«مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج -ثلاثًا- غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2، قال الله تعالى: حَمَدَنِيْ عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 3، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الفاتحة: 4، قال: مجَّدني عبدي -وقال مرة فوَّض إليَّ عبدي-؛ فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} الفاتحة: 6-7، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
رواه مسلم برقم: (395)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«خِدَاج»:
أي: ذات خداج، وهو النقصان. لسان العرب، لابن منظور(2/ 248).
«مجَّدني»:
أي: شرَّفني وعظَّمني. لسان العرب، لابن منظور (3/ 396).
«فوَّض»:
فوَّض إليه الأمر تفويضًا إذا ردَّه إليه، وجعله الحاكم فيه. النهاية، لابن الأثير (3/ 479).
شرح الحديث
قوله: «من صلى صلاة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من صلى» «من» شرطية، أي: إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، «صلاة» نكرة في سياق الشرط، فتعم، أي: جهرية كانت، أو سرية، فريضة، أو نافلة. البحر المحيط الثجاج (9/ 231).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «صلاة» التنكير فيه إن أُرِيْدَ به البعضية كالظهر والعصر وغيرهما كان مفعولًا به؛ لأن الصلاة حينئذٍ تكون اسمًا لتلك الهيئات المخصوصة، والفعل واقعًا عليها، وإن أريد الجنس يحتمل أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مفعولًا مطلقًا. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 996).
قوله: «لم يَقْرأ فيها بأم القرآن»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لم يَقْرأ» بالبناء للفاعل. البحر المحيط الثجاج (9/ 231).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
سُمِّيَتْ الفاتحة: «أم القرآن» لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، والتعبد بالأحكام، والترغيب والترهيب بالوعد والوعيد، وقصة الغابرين من العصاة والمطيعين. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 286).
وقال النووي -رحمه الله-:
سُمِّيَتْ أم القرآن لأنها فاتحته، كما سُمِّيَتْ مكة أم القرى لأنها أصلها. شرح صحيح مسلم (4/ 101).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وكره قوم تسميتها به (يعني: بأم القرآن)، ولا وجه لذلك مع صحة الحديث بتسمية النبي -صلى الله عليه وسلم- لها بذلك. إكمال المعلم (2/ 272-273).
قوله: «فهي خِدَاج، ثلاثًا»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الخداج: النقص والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة، وخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نِتَاجٌ فاسد. التمهيد (20/ 191).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الخداج: الناقص نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة، إذا ألقت ولدها وهو دم لم يتبين خلقه. الشافي في شرح مسند الشافعي (1/ 561).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا يوجب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاج. التمهيد (20/ 191).
قوله: «غير تمام»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «غير تمام» بالرفع عطف بيان لخداج، أو بدل منه. البحر المحيط الثجاج (9/ 233).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«غير تامِّ» قيل: تأكيد، وقيل: هو من قول المصنف، ذكره تفسيرًا للخِداج. شرح المصابيح (1/ 492).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
الأظهر: أنه ليس من كلام المصنف، بل من كلام أحد الرواة. مرقاة المفاتيح (2/ 683).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
فهو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل صلاة، لكنه محمول عند مالك ومن وافقه على الإمام والفذِّ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا قرأ فأنصتوا» رواه مسلم. شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 322).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «غير تمام» يدل على تعين الفاتحة في الصلاة، وأنها لا يجزئ غيرها، ولا يقوم مقامها قراءة غيرها من القرآن؛ لأن لفظ التمام يُسْتَعْمَلُ في الإجزاء، ويطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به، ففيه دليل على كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها. مرعاة المفاتيح (3/ 112).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
وهو بحث نفيس -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (9/ 233).
