«إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدَهُ، فقولوا: ربَّنا لك الحمدُ، وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وإذا صلَّى جالسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجمعون، وأَقِيمُوا الصَّفَّ في الصلاةِ؛ فإنَّ إقامةَ الصَّفِّ مِن حُسْنِ الصلاةِ».
رواه البخاري برقم: (722) واللفظ له، ومسلم برقم: (414)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لِيُؤْتَمَّ»:
أي: ليُقتدى به في الأفعال؛ بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم ابتداء فعل المأموم على فراغ الإمام، فلا يجوز التقدم عليه، ولا التخلف عنه. مجمع بحار الأنوار، للفَتَّنِي (1/ 95-96).
شرح الحديث
قوله: «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
لفظ: «إنما» من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه...
والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتباع له، ومن شأن التابع ألا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك ألا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصَّلها الحديث، ولا ينافي غيرها قياسًا عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما لا يطلع عليه المأموم، كالنية، فلا يضر الاختلاف فيها، فلا يصح الاستدلال به على من جوَّز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك.
وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «فلا تختلفوا».
وأجيب بأنه -صلى الله عليه وسلم- قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال: «فإذا كبَّر، فكبِّروا»، ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياسًا...نيل الأوطار(3/١٦٧).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «إنما جُعل الإمام» لا بد فيه من تقدير محذوف، وهو المفعول الثاني لـ«جعل»؛ لأنها هنا بمعنى صيَّر، والتقدير: إنما جُعل الإمام إمامًا، والأول ارتفع لقيامه مقام الفاعل، ومعنى «ليؤتم به» أي: يقتدى به. رياض الأفهام (2/ 110).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إنما جُعل الإمام» أي: إمامًا؛ حذف مفعُولُه الثاني «ليُؤْتَمَّ به فلا تختلفوا عليه» بالتقديم، والتخلُّف الفاحش لدلالته على الاستقلال. الكوثر الجاري (2/ 357).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
والائتمام: الاقتداء والاتباع، أي: جُعل الإمام ليُقتدى به ويُتَّبع، ومن شأن التابع ألا يسابق متبوعه ولا يساويه، بل يُراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو ما فعله. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 346).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
قد زَجَر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في هذا الخبر المأمومين عن الاختلاف على إمامهم إذا صلّى قاعدًا، وهو من ضرب الذي ذكرتُ في غير موضع من كُتبنا أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قد يَزْجُر عن الشيء بلفظ العموم، ثم يستثني بعض ذلك الشيء المزجور عنه، فيبيحه لعلة معلومة، كما نَهَى -صلى الله عليه وسلم- عن المزابنة بلفظٍ مطلقٍ، ثم استثنى بعضها وهو الْعَرِيّة، فأباحها بشرط معلوم؛ لعلة معلومة، وكذلك يأمر -صلى الله عليه وسلم- الأمر بلفظ العموم، ثم يستثني بعض ذلك العموم، فيحظُره؛ لعلة معلومة، كما أمر -صلى الله عليه وسلم- المأمومين والأئمة جميعًا أن يصلُّوا قيامًا إلا عند العجز عنه، ثم استثنى بعض هذا العموم، وهو إذا صَلَّى إمامهم قاعدًا، فزجرهم عن استعماله، مُسْتَثْنًى من جملة الأمر المطلق؛ ولهذا نظائر كثيرة من السنن. صحيح ابن حبان (5/468).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد يَسْتَدِلُّ بالحديث أيضًا القائلون بأنَّ صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام إذا بان جُنبًا، أو مُحدِثًا، أو عليه نجاسة خفية، وبذلك صرح أصحاب الشافعي؛ بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتم الاطلاع عليها. نيل الأوطار (5/ 451 -452).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
تنبيه: واعلم أن حال المأموم مع الإمام دائر بين الموافقة والمساوقة والمسابقة.
