الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رأى في بيتها جاريةً في وجهها سَفْعَةٌ، فقال: اسْتَرْقُوا لها، فإنَّ بها النَّظْرَةَ».


رواه البخاري برقم: (5739) واللفظ له، ومسلم برقم: (2197)، من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سَفْعَةٌ»:
الأسْفع: الذي أصاب خَدَّه لونٌ خالَف سائر لونه، من سَواد، أو حُمْرة، أو غير ذلك؛ ولذلك قيل للثور الوحشي: أسْفع، وللبَقر الوحشيَّة: سُفْع؛ لأنَّ في خُدودها سَوادًا، يُخالِفُ سائر لونها. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 509).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
السَّفع: سفعة سواد في خدّي المرأة الشاحبة. العين (1/ 340).

«اسْتَرْقُوا لها»:
أي: اطلبوا لها من يرقيها. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (2/ 255).

«النَّظْرَةَ»:
بفتح النون، وإسكان الظاء، أي: عين من نظر الجن والنظرة العين. مطالع الأنوار، لابن قرقول(4/ 156).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
النظرة: الإصابة بالعين. النهاية في غريب الحديث، (2/ 375).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رأى في بيتِها جاريةً»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «رأى في بيتها جاريةً» أي: بنتًا، أو مملُوكةً. مرقاة المفاتيح (7/ 2869).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «رأى في بيتها جاريةً» لم أقف على اسمها، ووقع في مسلم: «قال لجارية في بيتِ أم سلمة». فتح الباري (10/ 202).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
عن أم سلمة «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل بيت أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي البيت صبي» لم يُسَمَّ «يبكي، فذكروا له أنَّ به العين، قال عروة: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا تسترقون له من العين؟» وفي الصحيحين من طريق الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أمها: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها، فإن بها لَنَظْرَةٌ»...، وبادئ الرأي: أنَّها قصة غير ما في الموطأ، ويحتمل اتحادهما، وهو الأصل لاتحاد المخرج، والصبي يُطلَق على الأنثى كالذكر، والبكاء عن تألمها بالسفعة الناشئة عن العين، وكأنَّهم لما أخبروه بأنَّ به العين قال: «فإنَّ بها النظرة» تصديقًا لهم، وتعليلًا لأمره بالرقية، فلا خُلْف. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 511-512).

قوله: «في وجْهِهَا سَفْعَةٌ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «في وجهها سَفْعة» بفتح المهملة، ويجوز ضمها، وسكون الفاء، بعدها عين مهملة، وحكى عياض ضم أوله، قال إبراهيم الحربي: هو سواد في الوجه، ومنه: سَفْعة الفرس: سواد ناصيته، وعن الأصمعي حُمرة يعلوها سواد، وقيل: صُفرة، وقيل: سواد مع لون آخر، وقال ابن قتيبة: لون يُخالف لون الوجه، وكلها متقاربة.
وحاصلها: أنَّ بوجهها موضعًا على غير لونه الأصلي، وكأنَّ الاختلاف بحسب اللون الأصلي، فإنْ كان أحمر، فالسَّفْعة: سواد صِرْف، وإنْ كان أبيض، فالسَّفْعة صُفرة، وإنْ كان أسمر فالسَّفْعة حُمرة يعلوها سواد، وذكر صاحب البارع في اللغة (أبو علي القالي): أنَّ السفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة، والشحوب بمعجمة، ثم مهملة: تغير اللون بهزال أو غيره، ومنه: «سفعاء الخدين»، وتُطلَق السَّفْعة على العلامة، ومنه: «بوجهها سَفْعة غضب»، وهو راجع إلى تغير اللون، وأصل السَّفْع: الأخذ بقهر، ومنه قوله تعالى: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} العلق: 15، ويقال: إنَّ أصل السَّفْع: الأخذ بالناصية، ثم استُعمل في غيرها، وقيل في تفسيرها: لنعلمنَّه بعلامة أهل النار من سواد الوجه ونحوه، وقيل: معناه: لنذلَّنَّه، ويمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإنَّه إذا أخذ بناصيته بطريق القهر أَذَلَّهُ، وأحدث له تَغَيُّرَ لونه، فظهرت فيه تلك العلامة، ومنه: قوله في حديث الشفاعة: «قومٌ أصابهم سفع من النار». فتح الباري (10/ 202).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «سَفْعة» أي: علامة من الشيطان، وقيل: ضربة واحدة منه، وهي المرة من السَّفْع، وهو الأخذ، يُقال: سفع بناصية الفرس؛ ليركبه، المعنى: أنَّ السفعة أدركتها من قبل النظرة، وقيل: السفعة: العين، والنظرة: الإصابة بالعين. النهاية (2/ 375).