قوله: «فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: نكون في بعض الأوقات مُقتدين بالإمام، فهل علينا من حَرَجٍ إن لم نقرأ بها؟ البحر المحيط الثجاج (9/ 234).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
حمله بعض أصحابنا (يعني: المالكية) وجماعة من العلماء على ما أسر فيه الإمام، وحمله آخرون على تذكُّرِ النفس لما يقرؤه الإمام وتدَبُّرِهِ، وشغلِ سِرِّهِ بتلاوته بقلبه لذلك لا بلسانه؛ ليصح له تأمل معانيه، وحملوا قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» على الإمام والفَذِّ. إكمال المعلم (2/ 273).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا:
أما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد: تدبُّر ذلك وتذكُّره فلا يقبل؛ لأن القراءة لا تُطْلَقُ إلا على حركة اللسان، بحيث يسمع نفسه؛ ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبَّر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. شرح صحيح مسلم (4/ 103).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- ناقلًا عن بعض شيوخه:
وفي رواية أبي عوانة: «فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن؛ فغمزني بيده فقال: يا فارسي -أو ابن الفارسي-! اقرأ بها في نفسك»، وفي رواية للبخاري في جزء القراءة «قلتُ: يا أبا هريرة! كيف أصنع إذا كنت مع الإمام وهو يجهر بالقراءة؟ قال: ويلك يا فارسي! اقرأ بها في نفسك»، وكذلك في رواية للبيهقي في جزء القراءة، فظهر بهذه الروايات: أن أبا هريرة كان يُفْتِيْ بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات؛ سرية كانت أو جهرية، وفي إفتائه بهذا دلالة واضحة على أن حديثه: «من صلى صلاة لم يقرأ بأم القرآن فهي خداج» باق على عمومه، شامل للإمام والمأموم والمنفرد؛ لأن راوي الحديث أعرف بالمراد منه من غيره. مرعاة المفاتيح (3/ 113).
قوله: «اقرأ بها في نفسك»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«اقرأ بها في نفسك» أي: أخفت بها صوتك. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 287).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«في نفسك» أي: بحيث تسمع أذنك، ولا تجهر صوتك بحيث تُشَوِّش على من يقربك، ومن لم تسمع أذنه قراءة نفسه لم تصح قراءته إلا إذا كان أَصَمَّ. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 126).
وقال الباجي -رحمه الله-:
القراءة في النفس هي بتحريك اللسان بالتكلُّم، وإن لم يُسْمِعْ نفسه سِرًّا. المنتقى شرح الموطأ (1/ 157).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
ولا يجوز حمله (يعني: الحديث) على ذكرها بقلبه دون التلفظ بها لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحد، ولا يساعده لسان العرب -وبالله التوفيق-. القراءة خلف الإمام (ص: 31).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
استُدِلَّ به على وجوب القراءة على المأموم، ولا دليل فيه؛ لأنه قول أبي هريرة من غير رفع، وقوله: «فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول...» إلى آخره يدل على فضل الفاتحة دون وجوبها، إلا أن يقال: «قسمت الصلاة» من حيث إنها عامة شاملة لأفراد الصلاة كلها؛ في معنى قولنا: كل صلاة مقسومة على هذا الوجه، ويلزمه أن كل ما لا يكون مقسومًا على هذا الوجه فلا يكون صلاة، والذي يدل عليه ظاهرًا عموم صدر الحديث وخصوص قوله -عليه السلام-: «إذا كنتم خلفي لا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 287).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا:
إن الفاء في قول أبي هريرة -رضي الله عنه-: «فإني سمعت رسول الله يقول» وتقرير التثلث في الألفاظ النبوية تفسيرًا للتنصيف يكشفان الغطاء، ولا مطمع في التوقيف على مغزى الكلام إلا ببيان موقعهما.
أما الأول فلأن الفاء رَتَّبَتْ ما بعدها على ما قبلها ترتيب الدليل على المدعي؛ لأنه -رضي الله عنه- استشهد بالحديث الثاني لإثبات الكمال لمطلق الصلاة، ونفي النقصان عنه، كأنه قيل: قسمت الصلاة الكاملة نصفين، فلا يدل على نفي حقيقة الصلاة كما قال، وفيه أيضًا: إيجاب إجراء الصلاة على حقيقتها؛ لأن الكلام السابق سبق لها أصالة، والثاني تابع له، فتكون الفاء في قوله: «فإذا قال العبد» للتعقيب، والشروع في بيان كيفية التقسيم لا المقسوم به. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 997).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«في نفسك» فيه دليل على أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد. شرح سنن أبي داود (4/ 552).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفيه حجة لما ذهب إليه الشافعية من أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقًا؛ سرية كانت الصلاة أو جهرية. المنهل العذب المورود (5/ 248).
قوله: «فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإني» الفاء للتعليل، أي: إنما أمرتك بقراءتها سِرًّا؛ لأني «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» هذا استدلال من أبي هريرة -رضي الله عنه- على ما أفتى به من قراءة المأموم الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يُعْذَرُ في تركها، وانتقال من دليل إلى دليل آخر؛ تقوية للأدلة.
