الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«‌مَن ‌ردَّ ‌عن ‌عِرضِ ‌أخيهِ ‌ردَّ ‌اللهُ عن وجهِهِ النارَ يومَ القيامَةِ».


رواه أحمد برقم: (27543)، والترمذي برقم: (1931)، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (27610)، من حديث أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها-: «مَن ذَبَّ عنْ لَحْمِ أخيهِ في الغيبةِ، كانَ حَقًّا على اللهِ أنْ يُعْتِقَهُ مِن النَّارِ».
صحيح الجامع برقم: (6262 ، 6240)، وغاية المرام برقم: (432).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«عِرْضِ»:
العِرْض: بكسر العين: موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواء كان في نفسه أو سَلَفه. فتح الباري، لابن حجر (1/ 159).
وقال ابن الأنباري -رحمه الله-:
العِرْض عند العرب: الأسلاف والآباء. الزاهر، لابن الأنباري (2/ 62).

«مَن ذَبَّ»:
أي: دَفَعَ. مرقاة المفاتيح، للقاري (8/ 3120).

«الغيبةِ»:
أنْ يُذكَرَ الإنسانُ في غَيْبَتِه بسُوء، وإنْ كان فيه، فإذا ذَكَرْتَه بما ليسَ فيه فهو البَهْت والبُهْتان. النهاية، لابن الأثير (3/ 399).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «‌مَن ‌ردَّ ‌عن ‌عِرْضِ ‌أخيهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن ‌ردَّ ‌عن ‌عرض ‌أخيه» في الدين، أي: ردَّ على من اغتابه، وشان من آذاه وعابه. فيض القدير (6/ 135).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مَن ‌ردَّ ‌عن ‌عرض ‌أخيه» أي: في الإيمان، وهو المسلم، أي: بأن يمنع من يريد اغتياب المؤمن عنها، إما قبل الوقوع بالزجر والردع عنها، وإما بعده بردِّ ما قاله عليه، وإن كان ذلك الإِنسان بخلافه، كما يأتي فيما بعد. دليل الفالحين (8/ 354).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «مَن ‌ردَّ ‌عن ‌عرض ‌أخيه» أي: إذا اغتُيْب إما بتكذيب القائل، أو يحمل ما تكلم به عنه على محمل حسن يخرج به عن كونه ذمًّا. الفتوحات الربانية (7/ 15).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مَن ردَّ عن عرض أخيه» أي: سمع شخصًا يغتاب أخاه، فردَّ عن عرضه، لكن بحق، بأنْ يقول: إن فلانًا لم يقل كذا، وإن هذا كذب عليه، وما أشبه ذلك، فإن الله تعالى يردُّ عن وجهه النار يوم القيامة؛ جزاء وفاقًا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 437).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنه ‌ينبغي ‌لمن ‌سمع ‌غيبة ‌مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو كان من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر. الأذكار (ص: 343).
وقال ابن النحاس -رحمه الله-:
التصديق بالغيبة غيبة، بل الساكت شريك المغتاب، ولا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، فإن خاف بقلبه، فإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره لزمه، فإن لم يفعل عصى، وإن قال بلسانه: اسكت وهو يشتهي ذلك بقلبه فهو نفاق، ولا يخرجه عن الإثم ما لم يكرهه بقلبه، ولا يكفيه أن يشير باليد أن اسكت، أو يشير بحاجبه أو جبينه، أو غير ذلك، فإن ذلك استخفاف للمذكور، بل ينبغي أن يعظمه، فيذبّ عنه صريحًا. تنبيه الغافلين (ص: 179).