فأما الموافقة: فهو أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام ويتقدم على فراغ الإمام من ذلك الركن، والأكمل ألا يَشْرَع المأموم في متابعة الإمام في سائر الأركان حتى يتلبَّس به الإمام؛ لحديث عبد الله بن يزيد الخطمي عن البراء قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-إذا قال: سمع الله لمن حمده لم يَحْنِ أحد منَّا ظَهره حتى يقع رسول الله ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده».
وأما المساوقة: فهي مشاركة الإمام في الركن والأركان من غير تقدُّم، قال الرافعي -رحمه الله-: لو ساوقه لم تحصل له فضيلة الجماعة، وكذلك ذكره في الكفاية (لابن الرفعة)، وعدَّاه إلى كل فعل مكروه كالمساواة في الموقف، ونحو ذلك.
وأما المسابقة: فتعني التقدم على الإمام في جميع الأركان أو بعضها، وقد يتقدم المأموم على الإمام وهو موافق، كما إذا ركع مع الإمام واعتدل فشرع الإمام في قراءة الفاتحة ثانيًا سهوًا فإن المأموم يجب عليه أن يسجد وينتظره ساجدًا، ولا ينتظر في الاعتدال؛ لأنه ركن قصير ذكره القاضي (حسين) في الفتاوى، وقد يتأخر وهو موافق كالمسبوق يتأخر لقراءة الفاتحة إذا اشتغل بدعاء الافتتاح.
وأركان الصلاة تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم تبطل صلاة المأموم بالمساوقة فيه وهو النية وتكبيرة الإحرام؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا كبر فكبروا».
وقسم: لا يبطل بالمساوقة فيه كالركوع والسجود.
وقسم فيه وجهان: وهو السلام؛ فإن سلَّم معه لا قبله ولا بعده فقد أساء ولا تبطل صلاته على الصحيح، وقيل: تبطل، وإن سلَّم قبله بطلت إلا أن تتم المفارقة، ولا تبطل على الأصح ولكن تفوته الجماعة. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (3/ 628- 631).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أنَّ الائتِمامَ واجبٌ على كلِّ مأموم بإمامِه في ظاهرِ أفعالِه، وأنَّه لا يجوزُ له خلافُه لغيرِ عُذرٍ. التمهيد (4/ 124).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
وفي قوله: «فلا تختلِفوا عليه» دليلٌ على أنه لا يجوز أن يكون الإمام في صلاة ويكون المأموم في غيرها، مثل أن يكون الإمام في ظهر والمأموم في عصر، أو يكون الإمام في نافلة والمأموم في فريضة، وهذا موضعٌ اختلف الفقهاء فيه:
فقال مالكٌ وأصحابُه: لا يَجْزي أحدًا أن يُصلِّي صلاةَ الفريضة خلف المُتَنَفِّل، ولا يُصلِّي عصرًا خلف من صلّى ظهرًا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وقول جمهور التابعين بالمدينة والكوفة.
وحُجّتُهم: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما جُعل الإمام ليُؤتم به»، فمن خالفه في نيّتِه فلم يأتمَّ به، وقال: «فلا تختلفوا عليه»، ولا اختلاف أشدّ من اختلافِ النيات؛ إذ هي رُكن العمل.
ومعلومٌ أن من صلّى ظهرًا خلف من يُصلّي عصرًا، أو صلّى فريضة خلف من يُصلّي نافلة، فلم يأتمّ بإمامه، وقد اختلف عليه، فبطلت صلاته؛ وصلاة الإمام جائزة؛ لأنه المتبوعُ لا التابع.
واحتجّوا من قصة معاذ برواية عمرو بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقي، عن رجلٍ من بني سَلِمة؛ أنه شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تطويل معاذ بهم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا معاذ، لا تكن فتّانًا، إما أن تُصلّي معي، وإما أن تُخفّف عن قومك».
قالوا: وهذا يدل على أن صلاته بقومه كانت فريضته، وكان متطوّعًا بصلاته مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قالوا: وصلاة المتنفّل خلف من يُصلّي الفريضة لا يختلفون في جوازها.
