«يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شَظِيَّةٍ بجبل، يُؤذِّن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله -عزَّ وجلَّ-: انظروا إلى عبدي هذا يُؤذِّن، ويُقيم الصلاة، يَخاف منِّي، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة».
رواه أبو داود برقم: (1203) واللفظ له، وأحمد برقم: (17442)، والنسائي برقم: (666)، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (8102)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (41).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شَظِيَّةٍ»:
الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل، والشظية: الفِلْقَة من العصا ونحوها، والجمع: الشظايا، وهو من التشظي: التشعب والتشقق. النهاية، لابن الأثير(2/ 476).
شرح الحديث
قوله: «يعجب ربكم»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «يعجب» أي: من حاله وفضله عند الله. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1365).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: عظم ذلك عنده وكبر لديه، أعلم الله تعالى أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده، وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون؛ ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده.
وقيل: معنى «عجب ربك»: أي: رضي وأثاب، فسمَّاه عجبًا مَجازًا، وليس بعجب في الحقيقة، والأول الوجه. النهاية (3/ 184).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا الذي قاله صاحب النهاية (وغيره) في معنى العجب هنا غير صحيح، بل العجب من الصفات التي أثبتها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة، فهي ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، كسائر الصفات التي أثبتها الله تعالى له في كتابه، أو وردت في السنة الصحيحة، من الرضى والمحبة، والضحك والنزول، والاستواء وغيرها، فكلها ثابتة له على المعنى اللائق به -سبحانه وتعالى-، ولا يلزمنا من إثباتها تشبيهه بالمخلوق؛ لأنه إنما يلزمنا ذلك لو قلنا: عجيب كعجبنا، ورضى كرضانا إلى غير ذلك، وأما إذا أثبتناها كما أثبتها لنفسه على ما يليق بجلاله، فلا يلزم شيء من التشبيه؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، فتبصر. ذخيرة العقبى (8/ 214).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «يعجب ربك» أسند العجب إلى الله تعالى، ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «عجب الله من صنعكما» الحديث، يعني: أبا طلحة، وقوله: «عجب ربكم من قُنُوطِكُم»، كلها فيها إسناد العجب إلى الله.
وقد تأوله بعضهم زاعمًا أن العجب مستحيل على الله، وليس بصواب، فإن صفات الله -عزَّ وجلَّ- لا تشبه صفات المخلوقين، بل يجب الإيمان بها وَرَدُّ علمها إلى الله، ولا يلزم من ذلك تشبيه ولا محظور؛ لأن سبيل الصفات سبيل الذات، فكما أن الإنسان يؤمن بذات الله ولا تشبهها الذوات، فكذلك صفاته لا تشبهها الصفات؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11، فالحق إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، واعتقاد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث لا في ذاته ولا في صفاته، وهذه طريقة سلف الأمة الصالح: الإيمان بالنصوص، وَرَدُّ علمها إلى الله تعالى. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1365).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وفي الحديث: إثبات صفة العجب لله -عزَّ وجلَّ-، وقد جاء ذلك في القرآن في إحدى القراءتين لقوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} الصافات:12؛ لأنه على قراءة {بَلْ عَجِبْتُ} تكون من آيات الصفات، وعلى قراءة: {بَلْ عَجِبْتَ} لا تكون آية صفة، فالعجب صفة ثابتة لله -عزَّ وجلَّ- في القرآن في إحدى القراءات المتواترة.
وكذلك -أيضًا- جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث عديدة، منها هذا الحديث عن رسول الله -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-. شرح سنن أبي داود (149/ 16).
قوله: «من راعي غنم»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «راعي غنم» لا مفهوم له (يعني: غير مقصود بذاته فلو فعل ذلك غير الراعي كان له من الفضل ما لهذا الراعي)، لكن لعله أكثر فعلًا لذلك؛ لما جُبِلَ عليه أهل الغنم في الغالب من الرقة ولزوم السكينة، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1366).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من راعي غنم» اختار العزلة من الناس، فإن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس. مرقاة المفاتيح (2/ 565).
