«أفضلُ الصَّلاةِ طولُ القُنُوتِ».
رواه مسلم برقم: (756)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«القُنُوت»:
القُنوتُ: يَرِد بمعانٍ مُتعدِّدةٍ؛ كالطاعةِ والخُشوع والصلاةِ، والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت، فيُصرف في كُل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه.النهاية، لابن الأثير (4/ 111).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أصل القنوت: الطاعة، والمراد به ها هنا القيام. كشف المشكل(3/ 76).
شرح الحديث
قوله: «أفضل الصلاة طُولُ القُنُوت»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«طول القنوت» المراد به في هذا الحديث: القيام، والمعاني كلها متداخلة فيه؛ لأنه قيام في صلاة، وإقامة على طاعة، وعبادة تشتمل على إخلاص ودعاء وخشوع وقيام بذلك، وسكوت عن الكلام، واعتراف بالعبودية قولًا وفعلًا. إكمال المعلم (3/ 107).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
تتبَّعْتُ موارد القنوت فوجدتها عشرة: الطاعة والعبادة ودوام الطاعة والصلاة والقيام، وطول القيام، والدعاء والخشوع والسكوت، وترك الالتفات، وكلها محتملة، أُولاها: السكوت والخشوع والقيام، وأحدها في هذا الحديث القيام، وهو في النافلة بالليل أفضل، والسجود والركوع بالنهار أفضل. عارضة الأحوذي (2/152).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «طولُ القنوتِ» (القنوت): تطويلُ القيام في الصلاة، وتقدير هذا الحديث: أفضلُ الصلاة صلاةٌ فيها طولُ القنوت، أي: طول القيام والقراءة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 112).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أفضل الصلاة طول القنوت» أي: ذات طول القيام، يعني: أفضلُ الصلاةِ صلاةٌ فيها طولُ القيام والقراءة، استدل به أبو حنيفة والشافعي على أن طولَ القيام أفضلُ من كثرة السجود، ليلًا كان أو نهارًا، وذهب بعضهم إلى أن الأفضلَ في النهار كثرةُ السجود. شرح المصابيح (1/ 475).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذه المسألة (هل الأفضل تطويل السجود أو القيام في الصلاة؟) ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود أفضل حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود: ابن عمر -رضي الله عنهما-.
والمذهب الثاني: مذهب الشافعي -رضي الله عنه- وجماعة أن تطويل القيام أفضل؛ لحديث جابر في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضل الصلاة طول القنوت»، والمراد بالقنوت القيام؛ ولأن ذكر القيام القراءة، وذكر السجود التسبيح، والقراءة أفضل؛ لأن المنقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يطوِّل القيام أكثر من تطويل السجود.
والمذهب الثالث: أنهما سواء، وتوقف أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- في المسألة، ولم يقضِ فيها بشيء، وقال إسحاق بن راهويه: أمَّا في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزأه، ويربح كثرة الركوع والسجود. شرح مسلم (4/ 200-201).
وقال الترمذي -رحمه الله- مُعلِّقًا على تفصيل إسحاق:
وإنَّما قال إسحاق هذا؛ لأنه كذا وصف صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالليل، ووصف طول القيام، وأما بالنهار فلم يوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل. سنن الترمذي (2/ 233).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قوله: «أفضل الصلاة طُول القنوت» يتناول التطويل في القيام والسجود، وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عمار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن طول صلاة الرَّجل، وقِصَر خُطبته، مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِهِ؛ فأَطِيْلُوا الصلاة، وأَقْصِروا الخطبة»، وقال: «مَن أَمَّ الناس فليخفِّف، فإذا صلى لنفسه فليطوِّل ما شاء»، وأحاديث تفضيل السجود قد بينَّا أنها لا تُنافي ذلك، ومعلوم أنَّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأيضًا فإنه لما صلى الكسوف كان يمكنه أن يصلي عشر ركعات، أو عشرين ركعة، يُكثر فيها قيامها وسجودها، فلم يفعل؛ بل صلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، وجعل في كل ركعة قيامين وركوعين، وعلى هذا فكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام الذي ليس فيه تطويل الركوع والسجود، وأما إذا أطال القيام والركوع والسجود، فهذا أفضل من إطالة القيام فقط، وأفضل من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك. مجموع الفتاوى (23/ 81).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«طول القنوت» أي: تطويل القيام أفضل من تطويل غيره من الأركان، والمراد بالقنوت القيام، أي: أفضلها وأولاها بالتطويل القيام؛ لأن الشغل فيه القراءة، والقرآن أفضل من الأذكار. الكوكب الوهاج (10/ 8).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء: هل الأفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام؟ فأمَّا الإمام أحمد فإنه قال: قد رُوي في هذا حديثان، ولم يقض فيه بشيء، يشير إلى حديث جابر في طول القيام، وإلى ما سيأتي من حديث ربيعة عن كعب أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- مرافقته في الجنة، فقال له: «أَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود»، وقال إسحاق بن راهويه: أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، وهذا هو الصحيح؛ لأنه لم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الليل إلا طول القيام، ولم ينقل عنه في صلاة النهار طول قيام، والسر في ذلك: أن القيام إنما يراد للقراءة، والقراءة تُراد للتفكر، والقلب يخلو في الليل عن الشواغل، فيحصل المقصود من التلاوة، بخلاف النهار. كشف المشكل (3/ 76).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بالقنوت هنا: القيام باتفاق العلماء فيما علمت، وفيه دليل للشافعي ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود. شرح صحيح مسلم (6/ 35).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
والدليل على أن القيام يسمى قنوتًا: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ سُئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» يعني: طول القيام، لا خلاف نعلمه عند أحد في ذلك. الاستذكار (5/ 409).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
أي: القيام، وهو حُجة على مَن خالف ذلك، ودليل واضح أن الأفضل من الصلوات ما أَطَلْتَ فيه القراءة، ولا يكون ذلك إلا بالجمع بين السور الكثيرة في ركعة، وقد فعل ذلك الصحابة والتابعون. التوضيح (7/ 109).
