كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو: «ربِّ أعِنِّي، ولا تُعِنْ عَلَيَّ، وانصرني، ولا تنصر عَلَيَّ، وامكر لي، ولا تمكر عَلَيَّ، واهدني، ويسر هداي إِلَيَّ، وانصرني على من بغى عَلَيَّ، اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مِطواعًا، إليك مُخْبتًا، أو مُنيبًا، ربِّ تقبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّت حُجَّتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسلُلْ سخيمة قلبي».
رواه أحمد برقم: (1997)، وأبو داود برقم: (1510) واللفظ له، والترمذي برقم: (3551)، وابن ماجه برقم: (3830)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (3485)، صحيح أبي داود - الأم برقم: (1353).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بَغَى»:
بغى عليه يبغي بغيًا: علا عليه وظلمه. لسان العرب، لابن منظور (14/ 78).
«مِطْوَاعًا»:
أي: كثير الطوع. مجمع بحار الأنوار، للفتني (5/ 521).
«مُخْبِتًا»:
أي: خاشعًا مطيعًا، والإخبات: الخشوع والتواضع. النهاية، لابن الأثير (2/ 4).
«حَوْبَتي»:
أي: إثمي. النهاية، لابن الأثير (1/ 455).
«واسْلُلْ»:
أي: أَخْرِجْهُ. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 50).
«سَخِيمَةَ»:
الحقد في النفس. النهاية، لابن الأثير (2/ 351).
شرح الحديث
قوله: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو: ربِّ أَعِنّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ، وانْصُرْني ولا تَنْصُرْ عَلَيَّ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ربِّ أَعِنِّيْ» أي: على ذكرك، «ولا تُعِنْ عَلَيَّ» مَن يمنعني عنه، «وانصرني» أي: على أعدائي، «ولا تنصرْ عَلَيَّ». شرح المصابيح (3/ 225).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «رَبِّ أَعِنِّي» أي: على أعدائي في الدين والدنيا من النفس والشيطان والجن والإنس، والمعين: الظهير، والنصير أيضًا بمعنى: الإعانة، ويتضمن معنى الإنجاء والتخليص. لمعات التنقيح (5/ 253).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ربِّ أَعِنِّيْ» من الإعانة على عبادتك، أي: وفِّقْني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، «ولا تُعِنْ عَلَيَّ» أي: الشيطان حتى يمنعني من حُسن العبادة، «وانصرني» على الأعداء، «ولا تنصر عَلَيَّ» أحدًا من خلقك، أي: لا تُسَلِّطهم عَلَيَّ. بذل المجهود (6/ 244).
وقال المظهري -رحمه الله-:
فإن قيل: فإذا كان معناهما واحدًا، فأي فائدة في التكرار؟
قلنا: أكثر استعمال الإعانة في الدعاء في طلب إعانة الله على الذكر والطاعة، وأكثر استعمال النصرة في طلب النصرة على الأعداء. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 245).
قوله: «وامْكُرْ لي ولا تَمْكُرْ عَلَيَّ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
«وامكر لي ولا تمكر عليّ» معناه: أن يُنَفِّذَ مكرَهُ وحيلتَهُ في عدوِّه، ولا يُنَفِّذُ مكر عدوِّهِ وحيلتَهُ فيه، وقد يكون معنى المكر: الاستدراج في الطاعات؛ فيتوهَّم أنها مقبولة منه وهي مردودة عليه، ويحسب أنه محسن وهو مسيء، كقوله -سبحانه-: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} الكهف: 104، وكقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} الزمر: 47. شأن الدعاء (1/ 164).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«وامكر لي ولا تمكر عليّ» المكر: الحيلة والتفكر في دفع العدو على وجه لا يعرفُ العدوُّ طريقه، ومعنى هذا الكلام: اللهم اهدني على طريق دفع العدو، ولا تهدِ العدو على طريق دفع عن نفسه. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 245).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وامكرْ لي» قيل: المكر الخداع، وهو من الله تعالى إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة، وهي مردودة. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1925-1926).