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أن الله -سبحانه وتعالى- سمى الفاتحة صلاة، وقسمها بينه وبين عبده نصفين؛ فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مُصَّل، فلا بد لكل مُصَّل أن يقرأها؛ إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (9/ 235).
قوله: «قسمت الصلاة»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
هذه ملاطفه من اللطيف سبحانه، فإنه ليس له شريك ولا نظير، ولكنه بفضله جعل للعبد نصيبًا في فضله، ثم قسمه معه برحمته. عارضة الأحوذي (11/ 69).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
المراد: قراءة الصلاة؛ ولهذا فسرها بالفاتحة، والمراد: أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حق الرب، والمسألة حق العبد، وليس المراد: قسمة كلماتها على السواء. جامع العلوم والحكم (2/ 633).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ونكتة الإتيان بالمجاز: أنه لو أتى بالحقيقة، وقال: قسمت الفاتحة لَتُوُهِّمَ أنه في الصلاة وغيرها، وأنه يقول الرب عند قراءتها: مجَّدني عبدي إلى آخره، والظاهر: أنه تعالى لا يقول ذلك إلا عند قراءتها في الصلاة. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 590).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وحقيقة هذه القسم منصرفة إلى المعنى لا إلى مَتْلُوِّ اللفظ، وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} الفاتحة: 5، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية وهو قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5، من قسم الدعاء والمسألة؛ ولذلك قال: «وهذه الآية بيني وبين عبدي»، ولو كان المراد به: قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الآخر يزيد على الأول زيادة بَيِّنَةً، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني كما ذكرته لك. معالم السنن (1/ 204).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى القسمة هنا: من جهة المعاني؛ لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه، وحاجته إليه، وسؤاله الله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك. إكمال المعلم (2/ 275).
وقال التوربشتي -رحمه الله- متعقبًا:
الأظهر: أن التنصيف منصرف إلى آيات السورة، وذلك أنها سبع آيات: فثلاث منها ثناء وثلاث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة، نصفها ثناء ونصفها دعاء، وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة، فأما من عَدَّ التسمية آية منها، فلا يستصوب هذا التأويل، وهو بيِّن واضح، والحديث يحكم على من خالفه.
قلتُ: يحتمل أن يقال: إن المراد من الصلاة في هذا الحديث: الدعاء، ثم بيَّن حقيقة القسمة بهذه الصورة المشتملة على طرفي الثناء والمسألة، لا يتعدَّى الدعاء عن هذين القسمين. الميسر في شرح مصابيح السنة (1/ 239).
وقال الباجي -رحمه الله-:
سماها صلاة لمعنيين:
أحدهما: أن الصلاة في كلام العرب هو الدعاء، وهذه هي الصلاة التي أمرنا بأداء الفرائض بها دون سائر ما يقع هذا الاسم عليه، وذلك أيضًا يصح من وجهين:
أحدهما: أن تكون الألف واللام للعهد، فلا يقع تحت هذه اللفظة في الحديث ما يقع عليه اسم الصلاة غير أم القرآن.
والثاني: أن تكون للجنس، ثم وقع التخصيص والبيان أن المراد بذلك: أم القرآن دون غيرها.
والمعنى الثاني: على قول من قال: إن الصلاة هي الأفعال؛ لكنه سمى أم القرآن صلاة لما كانت لا تتم إلا بها، وكلا المعنيين يدل على أن الصلاة لا تصحُّ إلا بأمِّ القرآن، كما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الحج عرفة» لما كان الحج لا يتم إلا بعرفة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 157-158).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بالصلاة هنا: الفاتحة؛ سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحج عرفة» ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة. شرح صحيح مسلم (4/ 103).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
لا نُسَلِّم أن يلزم من تسميتها صلاة وجوبها بعينها؛ لأن تسميتها بذلك باعتبار أنها تقرأ في سائر الصلوات لا باعتبار أنها فرض بعينها، ولا يلزم من قراءتها في سائر الصلوات فرضيتها كالتسمية والتحميد ونحوهما، فإن صلاة لا تخلو عن شيء من ذلك، وليس ذاك بفرض.
وقياسه على قوله: «الحج عرفة» ليس بصحيح؛ لأن معنى هذا الكلام: معظم أركان الحج: الوقوف بعرفة، وليست المعرفة بعينها عبارة عن الحج؛ لأن المعرفة لا تخلو إما أن تكون اسمًا لليوم المعهود، أو للموضع المعهود، وكل منهما ليس بحج ولا داخل في أركان الحج؛ فافهم. نخب الأفكار (4/ 86-87).
