السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في جَنَازةٍ، فأخذَ شيئًا فجعلَ يَنْكُتُ به الأرضَ، فقال: ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِبَ مقعَدُهُ من النارِ ومقعَدُهُ من الجنةِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، أفلا نَتَّكِلُ على كتابِنا، وندعُ العملَ؟ قال: اعملوا، ‌فكلٌّ ‌ميسَّرٌ ‌لما ‌خُلِقَ ‌له، أمَّا مَن كانَ مِن أهلِ السعادةِ، فيُيَسَّرُ لعملِ أهلِ السعادةِ، وأما مَن كانَ من أهلِ الشقاءِ، فيُيَسَّرُ لعملِ أهلِ الشقاوةِ، ثم قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الليل: 6 الآية».


رواه البخاري برقم: (4949) واللفظ له، ومسلم برقم: (2647) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«جَنَازَةٍ»:
الجنازة، بالفتح، الميت، والجِنازة، بالكسر: السَّرير الذي يُحمل عليه الميت. لسان العرب (5/ 324)

«يَنْكُتُ»:
نَكْتُ الأرض بالقضيب وهو أنْ يُؤَثِّرَ فيها بطرفه، فعل المفكر المهموم. النهاية، لابن الأثير(5/ 113).

«مقعَدُهُ»:
المِقْعد: موضع القعود، كالمسكن: موضع السكنى. كشف المشكل (1/ 192).

«نتَّكِلُ»:
اتَّكَلَ على فلان في أمرهِ إذا اعتمدهُ و وَكَلَهُ إلى نفسه. مختار الصحاح، للرازي(ص: 740).


شرح الحديث


قوله: «كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في جَنازةٍ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«كان في جَنازةٍ» لم يُسَمَّ صاحبُها. إرشاد الساري (7/ 421).
قال القسطلاني -رحمه الله- أيضًا:
زاد في الجنائز: «في بقيع الغَرْقَد» (مقبرة المدينة). إرشاد الساري (10/ 469).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: جواز القعود عند القبور، والتحدث عندها بالعلم والمواعظ. شرح صحيح البخاري (3/ 348).

قوله: «فأخذَ شيئًا فجعلَ يَنْكُتُ به الأرضَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
في رواية منصور: «ومعه مِخصرة» بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الصاد المهملة، هي: عصا، أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لما يريد، وسُمِّيت بذلك لأنها تُحمَل تحت الخِصْر غالبًا؛ للاتكاء عليها، وفي اللغة: اختصر الرجل إذا أمسك المخْصرة. فتح الباري (11/ 496).
وقال الطيبي –رحمه الله-:
«ينكت به» أي: يؤَثِّر بطرف العود الأرض، فِعلَ المُفَكِّر المهموم. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1380).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ينْكُتُ» من النكت، وهو: أنْ يضرب في الأرض بقضيب يُؤثِّر فيها، ويقال: النَّكْتُ: قرعك الأرض بعود، أو بأصبع يُؤثِّر فيها. عمدة القاري (8/ 188).

قوله: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِبَ مقعَدُهُ من النارِ، ومقعَدُهُ من الجنةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌ما ‌منكم» أيها الناس «من أحدٍ إلا وقد كُتب» بالبناء للمفعول، أي: إلا وقد كَتَبَ اللهُ سبحانه «مقعده» أي: منزلته «من الجنة» إنْ كان من أهل الجنة «ومقعده» الواو بمعنى: (أو) التنويعية، أو على بابها، «من النار» إنْ كان من أهلها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 295).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ما ‌منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِبَ مقعدُهُ من الجنة ومقعدُهُ من النار»، موضع قعوده منهما كناية عن كونه من أهل الجنة، أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسطة بينهما لا يمكن أنْ تجري على ظاهرها، فإنَّ (ما) النافية و(من) الاستغراقية يقتضيان أنْ يكون لكل أحد مقعد من النار ومقعد من الجنة، فيجب أنْ يُقال: إنَّ الواو بمعنى: (أو)، وقد ورد بلفظ: «أو» من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن الأعمش. إرشاد الساري (7/ 421).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «وما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار»، وفي حديث صحيح: «أنَّ لكل رجل مقعدين، مقعد من الجنة، ومقعد من النار» قلتُ: وعندي أنَّ هذين متقابلان، فمقعده من الجنة فوق السماوات، ومقعده من جهنم تحتها، حذاء مقعده من الجنة، فهذان على نقطتين متقابلتين، لو وصل بينهما خط لاتصل، أما كون إحداهما فوق السماوات والأخرى تحتها، فعلى ما مرّ من أنَّ الجنة فوق السماوات، وأن جهنم تحتها، فمَن أعطى وصدق بالحسنى، يرتقي إلى منزلة من الجنة، ومَن بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، يسقط في جهنم، بخط يحاذي منزلته تلك -والعياذ بالله-. فيض الباري (5/ 451).

قوله: «قالوا: يا رسول الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالوا» أي: قال الحاضرون...، والقائلون هم: علي كما في رواية البخاري، وسُراقة، كما في رواية مسلم، وعمر بن الخطاب، كما في رواية الترمذي، وأبو بكر الصديق، كما عند أحمد والبزار والطبري، أو رجل من الأنصار، وجُمِعَ بين هذه الروايات بتعدُّد السائلين. الكوكب الوهاج (24/ 528).

