الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ‌فِي ‌مَسيرٍ ‌لَهُ، ‌فَنزَلَ، ‌ونزلَ ‌رجُلٌ إلى ‌جانِبهِ، ‌فالْتَفتَ ‌إليه ‌فقال: ‌ألا ‌أُخْبركَ ‌بأفْضَل ‌القرآنِ؟ ‌قال: ‌فتلا ‌عليه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة : 2».


رواه النسائي في الكبرى برقم: (10491)، وابن حبان برقم: (774)، والحاكم برقم: (2056)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1499)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1454).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مَسِير»:
المسير: السيرُ، يريدُ به السَّفر. المفهم، للقرطبي (1/ 197).


شرح الحديث


قوله: «كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ‌فِي ‌مَسيرٍ ‌لهُ، فنزَلَ ‌ونزلَ ‌رجُلٌ إلى جَانبه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «في مسيرٍ له» أي: في سفر له. الكوكب الوهاج (9/ 202).

قوله: «‌فالْتَفتَ ‌إليه ‌فقال: ‌ألا ‌أُخْبركَ ‌بأفْضَل ‌القرآنِ؟ قال: ‌فَتلا ‌عليه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة : 2»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«أَلَا» بالتخفيف، حرف استفتاح، وُضِعَ لتنبيه المخاطَب على ما يُتكلَّم به من بعده. إرشاد الساري (9/ 7).
وقال أبو حاتم ابن حبان -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أخبرك بأفضل القرآن؟» أراد به: بأفضل القرآن لك، لا أنَّ بعض القرآن يكون أفضل من بعض؛ لأن كلام الله يستحيل أن يكون فيه تفاوت التفاضل. صحيح ابن حبان (3/ 52)
وقال ابن عبد الهادي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قال أبو حاتم: قوله: «ألا أُخبرك ‌بأفضل ‌القرآن؟» أراد به ‌بأفضل ‌القرآن لك، لا أن بعضَ القُرآن يكون أفضل من بعض؛ لأن كلام الله يستحيل أن يكون فيه تفاوت. انتهى كلامُه، وهو غير مقبول، وبطلانه يُبَيَّن في موضعٍ آخر. طبقات علماء الحديث (3/ 154).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «أفضل القرآن {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة : 2» يحتمل أنَّ المراد فاتحة الكتاب، وأنه اقتصر على أوَّلها لدلالته على بقيتها.
ويحتمل أنَّه اسم لها، وأنها مسمَّاة بهذه الجملة، إلا أنه لم يعدُّه المصنف (السيوطي) من أسمائها، مع عده لها خمسة وعشرين اسمًا.
ويحتمل أنَّ هذا اللفظ وهو {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2 أفضل القرآن، وإن كان خلاف الظاهر والمتبادر، فإنه فهم الناس أن المراد بها السورة، وعدُّوا هذا من فضائلها منهم المصنف (السيوطي) في الإتقان. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 579).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «أفضل القرآن {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة : 2» أي: أعظم القرآن أجرًا، وأكثره مضاعفةً للثواب، قراءةَ سورة {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة : 2، وهي الفاتحة، بمعنى أنَّ الله سبحانه جعل قراءتها في الثواب كقراءة أضعافها من سورة أخرى. فيض القدير (2/ 46).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
ولا يناقضه (أي حديث: أنَّ أفضل القرآن سورة البقرة) ما قبله أن الفاتحة أفضل؛ لأن المراد أنَّ البقرة أفضل السور التي فُصِّلت فيها الأحكام، وضُربت فيها الأمثال، وأُقيمت فيها الحُجج، ولم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه من ذلك. فيض القدير (2/ 46).