قوله: «اسْتَرْقُوا لها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «استرقوا» أي: اطلبوا الرقية، أو مَن يرقي «لها» أي: للجارية. مرقاة المفاتيح (7/ 2869).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «استرقوا لها» هو أمر بالرقية، وهو ساكن الراء، أصله: استرقيوا، فاستُثْقِلت ضمة الياء، فحُذِفَت، فاجتمع ساكنان الواو والياء، فحُذفت الياء؛ لاجتماعهما، ثم ضُمَّتِ القاف لِتَصِحَّ الواو. التوضيح (27/ 488).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «اسْتَرْقُوا لها» الأمر بالاسترقاء للندب والاستحباب. الأزهار، مخطوط، لوح (398).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
مِن الجواز (الرقية) قوله: «استرقوا لها» أي: اطلبوا لها مَن يرقيها، ومِن النهي قوله: «لا يسترقون، ولا يكتوون»، والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينهما: أنَّ الرُّقَى يُكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته، وكلامه في كتبه الْمُنَزَّلَة، وأنْ يعتقد أنَّ الرُّقَى نافعة لا محالة، فَيَتَّكِلَ عليها، وإيَّاها أراد بقوله: «ما توكَّل مَن استرقى»، ولا يُكْرَهُ منها ما كان في خلاف ذلك؛ كالتعوذ بالقرآن، وأسماء الله تعالى، والرُّقى المروية؛ ولذلك قال للذي رقى بالقرآن، وأخذ عليه أجرًا: «مَن أخذ برقية باطل، فقد أخذتَ برقية حق». النهاية (2/ 255).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الاسترقاء: طلب الرُّقية، فهذا تصريحٌ بأنَّ مَن أصابته عينٌ من الإنس أو الجنِّ، يُستحَبُّ أنْ يُرقَى عليه. المفاتيح (5/ 77).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد: الاسترقاء بالتعوُّذات التي أنزلها الله في كتابه الكريم. التنوير (2/ 320).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الرقية من العين والنظرة وغير ذلك باسم الله تعالى وكتابه، يرجو بركتهما؛ لأمر الشارع به، وقد أمر باغتسال العائن، وصب ذلك الماء على المعين. التوضيح (27/ 487).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على جواز الرُّقَى عند اجتماع ثلاثة شروط:
أنْ يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
وباللسان العربي، أو بما يُعرف معناه من غيره.
وأنْ يُعْتَقَد أنَّ الرقية لا تُؤثِّر بذاتها، بل بذات الله تعالى. فتح الباري (10/ 195).

قوله: «فإنَّ بها النَّظْرَةَ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ بها النظرة» يريد: بها العين، ويُقال: عيون الجن أنفذ من أَسِنَّة الرِّماح، وقد رَوينا أنه لما مات سعد بن عبادة سمعوا قائلًا من الجن يقول:
قتلنا سيد الخزرجِ *** سعد بن عبادة
رميناه بسهمين *** فلم نخطئ فؤاده. أعلام الحديث (3/ 2130).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ بها النظرة» بسكون الظاء المعجمة، وفي رواية مسلم: «فقال: إنَّ بها نظرة، فاسترقوا لها» يعني: بوجهها صَفْرَة، وهذا التفسير ما عرفتُ قائله، إلا أنَّه يغلب على ظني أنه الزهري، وقد أنكره عياض من حيث اللغة...
واختلف في المراد بالنظرة، فقيل: عين من نظر الجن، وقيل: من الإنس، وبه جزم أبو عبيد الهروي، والأولى: أنَّه أَعَمُّ من ذلك، وأنها أُصيبت بالعين؛ فلذلك أَذِنَ -صلى الله عليه وسلم- في الاسترقاء لها، وهو دال على مشروعية الرقية من العين. فتح الباري (10/ 202).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الشياطين تقتل بيديها، وعيونها، كبني آدم...، والعين: نظر باستحسان مشوب بحسد، من حيث الطبع، يحصل للمنظور ضرر. فيض القدير (1/ 626).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
فيه: مشروعية الرُّقَى، فلا يعارضه النهي عن الرُّقَى في عدة أحاديث...؛ لأن الرقية المأذون فيها هي ما كانت بما يُفْهَمُ معناه، ويجوز شرعًا، مع اعتقاد أنَّها لا تُؤثِّر بذاتها، بل بتقديره تعالى، والمنهي عنها ما فقد فيها شرط من ذلك. فيض القدير (1/ 626).


إبلاغ عن خطأ