«مَن حلف فقال في حَلِفِه: واللات والعُزَّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومَن قال لصاحبه: تعال أُقامرك، فلْيَتصدَّق».
رواه البخاري برقم: (4860)، ومسلم برقم: (1647)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وزاد أبو داود برقم: (3247): «فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«اللات»:
اللات: اسم صنم كان لثقيف بالطائف، والوقف عليه بالهاء، وبعضهم يقف عليه بالتاء، والأول أكثر، وإنما التاء في حال الوصل، وبعضهم يُشَدِّدُ التاء. النهاية (4/ 220).
«العُزَّىْ»:
العُزَّىْ: سَمُرَةٌ كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بَنَوْا عليها بيتًا. لسان العرب، لابن منظور (5/ 378).
«أُقَامِرُك»:
القمار: مصدر قامرهُ مقامرةً، إذا أراد كُل واحد أنْ يغلبَ صاحبه في عمل أو قولٍ ليأخذ مالًا، من غَلَبَ، ولا شك في حرمته، واستثني منه: سباق الخيل بشروطه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (23/ 310).
شرح الحديث
قوله: «من حلف»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
الحَلِف: بفتح الحاء، وكسر اللام، وإسكانها أيضًا، أما الحِلْفُ -بكسر الحاء، وإسكان اللام- فإنه العهد. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (23/ 310).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«من حلف» بفتح الحاء وكسر اللام: ناسيًا أو جاهلًا. إرشاد الساري (9/ 67).
قوله: «فقال في حلفه: واللَّاتُ والعُزَّىْ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فقال في حلفه» أي: في يمينه. عمدة القاري (19/ 201).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«باللات والعزى» أي: أحلف بهما، إما بالجمع، أو بإفراد أحدهما، أي: بلا قصد، بل جرى على لسانه، كما جرت العادة بينهم بذلك، حيث كانوا قريبي عهد بجاهلية. البحر المحيط الثجاج (28/ 597).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«اللَّات» اسم صنم كان لثقيف، و«العُزَّى» لسليم وغطفان. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 167).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اللَّات، والعُزى، ومناة: أصنام ثلاثة كانت في جوف الكعبة، وقيل: كانت اللَّات بالطائف، والعُزَّى بِغَطَفَان، وهي التي هدمها خالد بن الوليد، ومَنَاة بِقُدَيْدٍ، وقيل: بالمُشَلَّل، فأما اللَّات فقيل: إنهم أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى، وقيل: أرادوا أن يسمُّوا بعض آلهتهم باسم الله تعالى، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك، فقالوا: اللَّات، صيانة لذلك الاسم العظيم أن يسمى به غيره، كما صرف ألسنتهم عن نسب محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى مُذَمَّم، فكانوا إذا تكلَّموا باسمه في غير السب قالوا: محمد، فإذا أرادوا أن يسبوه قالوا: مُذَمَّم، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا تعجبون! مما صرف الله عنِّي من أذى قريش، يسبُّون مُذَمَّمًا، وأنا محمد». المفهم (4/ 625).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله: أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، ولا عظيم في الحقيقة سواه (يعني: الله)، قال ابن عباس: لَأَنْ أحلف مائة مرة فآثم خير من أن أحلف مرَّة واحدة بغير الله. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (23/ 310).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وخُصَّ اللات بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها، إذ لا فرق بينها. المفهم (4/626).
