الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«ليس منَّا من حلفَ بالأمانةِ، ‌ومن ‌خَبَّبَ ‌على ‌امرئٍ ‌زوجتَهُ أو مملوكَهُ فليس منَّا».


رواه أحمد رقم: (22980) واللفظ له، وأبو داود برقم: (3253)، وابن حبان برقم: (4363)، والحاكم برقم: (7816)، من حديث بريدة -رضي الله عنه-.
ورواه أبو داود برقم: (2175)، والنسائي برقم: (9170)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ولفظ أبي داود: «ليسَ مِنَّا مَن خَبَّبَ امرأةً على زَوْجِهَا، أو عبدًا على سَيِّدِهِ».
ولفظ النسائي: «مَن خَبَّبَ عبدًا على أهلِهِ فليسَ منَّا، ومَنْ أَفْسَدَ امرأةً على زَوْجِهَا فليس منَّا».
صحيح الجامع برقم: (5436، 5437)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2013 ، 2014).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«خَبَّبَ»:
التخبيب: إفساد المرأة على زوجها. التقفية في اللغة، لابن أبي اليمان (ص: 181).
وقال ابن عباد -رحمه الله-:
التَّخبيب: إذا خبَّبَ إنسانًا فأفسده. المحيط في اللغة(1/ 337).


شرح الحديث


قوله: «لَيْسَ مِنَّا»:
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«ليس مِنا» أي: من ذوي أسوتنا، بل من المتشبهين بغيرنا، فإنه من ديدن أهل الكتاب، ولعله أراد به: الوعيد عليه، فإنه حلف بغير الله ولا تتعلق به الكفارة وفاقًا. تحفة الأبرار (2/ 441).
وقال ابن أبي زمنين -رحمه الله-:
من العلماء من قال: معنى هذه الأحاديث: ليس مثلنا، وقال بعضهم: معناها: أنه من فعل هذه الأفعال فليس من المطيعين لنا، وليس من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا، هذه النعوت وما أشبهها، إما أن يكون المراد بها: التبرؤ ممن فعلها، وأمَّا أن يتبرَّأ منه فيكون من غير أهل الْمِلَّة فلا.
قال محمد (ابن أبي زمنين): والدليل على صحة هذا التأويل -والله أعلم- قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس مِنَّا من لم يأخذ شاربه». أصول السُّنة (ص: 250).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه عند أهل العلم: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا، واقتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا؛ كما يقول الرجل لولده إذا ‌لم ‌يَرْضَ ‌فعله: ‌لستَ ‌مني، وهكذا القول في كل الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من غشَّ فليس مِنَّا» وأشباهه. شرح مسلم (1/ 109).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منا...» الحديث، أي: ليس على سُنتنا وطريقتنا في مناصحة الإخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به: الموافقة والمتابعة، قال الله تعالى إخبارًا عن إبراهيم -عليه السلام-: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} إبراهيم: 36. فتح القريب المجيب (9/ 74).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ليس المراد به: الخروج من الدين جملة؛ إذ المعاصي لا يُكَفَّرُ بها عند أهل السُّنة، اللهم إلا أن يعتقد حل ذلك، وأما سفيان الثوري فقال بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في الانزجار، كما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من فعل كذا. التوضيح (9/ 537).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فائدة إيراده بهذا اللفظ: المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك. فتح الباري (3/ 163).
وقال المازري -رحمه الله-:
لا ‌حجة ‌فيه ‌لمن ‌يقول: إنَّ العاصي خرج من الإيمان؛ لأنه يحتمل أن يكون أراد: مَن فعل ذلك مستحِلًّا له، أو «ليس منا» بمعنى: ليس بمتَّبِع هدينا ولا سُنتنا. المعلم (1/ 306).