وقال الشافعي، والأوزاعي، وداود، والطبري، وهو المشهور عن أحمد بن حنبل: يجوز أن يَقتدي في الفريضة بالمُتَنَفِّل، ويُصلّي الظهر خلف من يُصلّي العصر؛ فإن كل مصلٍّ يُصلّي لنفسه.
ومن حجّتهم أن قالوا: إنما أُمرنا أن نأتمّ به فيما ظهر من أفعاله، أما النية فمغيّبة عنّا، وما غاب عنّا فإنّا لم نُكلّفْه.
قالوا: وفي هذا الحديث نفسه دليلٌ على صحة ذلك؛ لأنه قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا كبّر فكبّروا، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا»، فعرفنا أفعاله التي يُؤتمّ به فيها، وهي الظاهرة إلينا من ركوعه وسجوده وتكبيره وقيامه وقعوده، ففي هذه أُمرنا ألا نختلف عليه.
قالوا: والدليل على صحة هذا التأويل: حديث جابر في قصة معاذ، إذ كان يُصلّي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العشاء، ثم ينصرف فيؤمّ قومه في تلك الصلاة، هي له نافلة، ولهم فريضة، وهو حديث ثابتٌ صحيح لا يُختلف في صحّته.
قالوا: ولا يصحّ أن يجعل معاذ صلاته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نافلة، ويزهد في فضل الفريضة معه -صلى الله عليه وسلم-. ويدلّك على ذلك: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وهذا مانع لكل أحد أن تُقام صلاة فريضة لم يُصلّها فيشتغل بنافلة عنها.
وقد روى ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر؛ أن معاذًا كان يصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- العشاء الآخرة، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي معهم، هي له تطوع، ولهم فريضة.
قال ابن جريج: وحدثت عن عكرمة، عن ابن عباس، أن معاذًا، فذَكر مثل حديث جابر سِواء.
ومثل ذلك أيضًا حديث أبي بكرة في صلاة الخوف: صلَّى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بطائفة ركعتين، ثم بطائفة ركعتين، وهو مسافر خائف، فعَلِمنا أنه في الثانية مُتنفّل.
وقد أجمعوا أنه جائز أن يصلِّي النافلة خلف مَن يصلي الفريضة إن شاء، وفي ذلك دليل على أنَّ النيات لا تراعى في ذلك. التمهيد (16/ 318 -321).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ويدخل في هذا النهي -أيضًا- إمامة القائم للمريض العاجز عن القيام، وهي صحيحة عندكم (المالكية)، وهذا اختلاف بلا شك.
قلتُ: إنما يتناول هذا النهي من يمكنه الموافقة، والعاجز عن القيام لا يمكنه موافقة الإمام، فلا يتناوله هذا النهي -والله أعلم-، والشافعي -رحمه الله- وغيره يخالف في ذلك، وحملوا الحديث على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والعكس، ونحو ذلك...
قد يؤخذ من الحديث عدم قراءة المأموم في الصلاة الجهرية؛ إذ لم يقل -عليه الصلاة والسلام-: وإذا قرأ فاقرأوا، كما قال: «فإذا كبر فكبروا» إلى آخره؛ وإنما خصصنا الجهرية لأنها التي يمكن استماعها دون السرية. رياض الأفهام (2/ 111).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ثبَت صلاة المتنفِّل خلف المفترض في عِدَّة أحاديثَ، وثبَت أيضًا بالعكس؛ فعُلم أنَّ موافقةَ الإمام في نيَّة الفرض أو النَّفل ليستْ بواجبةٍ، والإمام ضامن وإنْ كان متنفِّلًا، ومن هذا الباب صلاةُ العِشاء الآخرة خلف مَن يُصلِّي قيام رمضان، يُصلِّي خلفه ركعتين ثم يقوم فيتمُّ ركعتين، فأظهر الأقوال جوازُ هذا كلِّه. مجموع الفتاوى (23/386).