قوله: «فليقل: لا إله إلا الله»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فليقل: لا إله إلا الله» أي: استدراكًا لما فاته من تعظيم الله تعالى في مَحِلِّهِ، ونفيًا لما تعاطى من تعظيم الأصنام صورة، وأما من قصد الحلف بالأصنام تعظيمًا لها فإنه كافر بلا خلاف -نعوذ بالله تعالى من ذلك-. البحر المحيط الثجاج (28/ 597).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فليقل: لا إله إلا الله» الأمر فيه للوجوب إن كان حلفه بهما لكونهما معبودتين؛ لأنه صار كافرًا، وللندب إن كان حلف لغير ذلك. شرح المصابيح (4/ 95).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قال السَّفَاقُسِي (وهو: إبراهيم بن محمد القيسي) وغيره: إنما ألزمه قول: لا إله إلا الله؛ إشفاقًا عليه من أن يكون الكفر قد لَزِمَهُ؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يُعظَّم، فإذا حلف بهما، فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمر أن يتدارك ما وقع منه بكلمة التوحيد الْمُبَرِّئة من الشرك. مصابيح الجامع (8/ 420).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: وقول ذلك (يعني: لا إله إلا الله) واجب عليه، مع إحداث التوبة، والندم على ما قال من ذلك، والعزم على ألا يعود، ولا يعظم غير الله. شرح صحيح البخاري (6/ 99).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
من قال في الإسلام في يمينه: واللات والعزى مؤكدًا ليمينه بذلك على معنى التعظيم فيه كافر حقيقة، وإن قالها ناسيًا لعادة جرت كما كان في صدر الإسلام أو لسهو عرض فليقل: لا إله إلا الله؛ فإن ذلك يكفره عنه، وإن كان غير مؤاخذ به، ولكن شرع له هذا القول ليبين أن ذلك كان سهوًا فيرد قلبه إلى الذكر، ولسانه إلى الحق تطهيرًا مما جرى عليه من لغو الباطل والكفر، وأما إن قال: هو يهودي إن فعل كذا، فلا يكون به كافرًا؛ لأنه أراد نفي ذلك الفعل، كما نفى عن نفسه الكفر، ولم يرد اعتقاده بفعله متى فعله. عارضة الأحوذي (7/ 17-18).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إنما أوجب قول: لا إله إلا الله على من حلف باللات والعزى شفقًا من الكفر أن يكون قد لزمه؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يعظم، فإذا حلف بهما فقد ضاهى الكفار في ذلك، وأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد الْمُبَرِّئة من الشرك. أعلام الحديث (3/ 1918).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله- متعقبًا للخطابي:
قلتُ: ويحتمل أن يكون المراد: من سبق لسانه إلى الحلف باللات لموضع العادة قبل الإسلام، فليقل: لا إله إلا الله مستدركًا بها ذلك الغلط، وهذا أبين من قول الخطابي؛ لأن المسلم لا يقصد اليمين باللات. كشف المشكل (3/ 395).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليقل: لا إله إلا الله» أي: فليتُب إلى الله، وله معنيان:
أحدهما: أن يجري على لسانه سهوًا جريًا على المعتاد السابق للمؤمن المتجدد، «فليقل: لا إله إلا الله»، أي: فليتب كفارة لتلك الكلمات، فإن الحسنات يذهبن السيئات؛ فهذا توبة من الغفلة.
وثانيهما: أن يقصد تعظيم اللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله تجديدًا لإيمانه، فهذا توبة من المعصية. مرقاة المفاتيح (6/ 2235).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فإن كان على قصد التعظيم فهو كفر وارتداد، يجب العود عنه بالدخول في الإسلام. لمعات التنقيح (6/ 241).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا الله؛ تكفيرًا لتلك اللفظة، وتذكيرًا من الغفلة، وإتمامًا للنعمة. المفهم (4/ 625-626).
وقال النووي -رحمه الله-:
إنما أمر بقول: لا إله إلا الله؛ لأنه تعاطى تعظيم صورة الأصنام حين حلف بها. شرح صحيح مسلم (11/ 106).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
لأنه ضاهى بحلفه باللات والعزى الكفار. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (8/ 168).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا ... ، يدل على أن من حلف بِمِلَّةٍ غير الإسلام فليس كما قال. الاستذكار (5/ 195).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في الأمر لمن حلف باللات والعزى أن يتكلم بكلمة الشهادة: دليل على أنه قد كفر بذلك. نيل الأوطار (8/ 107).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فليقل: لا إله إلا الله» وذلك لأن من اعتقد جواز ذلك لا شك أنه يكفر، وبهذا القول يعود إلى الإسلام، ومن لم يعتقد وصدر منه ذلك؛ لأنهم كانوا حديث عهد بالكفر، ربما سبق لسان أحدهم، فهذا كفارة لذلك. الكوثر الجاري (9/ 472-473).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الظاهر المستفاد من الحديث: أن الحلف بالصنم مذموم، فينبغي أن يُتَدَارك بأمر معلوم، وليس فيه دلالة على غير هذا. مرقاة المفاتيح (6/ 2235).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فإن قيل: الحديث مخالف لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلح وأبيه إن صدق».