قوله: «‌ردَّ ‌اللهُ عن وجهِهِ النارَ يومَ القيامَةِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ردَّ الله عن وجهه» أي: ذاته؛ وخصَّهُ لأن تعذيبه أنكى في الإيلام، وأشد في الهوان، «النار يوم القيامة» جزاء بما فعل؛ وذلك لأن عرض المؤمن كدَمِهِ، فمن هتك عرضه فكأنه سفك دمَهُ، ومن عمل على صَوْنِ عرضه، فكأنه صان دَمَهُ، فيُجَازَى على ذلك بصونه عن النار يوم القيامة إن كان ممن استحق دخولها، وإلا كان زيادة رفعةٍ في درجاته في الآخرة في الجنة، والعموم المستفاد من كلمة: «من» مخصوص بغير كافر وغير فاسق متجاهر كما مرَّ، وزاد الطبراني في روايته: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الروم: 47. فيض القدير (6/ 135).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ردَّ اللهُ عن وجهه النار يوم القيامة» وذلك لأنه ردَّ مُرِيْدَ الغيبة عن عذابها لو فعلها، فجُوزي بِرَدِّها عنه في الآخرة، ورَدَّ عن المغتاب ما يلقاه مما رُمِيَ به ممن اغتابه، فردَّها الله عنه. دليل الفالحين (8/ 354).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«ردَّ اللهُ عن وجهه النار يوم القيامة» المراد: أنه لا يعذبه. السراج المنير (4/ 296).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ردَّ اللهُ عن وجهه» ذاته «النار يوم القيامة» جزاءً لما فعل؛ وذلك لأن عرض المؤمن محترم كدمه، فمن هتك عرضه فقد أتى محرمًا منكرًا، فمن ردَّ عليه فقد أنكر المنكر، وصان الهاتك عن الإثم، وفيه: أنَّ من سمع ولم يردَّ لا لعذر كان آثمًا تاركًا لإنكار ما يجب إنكاره...
وسواء ردَّ عن عرضه وهو غائب، أو وهو حاضر، والأول أفضل، وهذا في الردِّ عن عرضه، وبه يُعلم أنَّ المنع عن ماله ودمه أفضل وأعظم عند الله أجرًا. التنوير (10/ 233).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ردَّ اللهُ عن وجهه النار» أي: صرف الله عن وجه الرَّادِّ نار جهنم. تحفة الأحوذي (6/ 49).
وقال تقي الدين الحصني الشافعي -رحمه الله-:
وإنْ لم يَرُدَّ غيبة أخيه، وراعى المغتاب، أو كان من عادته عدم اعتنائه بالدين، وترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذا وأمثاله قد وقعوا في شر عظيم، وتركُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يوجب غضب الله تعالى، وغضب رسوله، وهو سبب إرسال أنواع العذاب على الأمم وإهلاكهم. قمع النفوس (ص: 98).
وقال السفيري -رحمه الله-:
قال العلماء: وسامع الغيبة شريك المغتاب، فكما تحرم الغيبة يحرم استماعها، ويجب إنكارها إن لم يخف ضررًا، وإن خاف ضررًا فارق ذلك المجلس، فإن لم يقدر على المفارقة بذكر أو غيره، لا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع، فيجب على كل من سمع غيبة أخيه أن يردها؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن مَن فعل ذلك فقد فاز فوزًا عظيمًا، فقدر ورد في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من ‌رد ‌عن ‌عرض ‌أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». المجالس الوعظية (1/ 380).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فمن حضر الغيبة وجب عليه أحد أمور:
الرَّدُّ عن عرض أخيه، ولو بإخراج من اغتاب إلى حديث آخر، أو القيام عن موقف الغيبة، أو الإنكار بالقلب، أو الكراهة للقول، وقد عدَّ بعض العلماء السكوت كبيرة لورود هذا الوعيد؛ ولدخوله في وعيد من لم يُغَيِّرُ المنكر؛ ولأنه أحد المغتابين حكمًا وإن لم يكن مغتابًا لغةً وشرعًا. سبل السلام (2/ 692).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: أنَّ الإنسان إذا سمع شخصًا يغتاب آخر، فإنه يحرم عليه أن يستمع إلى ذلك، بل ينهاه عن هذا، ويحاول أن ينقله إلى حديث آخر، فإن هذا فيه أجر عظيم، كما في حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-، فإن أصرَّ هذا الذي يغتاب الناس إلا أن يبقى على غيبته، وجب عليه أن يقوم عن المكان؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} النساء: 140، فدل ذلك على أن الإنسان إذا استمع إلى المحرَّم، فهو مشارك لمن يفعل هذا المحرم، بل الواجب أن يقوم، ثم ذكر آيات متعددة في بيان الإعراض عن اللغو، واللغو: الكلام الذي لا فائدة فيه؛ فإنه من اللغو، وعباد الرحمن قال الله تعالى في وصفهم: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان: 72، يعني: سالمين منه لا يلحقهم شيء منه؛ لا يستمعون إليه، ولا يُصْغُون له. شرح رياض الصالحين (6/ 130-131).

وفي حديث أسماء: «مَن ذَبَّ عنْ لَحْمِ أخيهِ في الغيبةِ» وفي رواية: «بالغيبة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مَن ذبَّ» أي: دفع «عن لحم أخيه» كناية عن غيبته على طِبْق الآية، والمعنى: مَن دفع، أو مَن منع مغتابًا عن غيبة أخيه «بالمغيبة» أي: في زمان كون أخيه غائبًا، وهو مصدر أو اسم زمان أو مكان. مرقاة المفاتيح (8/ 3120).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«بالغيبة» أي: في غيبته عن المقام، ورَدَّ على من اغتابه كاذبًا كان أو صادقًا في ما غابه به، فإنه يجب رَدُّ الغيبة مطلقًا. التنوير (10/ 219).