قوله: «في رأس شَظِيَّةٍ بجبل»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الشظية» الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل، كأنها أنف الجبل. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 53).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «رأس شظية» حكاية للواقع؛ لأنه لا ينال الأجر هذا إلا من كان في مثل ذلك. التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 18).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
خصه لأنه الأغلب وإلا فالراعي في غيره مثله. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 325).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وأما قول ابن حجر (يعني: الهيتمي): ولذا آثر الشظية بالرعي فيها، والمعز برعايتها؛ لأن الأعين لا تتشوف إليها تشوفها للضأن؛ فلا دلالة للحديث عليه؛ لأن الغنم أعمُّ منهما. مرقاة المفاتيح (2/ 565).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
... لأنه يعزل عن الناس شَرَّهُ ويستغني عنهم بغنمه، وفيه دليل على شرف العزلة، وعلى عدم وجوب صلاة الجماعة. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 325).
قوله: «يُؤذِّن بالصلاة»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «يؤذن بالصلاة» أي: بوقت دخول الصلاة، وذلك لما تقدم أنه يشهد كل ما بلغ صوته من جماد وغيره والجن والإنس. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1366).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إنما لم يذكر الإقامة؛ لأنها للإعلام بقيام الصلاة، وليس أحد يصلي خلفه حتى يقيم لإعلامه. شرح المصابيح (1/ 406).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
الظاهر: أن المراد بالأذان هنا: ما يشمل الإقامة؛ بدليل ما بعده من قوله: «يؤذن ويقيم الصلاة». ذخيرة العقبى(8/ 215).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فائدة تأذينه: إعلام الجن والملائكة بدخول الوقت؛ فإن لهم صلاة أيضًا. شرح المصابيح (1/ 406).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وفي تأذينه فوائد أخر: من شهادة الأشياء على توحيده، ومتابعة سنته، والتشبه بالمسلمين في جماعتهم، وقيل: إذا أذن وأقام تصلي الملائكة معه، ويحصل له ثواب الجماعة -والله أعلم-. مرقاة المفاتيح (2/ 565).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفائدة الأذان: أنه يشهد له كل رطب ويابس، ويغفر له مدى صوته، كما جاء مصرحًا به في رواية النسائي وغيره، ولأنه إذا أذن وأقام تصلي معه الملائكة، فيحصل له ثواب الجماعة، لما رواه البيهقي عن سلمان الفارسي قال: قال النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «ما من رجل يكون بأرض قِيٍّ فيؤذن بحضرة الصلاة ويقيم الصلاة فيصلي إلا صف خلفه من الملائكة ما لا يرى قُطْرَاه -طرفاه-؛ يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون على دعائه».المنهل العذب المورود (7/ 57).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
القِيُّ -بكسر القاف، وتشديد الياء المثناة من تحت: الأرض الفلاة، وهذا يدل على أن شظية الجبل لا مفهوم لها، بل المراد كونه يرعى في الخلاء؛ لما في ذلك من الإخلاص والبعد عن الرياء. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1366).
قوله: «فيقول الله -عزَّ وجلَّ-: انظروا إلى عبدي هذا»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فيقول الله -عزَّ وجلَّ-» الفاء تحتمل السببية والعطف، أي: يقول لملائكته على سبيل التنويه بهذا العبد وفعله في الخلاء.
قوله: «انظروا إلى عبدي» ... إلخ- هذا وجه التنويه: أنه فعل هذا الفعل على حالة تدل على كمال الإخلاص، والبعد عن الرياء. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1366).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله تعالى: «فانظروا» تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجيب لمزيد التفخيم، وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلى الله تعالى، والإشارة بهذا- تعظيم على تعظيم. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 916).
قوله: «يؤذن، ويقيم الصلاة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويقيم الصلاة» نصب بنزع الخافض، أي: للصلاة تنازع فيه الفعلان (أي: يؤذن، ويقيم). مرقاة المفاتيح (2/ 565).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ويقيم الصلاة» أي: يحافظها، ويداوم عليها. شرح المصابيح (1/ 406).