فجوابه: أن هذه الكلمة كانت تجري على لسانهم، لا يقصدون بها اليمين....
فإن قيل: قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته، كقوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ} الصافات: 1، {وَالذَّارِيَاتِ} الذاريات: 1، {وَالطُّورِ} الطور: 1، {وَالنَّجْمِ} النجم: 1.
فالجواب: أن الله تعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته؛ تنبيهًا على شرفه. فتح المنعم (6/ 456).
قوله: «ومن قال لصاحبه: تعال أُقَامِرُك»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «تعال» أمر من التعالي، وهو الارتفاع. عمدة القاري (19/ 202).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أمر من تَعالى يَتَعَالى، وأصله: أن العالي يطلب السَّافل، ثم توسَّع، أي: ائت. مرقاة المفاتيح (6/ 2235).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «تعال أقامرك» القمار معروف، وهو جعل شيء لمن يغلب مطلقًا في أي شيء كان. فتح الباري (1/ 176).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أقامرك» مجزوم جوابًا لقوله: «تعال»؛ لأن في «تعال» معنى الشرط، تقديره: إن تأتني أقامرك. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 167).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
المراد بالقمار المذكور هنا: الميسر ونحوه مما كانت تفعله العرب، وهو المراد بقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} المائدة: 91، وكل ما لا يخلو اللاعب فيه من غُنْمٍ أو غُرْمٍ فهو مَيْسِرٌ، وقد صرَّح القرآن بوجوب اجتنابه، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} المائدة: 90 الآية، وقد صرَّحت بتحريمه السنة. نيل الأوطار (8/ 107).
وقال السندي -رحمه الله-:
وهذا (يعني: القمار) حرام بالإجماع، إلا أنه استثنى منه سباق الخيل. فتح الودود (3/ 462).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
إنما قرن القمار بذكر الأصنام تأسِّيًا بالتنزيل في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ} المائدة: 90، فمن حلف بالأصنام فقد أشركها بالله في التعظيم، فوجب تداركها بكلمة التوحيد، ومن دعا إلى المقامرة فوافق أهل الجاهلية في تصدقهم بالميسر، فكفارته التصدُّق بقدر ما جعله خطرًا، أو بما تيسَّر مما يصدق عليه اسم الصدقة. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2437).
قوله: «فليتصدق بشيء»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
مناسبة الأمر بالصدقة لمن قال: «أقامرك» من حيث إنه أراد إخراج المال في الباطل فأمر بإخراجه في الحق. فتح الباري (10/ 516).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وفي قوله: «فليتصدق» قولان:
أحدهما: فليتصدق بالمال الذي يريد أن يقامر عليه، قاله الأوزاعي.
والثاني: فليتصدق بصدقة تكون كفارة لما جرى على لسانه من ذلك. كشف المشكل (3/ 395-396).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: أَمَرَ بالصدقة تكفيرًا لخطيئته في كلامه بهذه المعصية. شرح صحيح مسلم (11/ 107).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
يحتمل: أن يريد أنه لما أراد إخراج المال الباطل وأخذه بذلك أمر أن يخرج المال في وجه البر؛ ليكون ذلك كفارة لما أراد. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (23/ 310).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «فليتصدق» معناه: فليتصدَّق بقدر ما جعله خطرًا (يعني: المال الذي يريد أن يقامره به) في القمار. معالم السنن (4/ 45).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- متعقبًا للخطابي:
ليس في اللفظ ما يدل عليه (أي: على تقدير الصدقة)، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات، فهو تحكُّم.