قوله: «بيني وبين عبدي نصفين»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
إضافة العبد إلى ربه لتحققه بصفات العبودية، وقيامه بحق الربوبية، وشهوده لآثارهما وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح. المنهل العذب المورود (5/ 248).
قوله: «ولعبدي ما سأل»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«ولعبدي ما سأل» أي: بعينه إن كان وقوعه معلقًا على السؤال، وإلا فمثله من رفع درجة، ودفع مضرة، ونحوهما.
وقيل: المعنى: «لعبدي ما سأل» من أحد النصفين، فهو وعد من الله تعالى بإعطاء النصف الذي للعبد.
ويحتمل: أن يكون هذا وعدًا لما وراء النصف الذي للعبد، يعني: آذن لعبدي أن يسأل ما شاء غير النصف الذي له. مرعاة المفاتيح (3/ 114).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولعبدي ما سأل» هذا وعده من الله -سبحانه وتعالى- لعبده أن يجيب دعاءه، ووعده لا يخلف {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} آل عمران: 9. البحر المحيط الثجاج (9/ 237).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولعبدي ما سأل» أي: له ما طلب إشارة إلى أنه لا حجر على العبد في أن يدعو بما أراد، فلا يتوهم أنه لا يتجاوز في الدعاء ما عني له. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 591).
قوله: «فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإذا قال العبد» هذا بيان للصلاة التي قسمها الله -عزَّ وجلَّ- بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر -صلى الله عليه وسلم- ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه؛ حضًّا للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصَّة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور. البحر المحيط الثجاج (9/ 237).
قوله: «قال الله تعالى: حمدني عبدي»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «حمدني عبدي» أي: أثنى عليَّ بما أنا أهله. المنهل العذب المورود (5/ 249).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والإخبار بذلك دليل قبوله تعالى لتحميد عبده إياه، والظاهر: أنه يقول هذا لملائكته؛ تنويهًا بشأن العبد. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 591).
قوله: «{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة: 3»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}» صفتان من صفات الله -عزَّ وجلَّ-، ولا يوصف بـ«الرحمن» غير الله تعالى، وأما «الرحيم» فجائز أن يقال: فلان رحيم، وهو أبلغ من الراحم، قاله الأزهري -رحمه الله-. البحر المحيط الثجاج (9/ 239).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}» أي: المحسن بجميع النعم؛ جليلها وصغيرها، أو مريد الإحسان بها لمستحقها، وفي الإتيان بالرحمن الرحيم عقب اتصافه برب العالمين ترغيب بعد ترهيب، وهو أَعْوَنُ للعبد على الطاعة، وأمنع من المعصية المنهل العذب المورود (5/ 249).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قيل: الرحمة رحمتان: رحمة ذاتية مطلقة امتنانية، وهي التي وَسِعَتْ كل شيء لا سبب لها ولا موجب، وليست بمقابلة شيء.
والأخرى: هي الفائضة عن الرحمة الذاتية، مقيدة بشروط موجبه لها من أعمالٍ وأحوالٍ وغيرهما، ومتعلَّق طمع إبليس هو الأول. مرعاة المفاتيح (3/ 115).
قوله: «أثنى عليَّ عبدي»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«أثنى عليَّ عبدي» الثناء: هو ذكر الخير باللسان على جهة التعظيم. مرعاة المفاتيح (3/ 114).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قال في الحمد: «حمدني عبدي» وهو لله ... حقيقة الثناء، وقال في {الرَّحْمَنِ} الفاتحة: 3: «أثنى عليَّ عبدي» لأن الثناء أعم من الحمد إذ يقتضي كرم الخلال وحسن الفعال. عارضة الأحوذي (11/ 70).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أثنى عليَّ عبدي» أي: حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي. البحر المحيط الثجاج (9/ 240).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: قوله تعالى: «حمدني عبدي» و«أثنى عليَّ» و«مجَّدني» إنما قاله لأن التحميد: الثناء بجميل الفعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله؛ ولهذا جاء جوابًا للرحمن الرحيم؛ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. شرح صحيح مسلم (4/ 104).
قوله: «{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الفاتحة: 4»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أي: يوم الجزاء بالثواب للطائعين والعقاب للعاصين، وهو يوم القيامة. المنهل العذب المورود (5/ 249).