قوله: «فإذا ركع، فاركعوا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وإذا ركع» أي: أخذ في الركوع، وتحقّق ركوعه «فَارْكَعُوا» زاد في رواية أبي داود: «ولا تركعوا حتى يركع» وقد تقدّم أن المراد تحقُّق ركوعه بتمام الانحناء، وليس المراد تمام الركوع، وفراغه منه كما يتبادر من اللفظ. البحر المحيط الثجاج (10/ 80).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فاركعوا» فإن قلتَ: الفاء للتعقيب، والتأخر عن الإمام جائز بركن فعلي بل بأكثر.
قلتُ: المراد منه التعقيب العرفي، وقد عيَّن الفقهاء مقداره وهو أقل من ركنين فعْلِيَّين ونحوه. الكواكب الدراري (5/ 95).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
«فاركعوا» فالفاء: تقتضي التعقيب؛ فيقتضي أن تكون أفعال المأموم عقبَ أفعال الإمام القولية والفعلية، فنبَّه -صلى الله عليه وسلم- بالتكبير والتسميع على القولية، وبالركوع والرفع على الفعلية. العدة في شرح العمدة (1/ 421).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
لو قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، أو في غيرها كُره، وفاتته فضيلة الجماعة. إرشاد الساري (2/ 71).
قوله: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده»:
قال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: معنى «سمع» هنا: أجاب، ومعناه: أنَّ من حمد الله تعالى متعرِّضًا لثوابه استجاب الله تعالى له وأعطاه ما تعرض له. شرح مسلم (4/ 193).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
واعلم أن ما جاء من الدعاء بصيغة الخبر مثل: سمع الله لمن حمده، وغفر الله لنا، ورضي عنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، ونحو ذلك، قد قيل: إنه من باب التفاؤل بإجابة الدعاء، وكأنه وقع واستُجيب وأخبر عن وقوعه. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 559).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
فيه: أن التسميع مختص بالإِمام، وأن «ربنا ولك الحمد» مختص بالمأموم، هكذا استدل به أحمد، وهو اختيار مالك وأبي حنيفة وابن المنذر، ومذهب الشافعي أن الإِمام والمأموم والمنفرد يجمعون بين التسميع والتحميد في الركوع والاستواء منه، فالتسميع ذكر لحالة الرفع منه، والتحميد ذكر لحالة الاستواء من الرفع. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 559-561).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه دلالة لمذهب مَن يقول: لا يزيد المأموم على قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول معه: سمع الله لمن حمده.
ومذهبنا (الشافعية) أنه يَجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- جمع بينهما، وثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». شرح مسلم (4/ 121).
قوله: «فقولوا: ربنا لك الحمد»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلفوا في إثبات الواو وإسقاطها من قوله: «ولك الحمد» بحسب اختلاف الروايات، وهذا اختلاف في الاختيار، لا في الجواز، ويرجع إثباتها بأنه يدل على زيادة معنى؛ لأنه يكون التقدير: ربنا استجب لنا -أو ما قارب ذلك- ولك الحمد، فيكون الكلام مشتملًا على معنى الدعاء، ومعنى الخبر، وإذا قيل: بإسقاط الواو دل على أحد هذين. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 224).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«قولوا: ربنا ولك الحمد» كذا لجميع الرواة في حديث عائشة -رضي الله عنها- بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس -رضي الله عنهما-، إلا في رواية الليث، عن الزهري، فللكشميهني بحذف الواو، ورجح إثبات الواو بأن فيها معنىً زائدًا؛ لكونها عاطفة على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معًا.
ورجح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد...
ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: «سمع الله لمن حمده» وأن المأموم يقتصر على قوله: «ربنا ولك الحمد».
وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول: «ربنا ولك الحمد» عقب قول الإمام: «سمع الله لمن حمده»، فأما منع الإمام من قول: «ربنا ولك الحمد» فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجمع بينهما. فتح الباري (2/ 179).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وفي حديث أبي هريرة المخَّرج في هذا الباب: «اللهم ربنا لك الحمد» بغير واو، وفي حديث أبي هريرة المخرج في الباب قبله: «اللهم ربنا ولك الحمد» بالواو، وفي رواية أخرى عن أبي هريرة سبق تخريجها: «ربنا لك الحمد» بغير واو، وفي روايات أخر: «ربنا ولك الحمد» بالواو، وكله جائز.
وأفضله عند مالك وأحمد: «ربنا ولك الحمد» بالواو...
قال أصحابنا: فإن قال: ربنا ولك الحمد، فالأفضل إثبات الواو، وإن زاد في أولها: اللهم، فالأفضل إسقاطها، ونص عليه أحمد في رواية حرب؛ لأن أكثر أحاديثها كذلك، ويجوز إثباتها؛ لأنه ورد في حديث أبي هريرة كما خرَّجه البخاري... وذهب الثوري والكوفيون إلى أن الأفضل: «ربنا لك الحمد» بغير واو. فتح الباري (7/ 195-196).
قوله: «وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون»:
قال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في الإمام يصلّي قاعدًا من عِلَّةٍ:
فقالت طائفة: يصلّون قُعودًا؛ استنانًا بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه الذين صلَّوا خلفه قيامًا بالقعود، فممن رُوي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأُسَيد بن حُضَير، وقد روينا عن قَيْس بن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- أن إمامهم، اشتكى على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فكان يَؤُمُّنَا جالسًا ونحن جلوس»...
وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، قال أحمد: كذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله أربعةٌ من أصحابه: أُسيد بن حُضَير، وقيس بن قَهْد، وجابر، وأبو هريرة.
وكان أحقّ الناس بالاستدلال لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مَشْيَ ابن عُمر بعد بيعه بأنها أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان؛ لما روى ابن عمر الحديث، قال: ابنُ عمر أعلم بتأويل حديث رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ممن بعده، فكذلك لما كان فيما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمْرَهُ الذين صَلَّوْا خلفه قيامًا بالقعود أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة وجابر أعلم بتأويل حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبناسخه ومنسوخه ممن بعدهما.
ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يجز الانتقال عما سنَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم، وأمرهم بالقعود إذا صلَّى إمامهم قاعدًا؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر، فوجب عليهم القيام؛ لقيام أبي بكر بهم مما لم يحدِّث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علّة، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدّم إمام غير الإمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلّى جالسًا، فليس عليهم الجلوس ما دام الإمام الذي عقدوا معه الصلاة قائمًا، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استُعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلى بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في منزله، وافتَتَح بهم الصلاةَ قاعدًا، فعليهم القعود بقعوده.
فتكون كلُّ سُنة من هاتين السُّنتين مستقلّة في موضعها، ولا يبطل كلُّ واحدة للأخرى أن معنى كلّ سنة غير معنى الأخرى.
وقد تأول هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَنْ مذهبُه استعمال الأخبار كلّها إذا وَجَد إلى استعمالها سبيلًا، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه.
وقالت طائفة: إن صلى الإمام قاعدًا صلى المأمومون قيامًا إذا أطاقوا، وصلى كلُّ واحد فرضه، هذا قول الشافعيّ، قال: أمرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس، ومَن حدّث معه في صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى بهم جالسًا ومَن خلفه جلوسٌ منسوخٌ بحديث عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بهم في مرضه الذي مات فيه جالسًا، وصلَّوا خلفه قيامًا.
وقال أصحاب الرأي في مريض صلى قاعدًا يسجد ويركع، فائتمّ به قوم فصلَّوا خلفه قيامًا: يُجزئهم، وإن كان الإمام قاعدًا يومئ إيماءً، أو مضطجعًا على فراشه يومئ إيماءً، والقوم يصلّون قيامًا قال: لا يجزئه، ولا يجزئ القوم في الوجهين جميعًا.
وقال أبو ثور كما قال الشافعي.