قوله: «‌من ‌حَلف ‌بالأمانة»:
قال البغوي -رحمه الله-:
هذا (الحلف بالأمانة) يشبه أنْ يكون وعيدًا؛ لما أنه حَلِف بغير الله. شرح السُّنة (10/ 8).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا (الحلف بالأمانة) يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إِنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله -عز وجل- وصفاته. معالم السنن (4/ 46).
وقال الصدر المناوي -رحمه الله-:
أراد بالأمانة: الفرائض، أي: لا تحلفوا بالصلاة والحج وغيرهما. كشف المناهج (3/ 153).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «بالأمانة» إذِ الحلفُ بالله تعالى وصفاته، والأمانة مطلقًا ليست منهما. حاشية على مسند أحمد (5/341).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الحلف بالأمانة ليس يمينًا لانتفاء الاسم والصفة، وبه قال الشافعي.طرح التثريب (7/ 146-147).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُكره الحلف بالأمانة؛ لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَن ‌حلف ‌بالأمانة، فليس منا» رواه أبو داود، وروي عن زياد بن حُدَير (مِن كبارِ التَّابعين): أنَّ رجلًا حلف عنده بالأمانة، فجعل يبكي بكاء شديدًا، فقال له الرجل: هل كان هذا يكره؟ قال: نعم، كان عمر ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي. المغني (13/ 472).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قيل: إنما كرِه ذلك؛ لأنه غير داخل في أسماء الله وصفاته، فلم ير أن يحلف به، ويحتمل أن يكون الحلف بالأمانة من مبتدعات أهل الكتاب، فكرهه، مع ما فيه من العدول في الحلف عن أسماء الله وصفاته، فنفى الحالف عن نفسه بالتَّبرِّي عنه، هذا إذا حلف بالأمانة. الميسر(3/ 803-804).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قال: وأمانة الله كان يمينًا، ولزمته الكفارة فيها، وقال الشافعي: لا يكون ذلك يمينًا، ولا يكون فيها كفارة. معالم السنن (4/ 46).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
ذكر أبو جعفر (الطحاوي صاحب الأصل) عن أصحابنا (الحنفية) فيمن حلف بأمانة الله أنها ليست بيمين.
قال أبو بكر (الجصاص): وليس كذلك، الجواب في الأصل: هي يمين عندهم، وقال الشافعي: ليست بيمين. اختلاف العلماء (3/ 240).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أما إذا حلف بأمانة الله، فقد اختَلَفَ فيه أقاويل العلماء، والمشهور عن أبي حنيفة -رحمة الله عليه-: أنَّ يمينه ينعقد، فجعل أمانة الله من أقسام الصفات؛ لأن من أسماء الله الأمين (لم يثبت أنَّ من أسماء الله الأمين)، وأحلها محل الإرادة من الْمُريد (وكذلك لم يثبت أنَّ من أسماء الله المريد، وإن كانت الإرادة ثابتة له سبحانه)، والقدرة من القدير، ويحتمل أنْ يُقال: إنه في معنى كلمة الله، على ما يذهب إليه غير واحد من علماء التفسير في تأويل قوله سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} الأحزاب: 72، فقالوا الأمانة: كلمة التوحيد، ولا مخالفة بين قول من يجعل الحلف بأمانة الله يمينًا، وبين ما ورد فيه الحديث، فإن النهي ورد في الحلف بالأمانة، لا بأمانة الله، وقد روي عن أبي يوسف خلافه.
واختيار الطحاوي: أن اليمين لا تنعقد بأمانة الله، سواء نوى اليمين أو لم ينو. الميسر (3/ 803-804).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد رُوِي: «‌مَن ‌حلَف ‌بالأمانةِ فليس مِنَّا» فمن حلَف بالأمانة لا يدري ما حلف به، أو عنَى به مخلوقًا فقد أساء، وإنْ أراد بها صفة من صفاتِ الله، نحوُ: وأمانةِ اللهِ، أو عظمتِه جاز ذلك. مختصر الفتاوى المصرية (2/ 399).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الذي في كتب أصحابنا (الشافعية) أنه إذا قال: عليَّ أمانة الله لأفعلن كذا، وأراد اليمين فهو يمين، وإن أراد غير اليمين كالعبادات فليس يمينًا، وإن أطلق فوجهان: أصحهما: أنه ليس يمينًا لترَدُّد اللفظ، وقد فُسِّرَت الأمانة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الأحزاب: 72 بالعبادات.
وقال المالكية: يكره الحلف بأمانة الله، وفيه الكفارة إن قصد الصفة.
وقال الحنابلة: إن قال: وأمانة الله فهو يمين، وإن قال: والأمانة لم يكن يمينًا إلا أن ينوي صفة الله، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يمين مطلقًا. طرح التثريب (7/ 146-147).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
فلا يجوز للمسلم ولا للمسلمة الحلف بغير الله، فلا يقول: بالأمانة ما فعلت كذا، ولا بذمتي ما فعلت كذا، ولا بحياتك ما فعلت كذا، أو وحياتك ما فعلت كذا، أو وشرفك، أو بالنبي، أو بالكعبة، كل هذا لا يجوز، كله من الشرك. فتاوى نور على الدرب (4/ 78).