وقال الباجي -رحمه الله-:
الدين في كلام العرب: الحساب، وقيل: الجزاء، وهذا إقرار من العباد للباري -عزَّ وجلَّ- بأنه مالك يوم الدين، وإن كان هو المنفرد بملك غيره من الأيام لمعان:
أحدها: أنه خص يوم الدين بالذكر لعظمته والثناء عليه، وذُلّ الْمُلَّاك فيه، وعجزهم عن ملك شيء منه.
والثاني: أنه اليوم الذي يكون فيه الجزاء، ويرجى الثواب، ويخشى العقاب، فيجب أن ينفرد بالعبادة من يملكه ويملك فيه النفع والضرر، وهو الله الذي لا إله إلا هو.
والثالث: أن مآل الأيام إليه، وانقطاع كل مملكة قبله، فيجب أن يفرد بالعبادة من يَبْقى ملكه دون من ينقطع ملكه، وتضمحلُّ رئاسته، وإنما قال: «مجَّدني» في هذا اللفظ وإن كان التمجيد ثناء إلا أن المجد: الشرف والعلو في كلام العرب، وفي قول العبد: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الفاتحة: 4 اختصاص بهذا المعنى.
المنتقى شرح الموطأ (1/ 158-159).
قوله: «قال: مجَّدني عبدي -»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«مجَّدني» أي: ذَكَرَني بالعظمة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 126).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مجَّدني عبدي» أي: عظَّمني، وأثنى عليَّ بصفات الجلال. البحر المحيط الثجاج (9/ 241).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: اعتقد شرفي، ونطق به، والمجد: نهاية الشرف، وهو الكثير صفات الكمال، والمجد: الكثرة. المفهم (2/ 26).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
التمجيد: هو التشريف الإخبار عن الذات بعظم ما لها من الصفات، ومن عظم أمر الله، وكلُّهُ عظيم. عارضة الأحوذي (11/ 71).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
والفرق بين «حمدني» و«أثنى عليَّ» و«مجَّدني» بيِّن؛ لأن (مجَّد) يقتضي الثناء بصفات الجلال، و(حمد) الثناء بحميد الفعال، و«أثنى» يجمع ذلك كله، وينطلق على الوجهين؛ فلهذا جاء جوابًا لقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ لاشتمال هذين الاسمين على صفاته الذاتية من الرحمة، والفعلية من الإنعام على خلقه، واختصاص اسم الرحمن به على قول أئمتنا وعمومه وصفته لا يوصف بها غيره، وهذه نهاية العظمة والجلال، والرحيم عائد برحمته على عباده وخلقه المؤمنين خاصة على قول بعضهم. إكمال المعلم (2/ 276).
قوله: «وقال مرة: فوَّض إليَّ عبدي»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: يقول هذا ويقول هذا، غير أن فوَّض أقلَّ ما يقوله، وليس شكًّا. المفهم (2/ 27).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فوَّض إليَّ عبدي» أي: سلَّم أموره إليَّ. البحر المحيط الثجاج (9/ 241).
وقال النووي -رحمه الله-:
وجه مطابقة هذا (يعني: «فوض إليَّ عبدي») لقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم، و{الدِّينِ}: الحساب، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحد ذلك اليوم، ولا مجاز، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مَجَازي، ويدَّعِيْ بعضُهُم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه: وإلا فالله -سبحانه وتعالى- هو المالك، والملك على الحقيقة للدارين وما فيهما ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له عبدٌ مسخَّرٌ. شرح صحيح مسلم (4/ 104).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد ما لا يخفى، ومن تفويض أمور الدنيا والآخرة إليه ما هو الحق الذي لا مِرْيَة فيه. إكمال المعلم (2/ 276).
قوله: «{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي: نخصك بالعبادة. عون المعبود (3/ 29).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قدم المعمول (يعني: {إِيَّاكَ} الفاتحة: 5) للاختصاص والحصر. مرعاة المفاتيح (3/ 114).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}» أي: نخضع، ونتذلَّلُ لك. البحر المحيط الثجاج (9/ 242).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}» أي: نخصُّك بالاستعانة على العبادة وغيرها. مرعاة المفاتيح (3/ 114).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«{نَسْتَعِينُ}» أي: نطلب العون على الأمور منك. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 126).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الاستعانة: طلب العون منه، وهو القدرة على الطاعة، وذلك كله نهاية شرف العبد. عارضة الأحوذي (11/ 71).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في هذه الآية: التفات من الغيبة إلى الخطاب، ووجه حُسْنِهِ فيها: أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تجديدًا لنشاط السامع، وكان أكثر إيقاظًا للإصغاء إليه. البحر المحيط الثجاج (9/ 243).