وفي المسألة قول ثالث، قاله مالك، قال: لا ينبغي لأحد أن يؤمّ الناس قاعدًا، وحُكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلي الإمام بالقوم جلوسًا، وقد روينا عن جابر الجعفي، عن الشعبي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يؤمّنّ أحد بعدي جالسًا».
قال أبو بكر (ابن المنذر): وهذا خبر واهٍ، تُحيط به العلل، جابر متروك الحديث، والحديث مرسل، وهو مخالف للأخبار الثابتة عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم -كثيرًا. الأوسط (4/205 - 209).
وقال ابن تيمية-رحمه الله-:
المسألةُ على ثلاثةِ أقوالٍ: قيلَ: لا يؤُمُّ القاعدُ القائمَ، وأنَّ ذلك من خصائصِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، كقولِ مالكٍ ومحمّدِ بنِ الحسنِ. وقيلَ: بل يؤُمُّهم ويقومون، وأنَّ الأمرَ بالقُعودِ منسوخٌ، كقولِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ. وقيلَ: بل ذلك مُحكَمٌ، وقد فعله غيرُ واحدٍ من الصحابةِ بعد موتِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، كأُسيدِ بنِ حُضيرٍ وغيرِه. مجموع الفتاوى (23/ 406).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستُدلّ به (أي: بحديث عائشة -رضي الله عنها-) على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن، فيما حكاه الطحاوي، ونَقَل عنه أن ذلك خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- واحتَجّ بحديث جابر، عن الشعبيّ مرفوعًا: «لا يَؤُمَّنّ أحدٌ بعدي جالسًا».
واعترضه الشافعيّ، فقال: قد عَلِم مَن احتجّ بهذا أن لا حُجة فيه؛ لأنه مرسلٌ، ومن رواية رجل يَرْغَب أهلُ العلم عن الرواية عنه، يعني جابرًا الجعفي.
وقال ابن بزيزة: لو صَحّ لم يكن فيه حُجة؛ لأنه يَحْتَمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس؛ أي يُعْرَب قوله: «جالسًا» مفعولًا لا حالًا، وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدُلّ على نسخ أمره المتقدِّم لهم بالجلوس لَمّا صلَّوا خلفه قيامًا.
وتُعُقِّب بأن ذلك يَحتاج لو صح إلى تاريخ، وهو لا يصح، لكنه زَعَم أنه تَقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم، قال: والنسخ لا يثبت بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور.
وتُعُقِّب بأنّ عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سُلِّم لا يلزم منه عدم الجواز؛ لاحتمال أن يكونوا اكتَفَوا باستخلاف القادر على القيام؛ للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.
واحتَجَّ أيضًا بأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما صلى بهم قاعدًا؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه؛ لنهي اللَّه عن ذلك؛ ولأن الأئمة شُفَعاء، ولا يكون أحدٌ شافعًا له.
وتُعُقّب بصلاته -صلى الله عليه وسلم- خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف، وصَحَّ أيضًا أنه صلى خلف أبي بكر.
والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قولُ ربيعة: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون -صلى الله عليه وسلم- أمَّ في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعيّ في الأم، فكيف يدَّعي أصحابه عدم تصوير أنه صلّى مأمومًا، وكأن حديث إمامته المذكور لَمّا كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم ردُّهُ سلكوا في الانتصار وجوهًا مختلفة.
وقد تبيّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أن المراد بمنع التقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء، أي في حق مَن يَحتاج إلى الشفاعة.
ثم لو سُلِّم أنه لا يجوز أن يؤمه أحدٌ لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أمَّ قاعدًا جماعةٌ من الصحابة بعده -صلى الله عليه وسلم- منهم أُسيد بن حُضير، وجابر، وقَيس بن قَهْد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحةٌ، أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم.
بل ادَّعى ابنُ حبان وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد.