قوله: «كانَ حَقًّا على اللهِ أنْ يُعْتِقَهُ مِن النَّارِ» وفي رواية: «يقيه من النار»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«حقًّا على الله» ليس على أنَّ معنى ذلك واجبٌ عليه؛ لأنَّ واجبًا يقتضي مُوجِبًا له عليه، واللهُ تعالى ليس فوقَهُ آمرٌ ولا ناهٍ يُوجبُ عليه ما يُلزمه المطالبةَ به، وإنَّما معناه: إنجازُ ما وَعَدَ به، مَن فعل ما ذُكر في الحديث؛ لأنَّ وَعدَهُ تعالى عَبدَهُ على فِعلٍ تَقدَّم إعلامُه به قبلَ فِعله، ووعدُه خبرٌ، ولا يصحُّ منه تعالى إخلافُ عبده ما وعده. شرح صحيح البخاري (10/ 451).
«كان حقًّا على الله» أي: ثابتًا عنده، أو واجبًا عليه، بمقتضى وعده، «أنْ يعتقه من النار» وهو إما في أول وهلة قبل دخولها، أو بعده قبل استيفاء العقوبة. مرقاة المفاتيح (8/ 3120).
وقال العيني -رحمه الله-:
«كان حقًّا على الله»...معناه: حق بطريق الفضل والكَرم، لا بطريق الوجوب. عمدة القاري (14/ 90).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان حقًّا على الله أنْ يقيه من النار» لأنه وقَى عرض أخيه من الذَّمِّ، والواجب على سامع الغيبة أنْ يذُبَّ عن عرض أخيه بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وعليه فراق المقام؛ لأنه مقام منكر. التنوير (10/ 219).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه دلالة على فضيلة الرَّدِّ عن عرض المسلم، وهو أيضًا واجب؛ لأنَّه من باب النَّهي عن المنكر، وقد ورد الوعيد على تركه، أخرج أبو داود وابن أبي الدُّنيا وغيرهما: «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلمًا في موضع يُنْتَهَكُ فيه حرمته، ويُنْتَقَصُ فيه من عرضه إلَّا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر امرأ مسلمًا في موضع يُنْتَقَصُ فيه من عرضه، ويُنْتَهَكُ فيه من حرمته إلَّا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته»... بل قد جاء في الحديث: «أنَّ المستمع أحد المغتابين» يعني: فعقابه عقاب المغتاب، فلا يبرئه إلَّا إنكار الغيبة، والرَّدُّ عن العرض إذا أمكن، أو تغيير المقام بالقيام منه إن أمكنه، أو الخوض في كلام آخر، فإن عجز عن التغيير وجب الإنكار بالقلب، والكراهة للقول، وقد عَدَّ بعض المحققين السكوت كبيرة، وهو حسن؛ لورود هذا الوعيد؛ ولدخوله في عموم ترك إنكار المنكر؛ ولكونه أيضًا أحد المغتابين، فما ورد من وعيد المغتاب استحقه، وإن احتمل أن تسميته مغتابًا مجاز للمشابهة مبالغة في ذلك، فلا يكون حكمه حكم المغتاب حقيقة، ولكن الأحوط التَّنزُّه؛ لئلا يكون له حكمه شرعًا، ويكون العقاب عند الله -سبحانه وتعالى- واحد -والله سبحانه وتعالى أعلم-. البدر التمام (10/ 363-364).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث: الحثُّ على الرَّدِّ عن عرض أخيك، وهذا يحتاج إلى تفصيل، فإنه إذا كان الرجل الذي جعل الناس يتحدثون به صاحب بدعة، أو صاحب فكر منحرف وذكر في المجلس فلا ترد عنه؛ لأن هذا كذب؛ إذ إن هذا المبتدع وصاحب الفكر المنحرف ليس له عِرْضٌ فيما كان يذهب إليه؛ فلا تردُّ عن عرضه، قد يكون من المستَحْسَن أن تزيد في ذلك، وأن تُبَيِّن خطأه في بدعته، أو انحرافه في منهجه.
ومن فوائد الحديث: أنَّ الرَّدَّ المحمود إذا كان بالغيب، أي: في حال غيبة أخيك، أما في حال حضوره، فإنه لا ينال هذا الثواب؛ لماذا؟ لأنه قد يرُدُّ عن عرض أخيه رياء ومِنَّةً على هذا الشخص، لكن إذا كان في غيبته دلَّ ذلك على أن الرجل كان سليمًا.
فإن قال قائل: إذا أراد شخص أن ينتهك عرض أخيك مع حضوره، فهل يجب عليك أن ترد عنه؟
نعم؛ لأن هذا من باب إعانة المسلم على من يريد إذلاله واحتقاره.
ومن فوائد الحديث: أنَّ الجزاء من جنس العمل؛ لأن هذا ‌ردَّ ‌عن ‌عرض ‌أخيه فردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة.
ومن فوائد الحديث: إثبات النار، وإثبات يوم القيامة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 437-438).


إبلاغ عن خطأ