وقال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-:
ويحتمل أنْ يُراد بالقنوت في حديث جابر: الخشوع، وذهب كثير من الصحابة وغيرهم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل؛ ولمسلم من حديث ثوبان: «أفضل الأعمال كثرة السجود»، والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. فتح الباري (3/ 19).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «طول القنوت» أي: ذات طول القنوت، وقد فسروا القنوت في هذا الحديث بالقيام، وهذا الحديث لا ينافي حديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»؛ لجواز أن تكون تلك الأقربية في حال السجود بملاحظة استجابة الدعاء، كما يقتضيه «فأكثروا الدعاء» وهو لا ينافي أفضلية القيام، والله أعلم. كفاية الحاجة (1/ 434).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ولهذا لما تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره: كان الصحيح أنهما سواء، القيام فيه أفضل الأذكار، والسجود أفضل الأعمال، فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتدلة، يجعل الأركان قريبًا من السواء، وإذا أطال القيام طولًا كثيرًا، كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف، أطال معه الركوع والسجود، وإذا اقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود، وأمّ الكتاب، كما أنها القراءة الواجبة، فهي أفضل سورة في القرآن. مجموع الفتاوى (14/ 6).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قلتُ: والمراد هنا: القيام منها؛ ولهذا ذهبت طائفة إلى أفضلية القيام، واستدلت على أنه أفضل من السجود بهذا الحديث وغيره، وقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة: 238؛ ولأن ذكره أفضل الذكر، وهو القرآن، فالتفضيل عندهم هنا حقيقي، والصلاة هنا أعم من الفرض والنفل المطوَّل فيها القيام على الفرض يفضل الفرض من حيثية طول القيام، ولا ينافيه كون تلك أفضل منها من جهات عديدة غير هذا، وذهبت طائفة إلى أن السجود أفضل، مستدلين بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وبحديث: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحطَّ عنه خطيئة»، وبأن أول سورة نزلت ختمها الله بالسجود، وبأن الساجد أذل ما يكون لربه وأخضع، وهذا هو سر العبودية: الذل والخضوع، وعلى كلامهم فالتفضيل إضافي، ولما رأت طائفة تعارض الأدلة مالت إلى التفصيل، وقالت: القيام بالليل أفضل، وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل، واحتجت على هذا التفصيل بأن صلاة الليل قد خُصت بالقيام، كما قال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ} المزمل: 2؛ ولذا يقال: قيام الليل، ولا يقال: قيام النهار، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، وهكذا كان فعله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي الركعة في بعض الليالي بالبقرة وآل عمران والنساء، وأما بالنهار فلم يُحفظ عنه شيء من ذلك. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 569).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قال العراقي (زين الدين الأب): الظاهر أنَّ أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تُشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف. نيل الأوطار (3/ 92).
وقال الشوكاني -رحمه الله- أيضًا:
الحديث يدل على أنَّ القيام أفضل من السجود والركوع وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي، وهو الظاهر، ولا يعارض حديث الباب وما في معناه الأحاديث المتقدمة في فضل السجود؛ لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام. نيل الأوطار (3/ 92).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا الذي رجحه الشوكاني -رحمه الله تعالى- من كون طول القيام أفضل من كثرة السجود هو الراجح عندي؛ لظاهر نصَّ «أفضلُ الصلاة طولُ القنوت»؛ ولأن صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- موصوفة بطول القيام لا بكثرة السجود، فقد صح عنه أنَّه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة، ويقرأ في ركعة بـالبقرة وآل عمران والنساء، ومن المعلوم أنَّه لا يختار إلا الأفضل، فاتفق فعله مع قوله في ذلك، فكان هو الأفضلَ، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (14/ 10).
وقال العيني -رحمه الله-:
التطويل في الصلاة مرغَّب فيه...، إلا أنه قد استثنى من ذلك مواضع استحب الشارع فيها التخفيف: منها: ركعتا الفجر؛ لما ذكرنا، ومنها: تحية المسجد إذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب؛ ليتفرغ لسماع الخطبة، وهذه مختلف فيها، ومنها: استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين؛ وذلك للتَّعجيل بحل عُقَد الشيطان، فإن العقدة الثالثة تنحل بصلاة ركعتين، فلذلك أمر به، وأما فعله -صلى الله عليه وسلم- ذلك فللتشريع ليُقتدى به، وإلا فهو معصوم محفوظ من الشيطان، وأما تخفيف الإمام فقد علَّله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «فإن وراءه السقيم والضعيف وذا الحاجة» والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمآب. عمدة القاري (7/ 231).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على فضل تطويل القيام في صلاة الليل؛ لأنه محل قراءة القرآن؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يطول القيام في الليل أكثر من تطويل السجود. تطريز رياض الصالحين (ص: 666).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ومنه (أي: هذا الحديث) ومن كونه -صلى الله عليه وسلم- كان يطول القيام أكثر من غيره كالركوع والسجود، ومن كون ذكره القرآن وهو أفضل من ذكرهما، أخذ أئمتنا: أنَّ إطالة القيام أفضل، قالوا: والأفضل بعده إطالة السجود، ثم الركوع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، وخرج منه تطويل القيام؛ للخبر والمعنى السابقين. فتح الإله (3/329).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
يُستحب تطويل القيام في الصلاة؛ لهذا الحديث.
وفيه: تفضيل التطويل على التقصير. الأزهار مخطوط لوح (140).