وقال التوربشتي -رحمه الله- مبينًا سبب أفضلية هذه السورة:
أعظم سورة اعتبارًا بعِظَم قَدْرِها وتفرُّدِها بالخاصية التي لم يشاركها فيها سورة، ثم لاشتمالها على فوائد ومعانٍ كثيرة مع قِصَرها، ووجازة ألفاظها؛ ولذلك سميت أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن؛ من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبُّد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ثم إنها فاتحة الكتابة، وفاتحة القرآن في الصلاة، وهي الشافية والوافية، وسورة الحمد، والحمد أعلى مقامات العبودية، وإلى هذا المعنى أشار بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «بيدي لواء الحمد يومَ القيامة، آدم ومَن دونه تحت لوائي»، وإنَّما يُؤتى لواء الحمد؛ لأنه أحمد الحامدين، ولا منزلة فوق ذلك، ومنه اشتق اسمهُ، وبه فتح كتابه، وبه خُتم حاله، ووُصِفَ مقامه، وهو المقام الذي لا يقوم أحد غيره. الميسر (2/ 490-491).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
لعلَّكَ تقولُ: لمَ خُصِّصَت آيةُ الكُرسي بأنها السيِّدة، والفاتحة بأنها الأَفضل، أفيه سِرٌّ أم هو بحكم الاتفاق، كما يسبق اللسان في الثَّناء على شخصٍ إلى لفظ، وفي الثناءِ على مثله إلى لفظٍ آخر؟
فأقول: هَيْهَاتَ؛ فإنَّ ذلك يليق بي وبك، وبمن ينطِقُ عن الهَوَى، لا بمن ينطِقُ عن وَحْي يُوحَى، فلا تَظُنَّنَّ أن كلمةً واحدة تصدر عنه -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- في أحواله المختلفة من الغضب والرضا إلا بالحقِّ والصدق؛ والسرُّ في هذا التخصيص: أنَّ الجامعَ بين فنون الفَضْلِ وأنواعها الكثيرة يُسمَّى فاضلًا، فالذي يجمع أنواعًا أكثر يُسمى أفضل، فإنَّ الفضل هو الزيادة، فالأفضل هو الأَزْيَد، وأما السُّؤْدَدُ فهو عبارة عن رُسوخِ معنى الشرف الذي يقتضي الاسْتِتْبَاعَ، ويأبى التبعيَّة، وإذا راجعتَ المعاني التي ذكرناها في السُّورَتَين علمتَ أنَّ الفاتحة تتضمن التنبيهَ على معانٍ كثيرة، ومعانٍ مختلفة، فكانت أفضل، وآيةُ الكُرسي تشتمل على المعرفة العُظمَى التي هي المَتبوعة والمقصودة، التي يتبعها سائر المعارف، فكان اسم السّيدة بها ألْيَق. جواهر القرآن (ص: 80-81).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تفضيل بعض سور القرآن على بعض، والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء الله الحسنى على بعض، فقال قوم: لا تفضيل لبعض على بعض؛ لأن الجميع كلام الله تعالى، وكذلك أسماء الله تعالى لا مفاضلة بينها، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم البستي، وجماعة من الفقهاء، وروى جماعة معناه عن مالك، واحتج هؤلاء بأن الأفضل يؤذِن بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وقال قوم بالتفضيل، وأن ما تضمَّنه قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} الآية البقرة: 163، و(آية الكرسي) و(آخر سورة الحشر) و(سورة الإخلاص) من الدلالات على وحدانية الله وصفاته، ليس موجودًا في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد: 1، وما كان مثلها، وهذا هو الحق، وقال بذلك إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء والمتكلمين، وهو اختيار القاضي أبي بكر ابن العربي، وابن الحصار؛ لحديث أبي سعيد بن المعلى خرّجه البخاري قال: «كنتُ أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أُجِبْهُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي كنتُ أُصلِّي، فقال: «ألم يَقُلِ اللهُ: استجيبوا للهِ وللرَّسولِ إذا دعاكم؟»، ثم قال: «لأعلمنَّك سورةً هي أعظمُ السُّوَرِ في القرآنِ قبل أن تخرجَ من المسجدِ». ثم أخذ بيدي، فلمَّا أراد أن يخرج، قلتُ له: ألم تَقُلْ: لأعلمنَّك سورةً هي أعظمُ السُّوَرِ في القرآنِ؟ قال: «الحمد لله ربِّ العالمين، وهي السبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أُوتيتُه» الحديث. فتح القريب المجيب (7/ 140).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في ذلك (تفضيل القرآن بعضه على بعض)، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر (ابن الطيب) وأبو حاتم ابن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينها، وروي معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردَّد دون غيرها، احتجوا بأن الأفضل يُشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه...