قوله: «يخاف مني»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يخاف منِّي» أي: من عقابي. بذل المجهود (5/ 344).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يخاف منِّي» يعني: لا يؤذن ولا يصلي ليراه أحد؛ لأنه لم يكن أحد حاضرًا ثَمَّ، بل يفعل هذا؛ لخوف عذابي، وطمع جنتي. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 53).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا:
الأظهر: أنه جملة مستأنفة، وإن احتمل الحال، فهو كالبيان لعلة عبوديته، واعتزاله عن الناس حق اعتزال؛ لتخصيص ذكر الشظية مع المعزى دون الضأن. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 916).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يخاف منِّي» فيه فضيلة الأعمال الصالحة خوفًا من الله تعالى. شرح سنن أبي داود (6/ 128).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يخاف منِّي» يشعر بوجوب الأذان؛ إذ الخوف بترك السنة من العتاب؛ خصوصًا مثل هذه السنة التي هي من شعار الإسلام، حتى قالوا: ينبغي للإمام أن يقاتل أهل البلدة التي تركوا الأذان. لمعات التنقيح (2/ 428).
قوله: «قد غفرت لعبدي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قد غفرت لعبدي» ذنوبه، يعني: الصغائر. شرح سنن أبي داود (6/ 128).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «قد غفرت لعبدي» أي: ذنوبه، فحذف المفعول لدلالة المقام عليه. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1366).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا يدلنا على فضل هذه الأعمال في السفر، فالصلاة لا بد منها، والأذان كذلك، حيث يشرع للإنسان المسافر أن يؤذن ولو كان وحده، وهذا الأجر مركب على مجموع هذه الأمور، وكون الإنسان يؤذن ويقيم الصلاة يدل على أنه يخاف الله -عزَّ وجلَّ-، فالله تعالى يغفر له ذنوبه ويدخله الجنة؛ جزاءً على ذلك العمل الصالح الذي عمله. شرح سنن أبي داود (149/ 16).
قوله: «وأدخلته الجنة»:
قال السندي -رحمه الله-:
«أدخلته الجنة» أي: حكمت به، أو سأدخله الجنة. حاشية السندي على سنن النسائي (2/ 20).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأدخلته الجنة» فيه التعبير بالماضي عن المستقبل إذا تحقق؛ كقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ} الأعراف: 48، ونحوه. شرح سنن أبي داود (6/ 128).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فيه: دليل على استحباب الأذان للمنفرد. شرح المصابيح (1/ 407).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفيه: إشعار بأنه كان عالِمًا بالله تعالى عارفًا لجلالته، وأنه من الذين قيل فيهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28، وأن اعتزاله عن الناس إنما هو للفتنة والفرار بدينه، كاعتزال الفتية إلى الكهف قائلين: {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} الكهف: 10، وكذلك أمَّنه الله مما كان يخافه، وزاد عليه بإدخاله الجنة. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 916).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
(وفيه:) الحث على الإخلاص في العمل؛ لما يترتب على ذلك من رضاء الله تعالى، وغفر الذنوب، والتمتع بالنعيم الدائم. المنهل العذب المورود (7/ 57-58).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
الأحكام والفوائد:
والحديث فيه: دليل على استحباب الأذان في الخلاء للراعي، وكذا غيره في الخلاء إذ لا فارق.
وفيه: دليل على فضل الإخلاص في العمل، وفضل المحافظة على الصلاة، وعلى كرم الله -عزَّ وجلَّ- على هذه الأمة، وكثرة أسباب المغفرة لها، وعلى أن العبد قد يستوجب الجنة بوعد الله له بيسير من العمل.
وفيه: فضيلة الغنم واقتنائها وجواز الانفراد فيها، بل ذلك أفضل لكثير من الناس في وقت الفتنة، والأحاديث صريحة في ذلك.
وفيه: دليل على أن مشروعية الأذان لا تختص بالقرى ولا بالمساجد. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1367).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (يعني: النسائي)، وهو مشروعية الأذان لمن يصلي وحده، وإن كان لا يسمعه أحد، وفيه: ردٌّ على من قال: لا يشرع الأذان إلا لمن يصلي جماعة.
ومنها: كون الأذان سببًا لمغفرة الذنوب، وموجبًا لدخول الجنة.
ومنها: فضل العبادة في العزلة.
ومنها: فضل رعي الغنم، واعتزال أمور الناس، وهو محمول على أيام الفتن، فرارًا بدينه من الفتن -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى، باختصار (8/ 217).