وأبعد من هذا: قول من قال من الحنفية: إن المراد بها: كفارة اليمين، وهذا فاسد قطعًا؛ لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتق، أو كسوة، أو إطعام، فإن لم يجد فصيام، فكيف يصح أن يقال: أطلق الصدقة، وهو يريد به: إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيَّر بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية، وأيضًا: فإنه لا يتمشَّى على أصل الحنفية...، فإنهم قالوا: لا تجب الكفارة إلا بالحنث في قوله: هو يهودي، أو نصراني، إلى غير ذلك مما ذكروه، وهذا حكم معلق على نطق بقول ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو استدعاء للمقامرة، فأين الأرض من السماء؟ والعرش من الثرى؟ المفهم (4/ 626-627).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام القرطبي:
وهو تحقيق نفيس جدَّا -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (28/ 601).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصواب الذي عليه المحققون وهو ظاهر الحديث: أنه لا يختص بذلك المقدار؛ بل يتصدق بما تيسَّر مما ينطلق عليه اسم الصدقة، ويؤيده رواية معمر التي ذكرها مسلم: «فليتصدق بشيء». شرح صحيح مسلم (11/ 107).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فليتصدق» فيه دليل على المنع من المقامرة؛ لأن الصدقة المأمور بها كفارة عن الذنب. نيل الأوطار (8/ 107).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
الحكمة في تخصيص الصدقة دون غيرها أنها تعويض عن أكل المال بالباطل، فأمروا بأكله بالمعروف والحق. شرح سنن أبي داود (13/ 576).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فليتصدق» ولا حجَّة فيه للمخالف في أنه أراد الكفارة؛ لأنه إنما جاء به بعد ذكر المقامرة على خصوص التكفير لها لا لغيرها، كما خص الحلف باللات والعزى بكفارة قوله: لا إله إلا الله، ولو كان المراد بالصدقة: كفارة اليمين لجاءت عنهما جميعًا ولم يختصَّ بالمقامرة. إكمال المعلم (5/ 403).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«فليتصدق» فهو على معنى الندب عند العلماء، لا على الوجوب؛ لأن الله لا يؤاخذ العباد بالقول في غير الشرك حتى يصدقه الفعل أو يكذبه، ولو أن رجلًا قال لامرأة: تعالي أزني بك، أو قال لآخر: تعال أشرب معك الخمر أو أسرق، ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، لم يلزمه حد في الدنيا ولا عقوبة في الآخرة، إذا كان مجتنبًا للكبائر، لكن ندب لمن جرى مثل هذا القول على لسانه، ونواه قلبه وقت قوله- أن يتصدق؛ خشية أن تكتب عليه صغيرة، أو يكون ذلك من الَّلمم (يعني: صغائر الذنوب)، وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة التوحيد والإخلاص؛ لينسج بذلك ما جرى على لسانه من كلمة الإشراك والتعظيم لها، وإن كان غير معتقد لذلك، والدليل أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الأيمان إلا بما انطوت الضمائر على اعتقاده، وكانت به شريعة لها، وكل محلوف به باطل فلا كفارة فيه، وإنما الكفارات في الأيمان المشروعة.
فإن قيل: فما معنى أمر الرسول الداعي إلى المقامرة بالصدقة من بين سائر أعمال البر؟ قيل له: معنى ذلك -والله أعلم-: أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جُعلًا في المقامرة، ويستحقُّونه بينهم، فنسخ الله أفعال الجاهلية وحرم القمار، وعوضهم بالصدقة عوضًا مما أرادوا استباحته من الميسر المحرم، وكانت الكفارات من جنس الذنب؛ لأن الْمُقامر لا يخلو أن يكون غالبًا أو مغلوبًا، فإن كان غالبًا فالصدقة كفارة لما كان يدخل في يده من الميسر، وإن كان مغلوبًا فإخراجه الصدقة لوجه الله أولى من إخراجه عن يده شيئًا لا يحل له إخراجه. شرح صحيح البخاري (9/ 73-74).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- متعقبًا:
الظاهر: وجوبها عليه (يعني: الكفارة)؛ لأنها كفارة مأمور بها، وكذلك قول: لا إله إلا الله؛ على من قال: واللات. المفهم (4/ 626).