وقال قوم بالتفضيل؛ لظواهر الأحاديث، ثم اختلفوا، فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عِظَمِ الأجر، ومضاعفة الثواب، بحسب انفعالات النفس، وخشيتها وتدبُّرها وتفكرها عند ورود أوصاف العُلا، وقيل: بل يرجع لذات اللفظ، وأنَّ ما تضمنه قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} البقرة: 163، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودًا مثلًا في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد: 1، وما كان مثلها، فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق.
وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء.
وتوسَّط الشيخ عز الدين (ابن عبد السلام) فقال: كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره، فـ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: 1، أفضل من {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد: 1، وعلى ذلك بنى الغزالي كتابه المسمى بجواهر القرآن، واختاره القاضي أبو بكر ابن العربي؛ لحديث أبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري. البرهان في علوم القرآن (1/ 438-439).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
كلام الله وهو غير مخلوق، أما كونه لا يَفضُل بعضُه على بعض فهذا القول لم يُنقل عن أحد من سلف الأمَّة وأئمة السُّنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن حنبل وأمثاله، ولا عن أحد قبلهم...
ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة نصٌّ يمنع تفضيل بعضِ كلام الله على بعض، بل ولا يمنع تفاضل صفاته تعالى، بل ولا نُقل هذا النفي عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة المسلمين الذين لهم لسان صدق في الأمَّة، بحيث جُعلوا أعلامًا للسنة وأئمة للأمة.
وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض، بل تفضيل بعض صفاته على بعض: فدلالة الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والآثار السلفية كثيرة على ذلك. مجموع الفتاوى (17/ 76-77).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
قد عُلم أن تفاضل القرآن وغيره من كلام الله ليس باعتبار نسبته إلى المتكلِّم، فإنه سبحانه واحد، ولكن باعتبار معانيه التي يَتكلم بها، وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه، والذي قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فضَّل مِن السُّور سورة الفاتحة، وقال: «إنه لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها»، والأحكام الشرعية تدل على ذلك، وقد بسط الكلام على معانيها في غير هذا الموضع، وفضَّل مِن الآيات آيةَ الكرسي، وقال في الحديث الصحيح لأُبي بن كعب: «أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} البقرة: 255، فضرب بيده في صدره، وقال: ليَهْنِكَ العلم أبا المنذر»، وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذَكر الله في أول سورة الحديد، وآخر سورة الحشر عدَّة آيات لا آية واحدة. مجموع الفتاوى (17/ 129).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
ومعنى ذلك (أي: المفاضلة بين السور والآيات) يرجع إلى أشياء:
أحدها: أنْ تكون اثنان اثنان في التلاوة إلا أنَّ إحداهما منسوخة، والأخرى ناسخة، فيقال: إن الناسخة خير، أي العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم، وعلى هذا يقال: آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، خير من آيات القصص والوعود؛ لأن القصص إنَّما أريد به تأكيد الأمر والنهي، والإنذار والتبشير، ولا غناء بالناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم، وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرًا لهم، مما يجعل تبعًا لما لا بد منه.
والآخر: أنْ يُقال: إن الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى، وبيان صفاته، والدلالة على عظمته وقدسه، أفضل أو خير، بمعنى أنَّ المخبِر بها أسنى وأجل قدرًا.
والثالث: أنْ يُقال: سورة وآية خير من آية، بمعنى أنَّ القارئ يتعجل له بقراءتها الاحتراز مما يخشى بالله جل ثناؤه، ويَتَأدَّى بتلاوتها منه لله تعالى؛ لما فيها من ذكر الله تعالى بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر، ويُمْنَه وبركته، أما آيات الحِكَم فلا تقع نفس تلاوتها إقامة الحِكَم، فإنما يقع بها علم وإذكار فقط، فكان ما قدمناه قبلها أحق باسم الخير والأفضل، والله أعلم. المنهاج في شعب الإيمان (2/ 244).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