهم.
قال: فإن كان تمرًا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، والذي ينبغي: تعميم النهي؛ حملًا على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص.
قلتُ: سيأتي حديث الترمذي في أواخر الفصل الثاني من هذا الباب: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في أكل التمر: «يا عِكْرَاشُ، كُلْ من حيث شئت؛ فإنه من غير لون واحد» متفق عليه ( رواه الترمذي).مرقاة المفاتيح (7/ 2692).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فإنْ قيل: كيف يجمع بين فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الخياط في تتبعه الدباء، وبين قوله لربيبه عمر بن أبي سلمة: «سم الله، وكل مما يليك» حين رأى يده تطيش في الصحفة.
الجواب: أنْ تقول: إن الدباء كانت مفترقة في القصعة، فأكل النبي -صلى الله عليه وسلم- أمامه، ثم جالت يده إلى غير ذلك من المواضع، وكل طعام هو واحد فالإنسان لا يُجِيل يده حيث اختار، والدباء فيها صغير وكبير، ونضيج وغير نضيج -والله أعلم-. المسالك (5/ 1033).
قوله: «فما زالت تلك طِعْمتي بَعْدُ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
(طعمة) بكسر الطاء: نوع من الطعم، أي: ما زال تلك الطعمة يعني: ذلك النوع من الأكل، عما يقرب مني بالتسمية، واليمين طعمه بعد ذلك الوقت، وفي بعضها بالضم، يقال: طعم إذا أكل، والطعمة المأكلة. الكواكب الدراري (20/ 22).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«فما زالت تلك طِعْمتي بعدُ» بكسر الطاء، أي: صفة أكلي، أي: لَزِمت ذلك، وصار عادةً لي.
والمراد: جميع ما تقدم من الابتداء بالتسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، وقوله: «بعدُ» بالضم على البناء، أي: استمر ذلك من صنيعي في الأكل. فتح الباري (9/523).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1- منها: أن فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر حتى في حال الأكل.
2- ومنها: استحباب تعليم آداب الأكل والشرب.
3- ومنها: أن فيه منقبةً لعمر بن أبي سلمة -رضي الله عنهما-؛ لامتثاله الأمر، ومواظبته على مقتضاه. البحر المحيط الثجاج (34/ 137).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)