وقال المظهري -رحمه الله- معلقًا:
وإنما قال الخطابي -رحمه الله-: لا يلزمه إلا الإنابة والاستغفار؛ لأنه لا يجوز الحلف إلا بالله، فإذا حلف بالأصنام تعظيمًا لها كَفَّر، فإذا كفَّر فعليه كلمة التوحيد والإنابة إلى الإسلام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بكلمة التوحيد، فقال: «فليقل: لا إله إلا الله»، أما إذا حلف باللات، ولم يعتقد تعظيمًا لها فَسَقَ؛ فعليه الاستغفار فقط. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 167).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفي فتاوى الظهيرية ولو قال: هو يهودي أو بريء من الإسلام إن فعل كذا عندنا يكون يمينًا، فإذا فعل ذلك الفعل هل يصير كافرًا؟ هذا على وجهين: إن حلف بهذه الألفاظ وعلَّق بفعل ماض وهو عالم وقت اليمين أنه كاذب اختلفوا فيه، قال بعضهم: يصير كافرًا؛ لأنه تعليق بشرط كائن وهو تنجيز، وقال بعضهم: لا يكفر ولا يلزمه الكفارة، وإليه مال شيخ الإسلام خُواهَرْ زَادَه (وهو: أبو بكر محمد بن الحسين البخاري).
وإن حلف بهذه الألفاظ على أمر مستقبل، قال بعضهم: لا يكفر ويلزمه الكفارة، والصحيح: ما قاله السَّرَخْسِيُّ (وهو: محمد بن أحمد بن أبي سهل) أنه ينظر إن كان في اعتقاد الحالف أنه لو حلف بذلك على أمر في الماضي يصير كافرًا في الحال، وإن لم يكن في اعتقاده ذلك لا يكفر، سواء كانت اليمين على أمر في المستقبل أو في الماضي. عمدة القاري (19/ 201-202).
وقال المازري -رحمه الله-:
الحلف بما لا يجوز من هذا النوع لا كفارة مقدرة فيه عندنا؛ خلافًا لأبي حنيفة في إثبات الكفارة في ذلك إلا في قوله: أنا مبتدع، وأنا بريء من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الحديث حجة عليه؛ لأنه لم يذكر فيه الكفارة، وأبو حنيفة تعلق بأن الله تعالى أوجب على الْمُظاهر الكفارة، وعلل بأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذا منكر من القول وزور، وهذا ينتقض عليه بما استثناه من قوله: أنا بريء من النبي -صلى الله عليه وسلم- لا كفارة فيه عنده، ولو قال: واليهودية لم تلزمه الكفارة باتفاق، وكذلك إذا قال: أنا يهودي إن فعلت، فلا معنى لتفريقهم بين اللفظين، فإنه إذا قال: واليهودية، فقد أعظم ما لا حرمة له، وإذا قال: إن فعلت فأنا يهودي، فكأنه عظم الإسلام واحترم ما له حرمة؛ لأن الجميع لا يحسن القسم بهما. المعلم بفوائد مسلم (2/ 366-367).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وتعقب (يعني: أبا حنيفة وأصحابه) بهذا الخبر؛ لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بلا إله إلا الله، ولم يذكر فيه كفارة، والأصل: عدمها حتى يقام الدليل، وأما القياس على الظِّهار فلا يصح؛ لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظِّهار، واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها كفارة أصلًا مع أنه منكر من القول. فتح الباري (11/ 536).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وظاهر الحديث: تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن الفقهاء قد اتفقوا على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العَلِيَّة، وإن اختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، فقد كانت يمين النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده»، «والذي نفس محمد بيده»، «لا، ومقلب القلوب»، «ورب الكعبة» فدل ذلك على أن النهي عن الحلف بغير الله لا يراد به اختصاص لفظ الجلالة بذلك، بل يتناول كل اسم وصفة يختصُّ به -سبحانه وتعالى-، وقد جزم ابن حزم، وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية، بأن جميع الأسماء الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وكذا الصفات؛ صريح في اليمين، تنعقد به، وتجب لمخالفته الكفارة، وهو وجه غريب عند الشافعية، وعندهم وجه أغرب منه: أنه ليس في شيء من ذلك صريح، إلا لفظ الجلالة، ويمين النبي -صلى الله عليه وسلم- بألفاظه السابقة تَرُدُّ هذا القول الغريب، والمشهور عندهم وعند الحنابلة: أنها ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يختص به، كالرحمن، ورب العالمين، وخالق الخلق، فهو صريح، تنعقد به اليمين، سواء قصد الله، أو أطلق.