قوله: «قال: هذا بيني وبين عبدي»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«هذه بيني وبين عبدي» لأن العبادة لله تعالى، والاستعانة من الله. عون المعبود (3/ 29).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قدم تعالى نفسه في البينية فقال أولًا: «بيني» لأنه الواجب الوجود لنفسه، وإنما استفاد العبد الوجود منه. فيض القدير (4/ 475).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما قال الله تعالى هنا: «هذا بيني وبين عبدي» لأنها تضمَّنت تذَلُّلَ العبد لله، وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمَّن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طلب منه. المفهم (2/ 27).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إنما كانت بين الله -عز وجل- وبين عبده؛ لأن بعضها تعظيم لله تعالى، وهو: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، وبعضها استعانة للعبد بربه -عزَّ وجلَّ- على أموره، وهو: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. البحر المحيط الثجاج (9/ 243).
قوله: «ولعبدي ما سأل»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولعبدي ما سأل» هذا وعد من الله تعالى لعبده أن يعطيه ما سأله من العون على أموره. البحر المحيط الثجاج (9/ 243).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولعبدي ما سأل» هذا يرشد إلى سرعة إجابته تعالى. شرح المصابيح (1/ 494).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولعبدي ما سأل» فيه إشارة إلى أن الصلاة محل الدعاء بكل ما يراد من خير الدنيا والآخرة، من حقير الأشياء وعظيمها. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 592).
قوله: «{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الفاتحة: 7»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: {اهْدِنَا}: ثبِّتنا. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 127).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}» أي: دُلَّنا على الدين الحق الذي لا اعوجاج فيه، وأصل الصراط: الطريق الحسي، ثم أريد به هنا: دين الإسلام. المنهل العذب المورود (5/ 250).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وسؤال الهداية يكون على قسمين: سؤال ابتداء خلقها، وسؤال استدامتها والثبوت لمن حصلت له عليها، والتفطن لوجه التفضيل في تحصيل معانيها على العموم والشمول في جميع الاعتقادات والأقوال والأفعال. عارضة الأحوذي (11/ 72).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}» يعني به: كل فعل وقول ونية ترضاه. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 127).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}» هي السُّبُيل الموصلة إليه سبحانه، وهو ما عليه من الكتاب والسنه دليل، وليس للبدعة عليه سلطان ولا سبيل، وهو ما شرعه سبحانه، وما كان عليه السلف منا. عارضة الأحوذي (11/ 72).
قوله: «{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} الفاتحة:7»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}» مُفَسِّر للصراط المستقيم، وهو بدل منه بدل الشيء من الشيء، ويجوز أن يكون عطف بيان. ذخيرة العقبى (11/ 486).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: وثبِّتنا على طريق أنبيائك وأوليائك وسيرتهم دون اليهود والنصارى، بل أبعدنا عن أفعالهم وأقوالهم. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 127).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
معناه: أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يُهْدَى إلى الطريق، ثم يقطع به -والله أعلم-. ذخيرة العقبى(11/ 486).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي: بالهداية. المنهل العذب المورود (5/ 250).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
النعمة: هي كل معنى يخلقه الله للعبد ليس فيه تبعة على وجه بيانه هناك. عارضة الأحوذي (11/ 72).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«{عَلَيْهِمْ}» يعني بهم: الأنبياء والأولياء. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 127).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
هم الأولياء والأصفياء الذين لم يقطعهم عن الله قاطع، ولا صدَّهم عنه مانع، قاموا بحق مولاهم، وأخلصوا النية فيما قاموا به، فلم يُضَيِّعوا أمرًا، ولا ارتكبوا نهيًا، ولا ضيعوا أدبًا. عارضة الأحوذي (11/ 72).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
هم جميع المؤمنين، وقيل: هم المذكورون في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء: 69، وقيل: هم الأنبياء خاصة. المنهل العذب المورود (5/ 250).
قوله: «{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} الفاتحة:7»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}» يعني بهم: اليهود. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 127).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «{الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}» أتى باسم المفعول، ولم يقل: غير الذين غضب عليهم؛ تعليمًا لعباده الأدب، حيث أسند لنفسه الخير، وأبهم في الشر. المنهل العذب المورود (5/ 250).