وقال أبو بكر ابن العربي: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- يَخْلُص عند السبك، واتِّباع السُّنة أولى، والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال، قال: إلا أني سمعتُ بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي -صلى الله عليه وسلم- والتبرك به، وعدم العِوَض عنه يقتضي الصلاة معه على أيِّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره، وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يُتَصَوَّر في حقه، ويتصور في حق غيره.
والجواب عن الأول ردُّه بعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي» وعن الثاني بأن النقص إنما هو في حقّ القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستُدِلّ به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلّى الإمام قاعدًا؛ لكونه -صلى الله عليه وسلم- أقرّ الصحابة على القيام خلفه وهو قاعدٌ، هكذا قرره الشافعيّ، وكذا نقله البخاري في آخر الباب عن شيخه الحميدي، وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك.
وأنكر أحمد نَسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرْجَى برؤه، فحينئذٍ يصلّون خلفه قُعُودًا.
ثانيتهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب قائمًا لزم المأمومين أن يصلُّوا خلفه قيامًا سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن تقريره لهم على القيام دلّ على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلَّوا معه قيامًا بخلاف الحالة الأولى، فإنه -صلى الله عليه وسلم- ابتدأ الصلاة جالسًا، فلما صلَّوا خلفه قيامًا أنكر عليهم.
ويُقَوِّي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لا سيّما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام ألا يصلّي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلّى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدَّم عن نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.
وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى، منها: قولُ ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يُختَلَف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته -صلى الله عليه وسلم- قاعدًا فاختُلِف فيها، هل كان إمامًا أو مأمومًا؟ قال: وما لم يُخْتَلَف فيه لا ينبغي تركه لمختَلَف فيه.
وأُجيب بدفع الاختلاف، والحمل على أنه كان إمامًا مرةً، ومأمومًا أخرى.
ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمرِ مَن أَمَّ قاعدًا لعذر تَخَيَّر مَن صلى خلفه بين القعود والقيام، والقعودُ أولى؛ لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرةِ الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد مَن استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، واستمرّ عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فرَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن قيس بن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- الأنصاريّ أن إمامًا لهم اشتكى لهم على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فكان يؤمّنا وهو جالسٌ، ونحن جلوس.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح، عن أُسيد بن حُضير أنه كان يؤمُّ قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلّي بهم، فقال: «إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا، فاقعدوا، فصلّى بهم قاعدًا، وهم قعود».
وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسيد بن حُضير، أنه قال: يا رسول الله إن إمامنا مريضٌ، قال: «إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» وفي إسناده انقطاع.
ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن جابر أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلّى بهم جالسًا، وصلَّوا معه جلوسًا.
وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا...
نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلًا به بعد قوله: «وصلّى الناس وراءه قيامًا» فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما صليتم إلا قعودًا، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلّى قائمًا، فصلّوا قيامًا، وإن صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا» وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان: إن هذه القصة كانت في مرض موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُستفاد منها (أي: من هذه الزيادة) نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلّى إمامهم قاعدًا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نُسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيُحْمَل أمره الأخير بأن يصلُّوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم، وترك أمرهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة، وباللَّه التوفيق، واللَّه أعلم. فتح الباري (2/ 175-177).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله الحافظ -رحمه الله- أخيرًا تحقيقٌ حسنٌ، إلا احتجاجه على الاستحباب بمرسل عطاء المذكور؛ لأنك عرفت أنه ضعيف، فتأمل.
وبالجملة فهذا يدل على إنصاف الحافظ -رحمه الله- في هذه المسألة؛ حيث خالف مذهبه؛ لأن مذهب الشافعي بخلافه، وهذا هو الذي يجب على كل مسلم عَرَفَ صحيح الأحاديث من سقيمها، وعَرَف الجمع بين مختلفها، لا أن يتعصّب لرأي بعض الناس، فيتكلّف ويتعسّف بتأويل ما لا يَقبل التأويل، وهو صرف ظواهر الأحاديث عن مقتضاها؛ لمخالفتها مذهبه.