وقال الزجاج -رحمه الله-:
المكر من الخلائق خَبٌّ وخداع، والمكر من الله: المجازاة على ذلك. معاني القرآن وإعرابه (1/ 419).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
مكر الله: إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة، المعنى: أَلْحِقْ مكرك بأعدائي لا بي، وأصل المكر: الخداع. النهاية (4/ 349).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقيل: المكر: حيلة توقع بها المرء في الشر، وهو من اللَّه تعالى تدبير خفي، وهو استدراجه بطول الصحة وبظاهر النعمة. لمعات التنقيح (5/ 254).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «وامكر لي ولا تمكر عليّ» أي: أَعِنِّي على أعدائي بإيقاع المكر منك عليهم لا عَلَيَّ؛ كما في قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} آل عمران: 54، وقيل: إنما ذكر المكر من الله في هذه الآية وأمثالها من باب الْمُشاكلة، ولا حاجة إلى ذلك والكلام في هذه طويل ولا يأتي بطائل. تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص: 428).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر، مع أن ظاهره أنه مذموم؟
قيل: إن المكر في محلِّه محمود، يدل على قوَّة الماكر، وأنه غالب على خصمه؛ ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق؛ فلا يجوز أن تقول: إن الله ماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحًا، مثل قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} الأنفال: 30، وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} النمل: 50، ومثل قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} الأعراف: 99، ولا تنفى عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحًا؛ يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحًا لا يوصف بها، وكذلك لا يسمى الله بها؛ فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر. القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 101-102).
قوله: «واهْدِني ويَسِّرْ هُدَايَ إِليَّ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واهدني» أي: دُلَّني على الخيرات أو على عيوب نفسي، «ويسر الهدى لي» أي: وسهِّل اتباع الهداية أو طرق الدلالة لي؛ حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل عن العبادة. مرقاة المفاتيح (5/ 1723).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «واهدني ويسر هداي إليّ» أي: دُلَّني على طرق الخير وسهل سلوكها إليّ. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 175).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«واهدني» أي: دُلّني على عيوب نفسي وأوصلني إلى المقامات الكريمة، «ويسر لي الهدى» أي: سهل أسبابه لي، أي: لأجلي. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (7/ 227).
قوله: «وانْصُرْني على مَنْ بَغَى عليَّ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وانصرني» أي: بالخصوص «على مَن بغى عليّ» أي: ظلمني وتعدَّى عليّ. مرقاة المفاتيح (5/ 1723).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «على مَن بغى» من البغي؛ وهو العدوان والظلم. شرح سنن أبي داود (5/ 421).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وانصرني على مَن بغى عليّ» أي: بالاستنكاف عن قبول الحق والاستكبار عن الإِسلام، أو بالخروج على القتال. بذل المجهود (6/ 244).
قوله: «اللهمَّ اجْعَلْني لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ربِّ اجعلني لك» قدَّمَ المتعلق للاهتمام والاختصاص أو لتحقيق مقام الإخلاص، «شاكرًا» أي: على النعماء والآلاء، «لك ذاكرًا» في الأوقات والآناء. مرقاة المفاتيح (5/ 1723).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«اللهُمَّ اجعلني لك شاكرًا» أي: لا لغيرك «لك ذاكرًا» أي: لا لمن سواك. بذل المجهود (6/ 244).
قوله: «لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
الرهبة: الخوف، «والمِطواع»: مِفعال من صيغ المبالغة، أي: كثير الطوع، كما يقال: مِسْقام لكثير السقم. شرح سنن أبي داود (5/ 421).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لك راهبًا» أي: خائفًا في السراء والضراء... «لك مِطْواعًا» بكسر الميم مفعال للمبالغة، أي: كثير الطوع، وهو الانقياد والطاعة، وفي رواية ابن أبي شيبة: «مطيعًا» أي: منقادًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1723).
قوله: «إليكَ مُخْبِتًا أو مُنِيبًا»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
و«المخْبِت»: الخاشع المتواضع، من الخبت، وهو المطمئن من الأرض أو المطمئن إلى ذكر ربه، الواثق به، من قوله تعالى: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} هود: 23، أي: اطمأنُّوا إلى ذكره، وسكنت نفوسهم إلى أمره، وأقيمت اللام مقام "إلى" لتفيد معنى الاختصاص، «والأوَّاه» فعّال بُني للمبالغة من أَوّه، يقال: أَوَّهَ تأويهًا وتَأَوَّهَ تأوُّهًا: إذا قال: أَوَّه، وهو صوت الحزين المتفجِّع.
