السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«ثلاثةٌ ‌حقٌّ ‌على ‌الله ‌عونُهُم: المجاهدُ في سبيلِ اللهِ، والْمُكَاتَبُ الذي يريدُ الأداءَ، والنَّاكِحُ الذِي يرِيدُ العفافَ».


رواه أحمد برقم: (9631)، والترمذي برقم: (1655) واللفظ له، والنسائي برقم: (3120)، وابن ماجه برقم: (2518)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3050)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1308).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المُكَاتَبُ»:
هو العبد الذي كاتبه مولاه. التعريفات الفقهية، للبركتي (ص: 214).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
المكاتب هو: العبد الذي يبتاع نفسه من سيده على نجوم (جمع نجم، وهو: القَدر المعين الذي ‌يؤديه ‌المكاتب في وقت معين) معلومة. فتح القريب المجيب (6/ 474).

«الأداءَ»:
أي: أداء بدل الكتابة. شرح المصابيح، لابن الملك (3/ 542).
والأداء: إيصال الشيء على ما يجب فيه. الفروق اللغوية، للعسكري (ص: 30).
وقال الجرجاني -رحمه الله-:
الأداء: هو ‌تسليم ‌العين ‌الثابت في الذِّمَّة بالسبب الموجب. التعريفات (ص: 15).

«العَفافَ»:
بفتح العين، أي: العِفَّة عن الزنا. مرقاة المفاتيح، للقاري (5/ 2047).
والعفَّة: الكفُّ عما لا يحل. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/97).


شرح الحديث


قوله: «ثلاثةٌ ‌حقٌّ ‌على ‌اللهِ ‌عونُهُم»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ثلاثة حق على الله» إنَّما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأنَّ هذه الأمور من الأمور الشاقَّةِ التي تفدح الإنسان، وتقصم ظهره، ولولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2262).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثلاثة ‌حقٌّ ‌على ‌الله ‌عونهم» أي: ثابت عنده إعانتهم، أو واجب عليه بمقتضى وعده معاونتهم. مرقاة المفاتيح (5/ 2047).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حق على اللَّه» أي: بفضله «عونهم». لمعات التنقيح (6/ 14-15).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«‌عونهم» أي: بالنصر والتأييد. السراج المنير (1/ 187).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌حق ‌على ‌الله ‌عونهم» أي: واجب الإنجاز بوعد الله، كما أفاده في النهاية، والعون: الإعانة ... ؛ لأن كلًّا منهم مريد لأمر قد ندب الله تعالى إليه، وحثَّ على فعله، وهو الذي يعين عباده على ما أمرهم به. التنوير (2/ 252).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:
وذلك: أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف العاجل، وأطلق النفقة، وهي تنصرف إلى النفقات التي يحبها الله؛ لأن وعده بالخلف من باب الثواب الذي لا يكون إلا على ما يحبه الله.
وأما النفقات في الأمور التي لا يحبها الله: إما في المعاصي، وإما في الإسراف في المباحات: فالله لم يضمن الخلف لأهلها، بل لا تكون إلا مغرمًا.
وهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث من أفضل الأمور التي يحبها الله. بهجة قلوب الأبرار (ص: 119).

قوله: «المجاهدُ في سبيلِ اللهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«المجاهد في سبيل الله» لإعلاء كلمة الله. التيسير (1/ 474).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المجاهد بما يُيَسِّر له الجهاد من الأسباب والآلات. لمعات التنقيح (6/ 14-15).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أي: من خرج بقصد قتال الكفار لله. السراج المنير (1/ 187).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:
فالجهاد في سبيل الله: هو سنام الدين، وذَرْوَتُهُ وأعلاه، وسواء كان جهادًا بالسلاح، أو جهادًا بالعلم والحجة، فالنفقة في هذا السبيل مخلوفة، وسالكُ هذا السبيل معانٌ من الله، مُيَسَّرٌ له أمرُه. بهجة قلوب الأبرار (ص: 119).