قوله: «{وَلَا الضَّالِّينَ} الفاتحة:7»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«{وَلَا الضَّالِّينَ}»، أي: وغير الضالين، يعني بهم: النصارى. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 127).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «{وَلَا الضَّالِّينَ}» أي: وغير العادلين عن الصراط المستقيم. المنهل العذب المورود (5/ 250).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
كل من جَارَ (يعني: مال) عن طريق الله في توحيده وعبادته فهو مغضوب عليه ضالٌّ، وخصَّ هؤلاء لأنهم كانوا أقرب إلى الهداية بما كان عندهم من الوحي والدلالة، ولكنهم سبق عليهم الكتاب، وسُدَّت دونهم الأبواب، فوقع السؤال بالعصمة عن حالهم والمجانبة لأفعالهم. عارضة الأحوذي (11/ 73).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
خصَّ اليهود بالغضب؛ لأنه تعالى غضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير، والنصارى بالضالين؛ لأنه تعالى وصفهم بأنهم ضلوا وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 592).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قدم المغضوب عليهم على الضالين مع أن الضلال في بادئ النظر سبب للغضب؛ لتقدم زمن المغضوب عليهم الذين هم اليهود على زمن الضالين الذين هم النصارى، أو لأن اليهود أشد في الكفر والعناد، وأعظم في الخبث والفساد، وأشد عداوة للذين آمنوا، وأيضًا فإن اليهود كفروا بنبينا محمد وعيسى -عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام- بخلاف النصارى، فإنهم كفروا بمحمد وآمنوا بعيسى. المنهل العذب المورود (5/ 250).
قوله: «قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
هذا كله إذا قال حاضر القلب بالنية الخالصة، وإلا لم يكلمه الباري وهو معرض عنه، ولا أجابه، وهو غير حاضر القلب معه، فإن المناجاة والمناداة لغير نية لغو. عارضة الأحوذي (11/ 74).
وقال ابن العربي -رحمه الله- أيضًا:
اختلف العلماء في قراءة المأموم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يقرأ إذا أسر، ولا يقرأ إذا جهر، وهو المذهب (يعني: مذهب المالكية).
القول الثاني: يقرأ في الحالتين (يعني: حال الإسرار والجهر للإمام).
القول الثالث: لا يقرأ في الحالتين.
قال بالقول الأول: مالك وابن القاسم.
وقال بالقول الثاني: الشافعي وغيره، ولكنه قال: إذا جهر الإمام قرأ هو في سكتاته.
وقال بالقول الثالث: ابن حبيب، وأشهب، وابن عبد الحكم. المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 379).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: وجوب قراءة الفاتحة، وأنها متعينة لا يجزي غيرها إلا لعاجز عنها، وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- وطائفة قليلة: لا تجب الفاتحة؛ بل الواجب آية من القرآن؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأ ما تيسر»، ودليل الجمهور قوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن» فإن قالوا: المراد: لا صلاة كاملة، قلنا: هذا خلاف ظاهر اللفظ، ومما يؤيده: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» رواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه بإسناد صحيح، وكذا رواه أبو حاتم بن حبان، وأما حديث: «اقرأ ما تيسَّرَ» فمحمول على الفاتحة، فإنها متيسِّرة أو على ما زاد على الفاتحة بعدها، أو على من عجز عن الفاتحة. شرح صحيح مسلم (4/ 102-103).
وقال العيني -رحمه الله- بعد ذكره للأحاديث الدالة على وجوب قراءتها:
وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية الفاتحة؛ لأنه فسر في الحديث بقوله: «غير تمام»، وهذا يدل على أن الصلاة بدونها صحيحة، ولكنها ناقصة؛ لأن معنى قوله: «غير تمام» ناقصة، ونحن نقول أيضًا: إذا ترك الفاتحة تكون صلاته ناقصة. شرح أبي داود (3/ 492).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة (يعني: الأحناف)، وقال: هي وغيرها سواء، وإن قوله: «خداج» يدل على جواز الصلاة؛ لأنه نقصان، والصلاة الناقصة جائزة.
وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاة قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أُمِرَ على حسب حكمها، ومن ادَّعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل، ولا سبيل إليه من وجه يلزم -والله أعلم-. الاستذكار (1/ 449).