ثانيها: ما يطلق عليه، وقد يقال لغيره، لكن بقيد، كالرب، والحق، فتنعقد به اليمين، إلا إن قصد به غير الله.
ثالثها: ما يطلق على السواء، كالحي، والموجود، والمؤمن، فإن نوى غير الله، أو أطلق، فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى انعقد على الصحيح.
وإذا تقرَّر هذا: فمثل: والذي نفسي بيده، ينصرف عند الإطلاق لله جزمًا، فإن نوى به غيره، كملك الموت مثلًا لم يخرج عن الصراحة على الصحيح، وفيه وجه عن بعض الشافعية وغيرهم، ويلتحق به: والذي فَلَقَ الحبة، ومقلب القلوب، وأما مثل: والذي أعبده، أو أسجد له، أو أصلي له، فصريح جزمًا، وحروف القسم ثلاثة: والله، وبالله، وتالله، والواو، والباء تدخلان على اسم الجلالة، وعلى غيره من أسمائه تعالى، أما التاء فلا تدخل إلا على لفظ الجلالة. فتح المنعم (6/ 456).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: كان أهل الجاهلية قد جرى على ألسنتهم الحلف باللات والعزى، فلما أسلموا ربما جَرَوْا على عادتهم من ذلك من غير قصد منهم؛ فكان من حلف بذلك فكأنه قد راجع حاله إلى حالة الشرك، وتشبه بهم في تعظيمهم غير الله، فأمر النبي -عليه السلام- من عرض له ذلك بتجديد ما أنساهم الشيطان أن يقولوا: لا إله إلا الله، فهو كفارة له، إذ ذلك براءة من اللَّات والعُزى ومن كل ما يعبد من دون الله. شرح صحيح البخاري (6/ 99).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن الحلف باللات لا يلزمه كفارة اليمين، وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار، وفي معناها إذا قال: أنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام إن فعلت كذا وكذا. معالم السنن (4/ 45).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: ما يدل على أن الكفارات تكون لها مناسبة بالخطايا، فإنه لما حلف بيمين تتضمن إثبات آلهة كانت كفارته نفي ما حلف به، وإثبات التوحيد لله -عزَّ وجلَّ-، ولما كانت الخطيئة الثانية من حيث طلب المال بوجه حرام، وهو القمار، كانت الكفارة بإخراج شيء من المال، فكانت الحسنة المالية ماحية أثر الأمنية المالية. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 225).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: وفيه الإبانة أن كل من أتى أمرًا يكرهه الله، ثم أتبعه من العمل بما يرضاه الله ويحبه بخلافه، وندم عليه، وترك العود له، فإن ذلك واضع عنه وزر عمله، وماحٍ إثم خطيئته، وذلك كالقائل يقول: كفر بالله إن فعل كذا، فالصواب له: أن يندم على قوله ندامة على حلفه، وأن يحدث من قول الحق خلاف ما قال من الباطل، وكذلك أعمال الجوارح، كالرجل يَهِمُّ بركوب معصية، فإن توبته ترك العزم عليه، والانصراف عن فعل ما هَمَّ به، وأن يَهِمَّ بعمل طاعة لله مكان همِّه بالمعصية، كما قال -عليه السلام- لمعاذ في وصيته: «إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها». شرح صحيح البخاري (6/ 100).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفيه: أن مَن دعا إلى اللعب فكفارته التصدق، فكيف بمن لعب؟! الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2437).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)