قوله: «والمكاتب الذي يريدُ الأداءَ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«المكاتب الذي يريد الأداء» أي: أداء بدل الكتابة. شرح المصابيح (3/ 542).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«والمكاتب الذي يريد الأداء» المكاتب هو العبد الذي يبتاع نفسه من سيده على نجوم معلومة، فإذا أدَّاها إليه وحطَّ عنه السيد بعض الشيء من النجوم صار حرًّا. فتح القريب المجيب (6/ 474).
وقال الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
«المكاتب الذي يريد الأداء» والكتابة مشتقة من الكتْب، وهو: الجمع، وسمي هذا العقد كتابة؛ لأنه ينضم بعض النجوم إلى بعض، والنجوم هنا: الأوقات المختلفة؛ سُميت بذلك لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم؛ لأن القمر كل ليلة يطلع في منزلة من المنازل الثمانية والعشرين المعروفة، والكتابة أن يقول: موجب كاتبتك على كذا في نجمين فأكثر، فإذا أدَّيت فأنت حرٌّ. فتح القريب المجيب (8/ 594).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والمكاتب الذي يريد الأداء» أي: الذي نيَّتُه أن يؤدِّي ما كُوتب عليه. التيسير (1/ 474).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«والمكاتب» أي: العبد الذي كاتبه سيده على نجوم إذا أداها عتق، «الذي يريد الأداء» أي: الذي نِيَّتُهُ أن يؤدِّي للسيد ما كاتب عليه. فيض القدير (3/ 317).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والمكاتب» لمولاه على تخليص رقبته من الرِّقِّ. التنوير (2/ 252).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:
أما المكاتب: فالكتابة قد أمر الله بها في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} النور:33، أي: صلاحًا في تقويم دينهم ودنياهم؛ فالسيد مأمور بذلك، والعبد المكاتب الذي يريد الأداء، ويتعجل الحرية والتفرغ لدينه ودنياه يعينه الله، وييسر له أموره، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
وعلى السيد: أنْ يرفق بمكاتِبِهِ في تقدير الآجال التي تحل فيها نُجُوم الكتابة، ويعطيه من مال الكتابة إذا أدَّاها ربعها.
وفي قوله تعالى في حق المكاتبين: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ} النور:33، أمرٌ للسيد ولغيره من المسلمين؛ ولذلك جعل الله له نصيبًا من الزكاة في قوله: {وَفِيْ الرِّقَاْبِ} التوبة:60، وهذا من عونه تعالى.
وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما هو أعمّ من هذا، فقال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» رواه البخاري. بهجة قلوب الأبرار (ص: 119-120).

قوله: «والنَّاكِحُ الذِي يرِيدُ العَفافَ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«والناكح الذي يريد العفاف» بفتح العين، أي: الستر. شرح المصابيح (3/ 542).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «والناكح الذي يريد العفاف» والعفاف: جمع عفة، والعفة تقع على أمور؛ منها: العفة عن السؤال، ومنها: العفة في المطعم والمشرب حتى يكونا من حِلِّهِمَا، فهؤلاء الثلاثة الله عونهم، ومن كان الله عونه، فجدير أن تحصل الإعانة من ربه -سبحانه وتعالى- فوق ما يحبه ويرتجيه -والله تعالى أعلم-. فتح القريب المجيب (8/ 596).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والناكح الذي يريد العفاف» أي: المتزوج بقصد عِفَّةِ فرجه عن الزنا واللواط؛ خَصَّ الثلاثة لأنها من الأمور الشاقة، وأشقها الثالث. التيسير (1/ 474).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أصعبها (أي: هذه الثلاث المذكورة في الحديث): العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الْجِبِلِّيَّةِ المركوزة فيها، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استَعَفَّ وتداركه عون الله تعالى؛ ترقَّى إلى منزلة الملائكة، وأعلى عليين. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2262).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والناكح الذي يريد العفاف» ...، وإنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأنَّ هذه الثلاثة من الأمور الشاقة التي تُكْدِحُ الإنسان، وتقصم ظهره، لولا أنه يُعان عليها لما قام بها. فيض القدير (3/ 317).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أي: بقصد عِفَّةِ فرجه عن الزنا، أو تكثير نسله. السراج المنير (1/ 187).
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:
أما النكاح: فقد أمر الله به ورسوله، ورتَّب عليه من الفوائد شيئًا كثيرًا: عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله، وأنه من سنن المرسلين، وفيه: تحصين الفرج، وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة والأولاد؛ فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجرًا، وحسنات عند الله، سواء كانت مأكولًا أو مشروبًا أو ملبوسًا أو مستعملًا في الحوائج كلها، كله خير للعبد، وحسنات جارية، وهو أفضل من نوافل العبادات القاصرة.
وفيه: التذكر لنعم الله على العبد، والتفرُّغ لعبادته، وتعاون الزوجين على مصالح دينهما ودنياهما. بهجة قلوب الأبرار (ص: 120).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
المتزوج يريد العفاف، يعني: أنْ يقصد العفاف، فالله يعينه -سبحانه وتعالى-. فتاوى نور على الدرب (20/ 24).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (النسائي) -رحمه الله تعالى- وهو بيان فضل الروحة في سبيل الله -عز وجل-، ووجه الاستدلال منه: أنَّ مَن خرج روحة في سبيل الله تعالى من جملة المجاهدين في سبيله؛ لأن من خرج من بيته قاصدًا الجهاد فهو في سبيل الله تعالى حتى يرجع إلى بيته، سواء قصر سفره أم طال.
ومنها: فضل الناكح الذي ينكح ليَعِفَّ نفسه عن المحرمات، فإن الله تعالى يعينه على مُؤَنِ النكاح الحلال الذي يُؤدِّي غرضه، وهذا بمعنى قوله -عز وجل-: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِيْنَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النور: 32.
ومنها: فضل المكاتب الذي يسعى لأداء بدل الكتابة إلى مولاه، حيث إن الله تعالى يعينه على أداء ما عليه -والله تعالى أعلم بالصواب-. ذخيرة العقبى (26/ 157)


إبلاغ عن خطأ