وقال الخطابي -يرحمه الله-:
وقد يستدل بهذا الحديث من لا يرى التسمية آية من فاتحة الكتاب، وقالوا: لو كانت آية منها لذكرت كما ذكر سائر الآي، فلما بدأ بالحمد لله دل أنه أول آية منها، وأن لا حظ للتسمية فيها.
وقد اختلف الناس في ذلك فقال قوم: هي آية من فاتحة الكتاب، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن المبارك، والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبي عبيد.
وقال آخرون: ليست التسمية من فاتحة الكتاب، روي ذاك عن عبد الله بن المغفل، وإليه ذهب أصحاب الرأي، وهو قول مالك والأوزاعي. معالم السنن (1/ 204-205).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وهو (يعني: حديث الباب) أقطع حديث في ترك: بسم الله الرحمن الرحيم -والله أعلم-؛ لأن غيره من الأحاديث قد تأولوا فيها فأكثروا فيها التشغيب والمنازعة. التمهيد (2/ 230).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة من وجهين:
أحدهما: أنه ابتدأ بقوله: «الحمد» ولو كانت البسملة منه لبدأ بها.
والثاني: أنه قسمها نصفين، فجعل نصفها ثناء ونصفها دعاء، ولو كانت البسملة منها كانت آيات الثناء أربعًا ونصفًا، وآيات الدعاء اثنتين ونصفًا. كشف المشكل (3/ 583).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة:
أحدها: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة؛ هذا حقيقة اللفظ.
والثاني: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة.
والثالث: معناه: فإذا انتهى العبد في قراءته إلى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2. شرح صحيح مسلم (4/ 103).
وقال الشوكاني -رحمه الله- معلقًا:
لا يخفى أن هذه الأجوبة منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو متعسف. نيل الأوطار (2/ 241).
وقال الشوكاني -رحمه الله- أيضًا:
وأما الاستدلال بهذا الحديث على ترك الجهر في الصلاة بالبسملة فليس بصحيح. نيل الأوطار (2/ 241).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أن مسألة الجهر ليست مبنيَّة على مسألة إثبات البسملة؛ لأن جماعة ممن يرى الإسرار بها لا يعتقدونها قرآنًا؛ بل يرونها من سننه كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا، وإنما أسَرُّوا بها، وجهر أولئك لما ترجَّح عند كل فريق من الأخبار والآثار. المجموع (3/ 342).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وهذا الحديث: يدل على تعيين الفاتحة، فإن الصلاة الناقصة باطلة. كشف المشكل (3/ 583).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أن الله يستمع لقراءة المصلي حيث كان مناجيًا له، ويردُّ عليه جواب ما يناجيه به كلمة كلمة. فتح الباري (7/ 102).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا حديث شريف فيه إبانة فضل الفاتحة، وكرم الرب تعالى. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 592).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: فوائد هذا الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (يعني: النسائي) -رحمه الله-، وهو ترك قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب، وهذا كما تقدَّم من الأمور الواسعة التي وسع الشرع فيها.
وقد بوب المصنف (يعني: النسائي) -رحمه الله- ثلاثة أبواب: باب للقراءة بها جهرًا، وباب لترك الجهر بها، وباب لترك قراءتها أصلًا، فبيَّن أن كل ذلك جائز؛ لصحة الأدلة بذلك.
ومنها: وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا.
ومنها: عظم شأن الفاتحة حتى سماها الله تعالى صلاة.
ومنها: بيان عناية الله تعالى بعبده؛ حيث مدحه بسبب حمده، وثنائه، وتمجيده، ووعَدَهُ أن يعطيه ما سأله -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى (11/ 491-492).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
قد تلخَّص مما تقدَّم من أقوال هؤلاء الأئمة من النظر في أدلة الفريقين: أن الأرجح الإسرار بالبسملة؛ لقوَّة أدلته، وأما أحاديث الجهر فصريحها غير صحيح، وصحيحها غير صريح، فلا تُعارَضُ بها الأحاديث الصحيحة الصريحة، لكن مجموعها يفيد قوة، فتصلح للاحتجاج بها؛ لتحمل على بعض الأوقات، وبهذا تجتمع الأدلة.
وخلاصة ذلك: أن الإسرار بالبسملة هو الأولى، ولكن يستحسن الجهر بها أحيانًا -والله تعالى أعلم بالصواب-. ذخيرة العقبى (11/ 507).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)