والحاصل: أن الأرجح ما ذهب إليه من قال: إن من صلى خلف إمام يصلي قاعدًا لعذر منعه من القيام يصلي قاعدًا؛ تبعًا لإمامه كما فعل الصحابة وراء النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمره، ولكن إن صحّ ما دل عليه مرسل عطاء المذكور، فلا مانع لمن صلى قائمًا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أقرّهم عليه، ولم يأمرهم بإعادة ما صلّوا قائمين، فدل على جوازه، وإن كان الأَولى الصلاة قاعدًا؛ لأمره -صلى الله عليه وسلم- به. البحر المحيط الثجاج (10/ 57).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
العاجزُ عن الركوع والسجودِ والقعودِ، هل تصحُّ الصلاة خلفَه ؟
سبق أنَّ المذهب لا تصحُّ الصلاة خلفَه إلا بمثلِه.
ولكن الصحيح: أنَّ الصلاةَ خلفَه صحيحةٌ؛ بناءً على القاعدةِ: أنَّ مَن صحّت صلاتُه صحّتْ إمامتُه إلا بدليل؛ لأن هذه القاعدةِ دلَّت عليها النصوصُ العامةُ، إلا في مسألة المرأةِ، فإنَّها لا تصحُّ أن تكون إمامًا للرجل؛ لأنَّها مِن جنس آخر.
وأيضًا: قياسًا على العاجزِ عن القيام؛ فإنَّ صلاةَ القادرِ على القيامِ خلفَ العاجزِ عنه صحيحةٌ بالنصِّ، فكذلك العاجزُ عن الركوع والسجود...
إذًا فالصحيحُ: أننا نصلِّي خلفَ العاجزِ عن القيامِ والركوع والسجودِ والقعودِ، وهذا القولُ هو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية -رحمه الله- وهو الصحيحُ؛ بناءً على عموماتِ الأدلةِ كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله»، وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي: أنَّ مَن صحّتْ صلاتُه صحّت إمامتُه. الشرح الممتع (4/236 - 238).
قوله: «وأقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«أقيموا الصف» بتسويته وعدم اعوجاجه «في الصلاة» الجماعة، والمراد كل صف من صفوفها؛ «فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» فيه مأخذ لعدم وجوب إقامته، وأنها لا تبطل الصلاة بتركه، وإنما يفوت حُسنها، ولكن قوله في الحديث الآخر: «أو ليخالفن الله بين قلوبكم» فيه من الوعيد ما يدل لوجوبه، فإنه لا وعيد على ترك مندوب. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 26).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
والمراد: أن الصف إذا أقيم في الصلاة كان ذلك من حسنها، فإذا لم يقم نقص من حُسنها بحسب ما نقص من إقامة الصف. فتح الباري (6/ 278).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل أن إقامة الصفوف سُنة مندوب إليها، وليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا لم يقل -عليه السلام-: «فإن إقامة الصفوف من حسن الصلاة»؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه؛ وذلك زيادة على الوجوب، ودل هذا على أن قوله في حديث أنس: «فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة» أن إقامة الصلاة قد تقع على السُّنة كما تقع على الفريضة. شرح صحيح البخاري (2/ 347).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «من حُسن الصلاة» قال ابن رشيد: إنما قال البخاري في الترجمة: من تمام الصلاة ولفظ الحديث: «من حسن الصلاة»؛ لأنه أراد أن يبين أنه المراد بالحُسن هنا، وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب، بل المقصود منه الحُسن الحُكْمِي؛ بدليل حديث أنس وهو الثاني من حديثي الباب حيث عبَّر بقوله: «من إقامة الصلاة». فتح الباري (2/ 209).
وقال العيني -رحمه الله-:
والتقدير: فإن تسوية الصفوف من كمال إقامة الصلاة، وقد تكلَّف بعض الشراح ها هنا بكلام لا طائل تحته. عمدة القاري (5/ 256-257).