قوله: «ومَن خَبَّبَ على امْرِئٍ زوجتَهُ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «خبَّب» يريد: أفسد وخدع، وأصله: من الخب، وهو الخداع، ورجل خب ويقال: فلان خَبٌّ ضب، إذا كان فاسدًا مفسدًا. معالم السنن (4/ 152).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«من خبَّب» ... والرجل الخَبُّ بفتح الخاء: الخدَّاع، والذي يسعى بين الناس، وقد تُكْسَرُ خاؤه، ومنه حديث: «لا يدخل الجنة خِبٌّ».
«زوجة امرئ» حرَّة كانت أو أمَةً، وفي معناه: من خبَّبَ زوج امرأة فأفسده ...، والفساد يحصل بالقول والفعل، وكل ما يؤدي إلى نشوز المرأة عن زوجها. شرح سنن أبي داود (19/ 464-465).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من خبب» ... بأنْ يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، أو محاسن أجنبي عندها. مرقاة المفاتيح (5/ 2128).
وقال النووي -رحمه الله-:
يحرم على المكلَّف أن يُحدِّثَ عبدَ الإنسان أو زوجته أو ابنه أو غلامه، ونحوهم؛ بما يفسدهم به عليه، إذا لم يكن ما يحدثهم به أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة: 2، وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق: 18، وروينا في كتابي أبي داود والنسائي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من خبَّب زوجةَ امرئٍ أو مملوكه فليس منا». الأذكار (ص: 368- 369).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وهو ‌من ‌أكبر ‌الكبائر، وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يستام على سوم أخيه، فكيف بمَن يسعى في التفريق بين رجل وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟
وعشاق الصور ومساعدوهم من الديايثة (جمع: ديوث) لا يرون ذلك ذنبًا، فإن طلب العاشق وصل معشوقه، ومشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة، وإن لم يُرَبَّ عليها، ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة، فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باقٍ له المطالبة به يوم القيامة، فإن مِن ظُلْمِ الوالد إفساد ولده وفَلْذَةِ كبِدِهِ، ومن هو أعزُّ عليه من نفسه، فظُلْمُ الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله؛ ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه. الداء والدواء (ص: 216).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فإن انضاف إلى ذلك أن يكون الزوج جارًا أو ذا رحم تعدَّد الظلم، وَفَحُشَ بقطيعة الرحم وأذى الجار، و«لا يدخل الجنة قاطع رحم» و«لا من لا يأمن جاره بوائقه». فيض القدير (5/ 385).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أفسدها عليه، أو أوقع بينهما الشقاق والتنافر، فحملها على الخروج عن طاعته. دليل الفالحين (8/ 424).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
أي: خدعها وأفسدها، أو حَسَّنَ إليها الطلاق؛ ليتزوجها أو يُزَوِّجها لغيره، أو غير ذلك. عون المعبود (14/ 52-53).

قوله: «أو مَمْلُوكَهُ فليسَ مِنَّا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أو مملوكه» يدخل فيه العبد والجارية، والفساد يحصل بالقول والفعل. شرح سنن أبي داود (19/ 464-465).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أو مملوكه» ذكرًا كان أو أنثى «فليس منا» أي: على هدينا؛ لأن شأن المؤمن التعاون والتناصر؛ وهذا بخلافه. دليل الفالحين (8/ 424).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أو مملوكه» وفي لفظ: «خادمه» وهو أعمُّ «فليس منا»؛ لأنه أتى بما لم يأتِ به أهل مِلَّتِنا وشريعتنا من تخبيب زوجة غيره أو مملوكه عليه، ولو كان ذلك الغير كتابيًّا فإنه يحرم عليه ذلك، قال بعض العارفين: ومن ذلك: ما لو غضبت امرأة أو خادم على مَنْ هما لديه إلى عند آخر؛ فلا ينبغي أن يبسط عليهما في النفقة؛ بل يجيعهما ويعاملهما بخلاف ما يبسط طبعهما، فإن ذلك من أسباب ردِّهِما إلى الزوج والسيد، قال: وفعلتُ هذا مرارًا بمن كان يغضب إلى عبدي فيكون الرجوع أحب شيء إليه إلى من كان فارًّا منه، وفيه: تحريم تخبيب الزوجة والخادم؛ لأنه إضرار بالغير، وهو حرام. التنوير (10/ 211-212).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«أو مملوكه» أي: أو أمته، أي: أفسده عليه بأن لاط أو زنى به، أو حسَّن إليه الإباق (أي: الهروب من سيده)، أو طلب البيع، أو نحو ذلك «فليس منا» أي: من العاملين بأحكام شرعنا. عون المعبود (14/ 52-53).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: تحريم التخبيب: وهو إفساد المرأة على زوجها، فيقع بينهما الشقاق والتنافر، وكذا المملوك؛ لأن من شأن المؤمنين التعاون والتناصر على الحق، وهذا بخلافه.تطريز رياض الصالحين (ص:887)


إبلاغ عن خطأ