والمعنى: اجعلني لك أوَّاهًا متفجّعًا على التفريط، «مُنيبًا» راجعًا إليك، تائبًا عما أقترفه من الذنوب. تحفة الأبرار (2/ 111).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«المخبت»: المتضرع والمتواضع، «الأوّاه»: الذي يكثر قول: أَوَّه، وهذا اللفظ يقوله النادم على فعل الذنوب والمقصر على الطاعة.
«المنيب»: الذي يرجع إلى الله ويلتجئ إليه، «أوّاهًا منيبًا» منصوبان معطوفان على «شاكرًا مخبتًا» وما قبله، وتقديره: اجعلني أوَّاهًا منيبًا إليك. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 246).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لك مخبتًا» من الإخبات، وهو الخشوع والتواضع، «إليك أوّاهًا» هو الذي يكثر من قول: آه، يقوله النادم من ذنب، والمقصر في طاعة، «منيبًا» أي: راجعًا إلى الله ملتجئًا إليه. شرح المصابيح (3/ 226).
قوله: «ربِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ربِّ تقبلْ توبتي» يجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها؛ فإنها لا تتخلف عن حيز القبول، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الشورى: 25، وأما قول ابن حجر: تكون نصوحًا فلا أنكثها أبدًا، فموهم أنه يلزم من النصوح عدم النكث وليس كذلك، قال تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} التحريم: 8 بفتح النون، أي: بالغة في النصح وهو في الأصل صفة التائب؛ فإنه ينصح نفسه بالتوبة وصفت به التوبة على الإسناد المجازي مبالغة..، والحاصل: أن العزم على عدم العود شرط في صحة التوبة لا عدم النكث على الصحيح؛ خلافًا لبعضهم، وأما ما ورد مرفوعًا أن التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب حتى يعود اللبن إلى الضرع؛ فمحمول على كماله، أو المراد منه: حسن خاتمته ومآله. مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «تقبل توبتي» أي: اجعلها قابلة للقبول. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (7/ 228).
قوله: «واغْسِلْ حَوْبَتي»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
الحَوْبة: الإثم، وكذا الحُوْب والحَوْب، وغسله: كناية عن إزالته بالكلية بحيث لا يبقى منه أثر. تحفة الأبرار (2/ 112).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قوله: «واغسل حوبتي»: الحوبة الزلَّة والخطيئة، والحوب: الإثم، وكذلك الحوب، وفي الحديث: أن رجلًا استأذن في الجهاد؛ فقال: «ألك حوبة؟» يعني: ما تأثم به إذا ضيعتَه، والخوبة، بالخاء المعجمة: الفقر، يقال: خاب يخوب خوبًا: إذا افتقر، وجاء في الحديث: «نعوذ بالله من الخوبة». شرح السنة (5/ 176).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واغسل حوبتي» بفتح الحاء ويضم أي: امحُ ذنبي، قيل: هي مصدر حُبْتَ أي: أثمتَ، تحوب حوبة وحوبًا وحابة والحوب بالضم، والحاب: الإثم سمي بذلك لكونه مزجورًا عنه؛ إذ الحوب في الأصل لزجر الإبل، وذكر المصدر دون الاسم وهو الحوب؛ لأن الاستبراء من فعل الذنب أبلغ منه من نفس الذنب كذا قيل، ويمكن أن يكون مراعاة للسجع، وقد جاء في التنزيل: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} النساء: 2، ثم ذكر الغسل ليفيد إزالته بالكلية والتنزه والتقصي عنه كالتنزه عن القذر الذي يستنكف عن مجاورته، وأما قول ابن حجر -أي: أزلْ آثامي بتبديلها حسنات-، فأمر خارج عن اللغة ومفهوم الحديث. مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«واغسل حوبتي» الحوبة قيل: هي الذنب، وكونها تغسل، مثل ما جاء في الحديث: «ونقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني بالماء والثلج والبَرَد». شرح سنن أبي داود (180/ 26).
قوله: «وأَجِبْ دَعْوَتي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأجب دعوتي» أي: دعائي، وأما قول ابن حجر: ذكر لأنه من فوائد قبول التوبة، فموهم أنه لا تجاب دعوة غير التائب، وليس الأمر كذلك؛ لما صح من أن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا، وفي رواية: ولو كان كافرًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «وأجب دعوتي» أي: جميع دعواتي كما أفادته الإضافة، وذكر لأنه من فوائد قبول التوبة، وذكر ابن حجر في شرح المشكاة أن دعوات التائب مستجابة بإعطائها نفسها أو ما هو أفضل منها. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (7/ 228).
قوله: «وثَبِّتْ حُجَّتي»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الحُجَّة» ما يغلب به الرجل على خصمه من الدليل على قوله، يعني: اللهم قوِّ دليلي وبرهاني على إثبات الدين. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 246).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وثبت حجتي» أي: قولي وإيماني في الدنيا، وعند جواب الملكين في القبر. شرح المصابيح (3/ 226).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وثبت حجتي» أي: على أعدائك في الدنيا والعقبى، أو ثبت قولي وتصديقي في الدنيا وعند جواب الملكين. مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«وثبت حجتي» يعني: يكون كلامه مستقيمًا، وفي الآخرة كونه يسدد ويوفق عند السؤال للجواب بالصواب. شرح سنن أبي داود (180/ 26).
قوله: «واهْدِ قَلْبي»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«واهدِ قلبي» أي: إلى طاعة الله. شرح المصابيح (3/ 226).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واهدِ قلبي» أي: إلى معرفة ربي. مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «واهدِ قلبي» أي: أوصله إلى دوام مراقبة اطلاعك عليه، ثم شهود عظمتك؛ بحيث يكون فانيًا عما سواك، راغبًا في دوام إمدادك ورضاك. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (7/ 228).
قوله: «وسَدِّدْ لِسَاني»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
وسداد اللسان: أن لا يتحرك إلا بالحق، ولا ينطق إلا بالصدق. تحفة الأبرار (2/ 112).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وسدد» أي: صوّب وقوّم «لساني» حتى لا ينطق إلا بالصدق، ولا يتكلم إلا بالحق. مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وقوله: «وسدد لساني» أي: اجعله متحرِّيًا للسداد؛ فلا أنطق إلا بالحق فأكون مصيبًا؛ كما أن مَن سدد ساعده عند رمية سهمه يكون مصيبًا غالبًا. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (7/ 228).
قوله: «واسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبي»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«واسلُلْ» أي: أخرج وانزع، «سخيمة صدري» أي: حقد صدري، والبغض الموجود في قلبي على المسلمين. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 246).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
و«سخيمة الصدر»: الضغينة، من السُّخْمَة: وهو السواد، ومنه: سُخَام القدر (أي: سواده)، وإضافتها إلى الصدر؛ لأن مبدأها القوة الغضبية التي هي إحدى شعبتي القوة الحيوانية المنبعثة من القلب الذي هو في الصدر، "سَلُّها": إخراجها، وتنقية الصدر منها، من سَلَّ السيف: إذا أخرجها من الغمد. تحفة الأبرار (2/ 112).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«واسلُلْ» أي: انزع وأخرج، «سخيمة صدري» من السخمة السوداء؛ يعني: ما ينشأ من صدري ويسكن فيه من مساوئ الأخلاق. شرح المصابيح (3/ 226).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «واسلُل» -بلامين- أي: أخرج، ومنه: حديث عائشة: «فانسللتُ من بين يديه» أي: خرجتُ بتأنٍّ وتدريج، والسخيمة -بفتح السين المهملة، وكسر الخاء المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها ميم مفتوحة وتاء تأنيث-: الحقد في النفس. شرح سنن أبي داود (5/ 422).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واسلُل» بضم اللام الأولى، أي: أخرج «سخيمة صدري» أي: غشه وغِلَّه وحقده وحسده ونحوها، مما ينشأ من الصدر، ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق، وفي رواية ابن أبي شيبة: «قلبي» بدل «صدري». مرقاة المفاتيح (5/ 1724).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: فإن قلتَ: ما الفائدة من ترك العاطف في القرائن السابقة من قوله: «ربِّ اجعلني» إلى قوله: «منيبًا»، وفي الإتيان به في القرائن اللاحقة؟
قلتُ: أما الترك فللتعداد والإحصاء؛ ليدل على أن ما كان لله غير معدود، ولا داخل تحت الضبط، فينعطف بعضها على بعض؛ ولهذا قدم الصلاة على متعلقاتها، وأما الإتيان بالعاطف فيما كان للعبد، فلِانضِباطه. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1926).