قوله: «أفلا نَتَّكِلُ على كتابِنا، وندعُ العملَ؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
الفاء معقِّبة لشيء محذوف، تقديره: أَفإِذا كان كذلك أفلا نَتَّكِلُ؟ ...، «أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا، وندع العمل» أي: نعتمد على ما قُدِّر علينا. فتح الباري (11/ 497).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«أفلا نَتَّكِلُ» أفلا نعتمد على ما كُتِبَ لنا في الأزل، ونترك العمل؟ يعني: إذا سبق القضاء لكل واحد منا بالجنة أو النار، فأي فائدة في السعي؟! فإنه لا يَرُدُّ قضاء الله وقدره. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 538).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
«قالوا: ألا نَتَّكِلُ؟» أي: ندع العمل اعتمادًا على ما كُتِبَ لنا وقُدِّر، فإننا لا بد صائرين إليه، فلا يكون في العمل تغيير لما كُتِبَ، وهذا الإشكال يعرض لكثير من الناس، وقد أزاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «اعملوا فكُلٌّ ميسر». شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 635).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل، فإنا سنصير إلى ما قُدِّر علينا؟ وحاصل الجواب: لا مشقة؛ لأنَّ كل أحد ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، وهو يسير على مَن يسَّرَهُ الله. فتح الباري (11/ 497).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: معنى قولهم: «أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل»، مطالبة منهم بموجب أمر تحته تعطيل العبودية؛ وذلك أن إخباره -صلى الله عليه وسلم- إياهم عن سبق الكتاب بسعادة السعيد، وشقاوة الشقي: إخبار ‌عن ‌غيب علم الله فيهم، وهو حجته عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، ويتكلوا على الكتاب السابق، فأعلمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ ها هنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن، هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، هو السمة اللازمة في حق العبودية، وإنَّما هو أمارة مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدة حقيقة العلم به، ويشبه أن يكونوا -والله أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتعبدوا بهذا النوع من التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية، فيستكملوا بذلك صفة الإيمان، وبيَّن لهم أنَّ كلًّا ميسر لما خُلق له، وأنَّ عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل...
وهذه الأمور إنما هي في حكم الظاهر من أحوال العباد، ومن وراء ذلك علم الله فيهم، وهو الحكيم الخبير {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} الأنبياء: 23، فإذا طلبت لهذا الشأن نظيرًا من العلم يجمع لك هذين المعنيين، فاطلبه في باب أمر الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، وأمر الأجل المضروب في العمر مع التعالج بالطب، فإنك تجد المغيب منهما علة موجبة، والظاهر البادي سببًا مخيلًا، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أنَّ الظاهر منهما لا يترك للباطن. أعلام الحديث (1/ 720- 721).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
حاصل هذا السؤال: أنَّه إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف، ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شُبَهِ النافين للقدر، وقد أجابهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بما لا يبقى معه إشكال، فقال: «اعملوا فكل مُيَسَّرٌ لما خلق له ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الليل: 5-6 الآيات»، ووجه الانفصال: أنَّ الله تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثال أمره، وغيَّب عنا المقادير لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته وعزِّه، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} الأنبياء: 23، لا يبقى معها لقائل مقول، وقهر {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} الأنبياء: 23، يخضع له المتكبرون، وقد بيَّنَّا فيما تقدم أنَّ مورد التكليف فعل الاختيار، وأنَّ ذلك ليس مناقضًا لما سبقت به الأقدار. المفهم (6/ 658).

قوله: «قال: اعملوا، ‌فكلٌّ ‌ميسَّرٌ ‌لما ‌خُلِقَ ‌له»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال» -عليه الصلاة والسلام-: «اعملوا، فكلٌّ مُيسّر» أي: مهيأ «لما خُلق له». إرشاد الساري (7/ 421).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يريد: أنَّه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر به قبل وقت وجوده وكونه، إلا أنَّ الواجب عليك ها هنا أنْ تعلم فرق ما بين الميسر والمسخر، فتفهَّم. شأن الدعاء (1/ 11).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
«كلٌّ ميسر لما خُلق له» وهذه الجملة جزيلة المعنى، فليُمْعِن النظر فيها، وحاصل الجواب: أنَّ الإنسان مختار في عالم الشهادة، ومجبور بالنظر إلى عالم الغيب الذي تحقق بالأدلة السمعية، وإلا فنحن مختارون في العالم المشهود قطعًا، ولا خبر لنا بعالم غيره، فافعلوا الخير وامتنعوا عن الشر في موطن الاختيار، فإن المسبوق بالخير لا يأتي منه الشر والمسبوق بالشر لا يأتي منه الخير أصلًا، ولا ييسر للسعيد إلا الأعمال الصالحة، وللشقي إلا الأعمال الطالحة، فقولكم: «أفلا ندع العمل؟» في غير محله، فإنكم إنْ سبق لكم الخير لا ييسر لكم إلا هو، فإياه تعملون، وكذا إن قدر لكم الشر لا ييسر لكم إلا هو، ففيه تقتحمون. فيض الباري (3/ 74).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«اعملوا، فكل ‌مُيسر ‌لما ‌خُلق ‌له» ولم يقل: فكل مجبرٌ على ما خُلق له، وإنَّما أراد لما خُلق له من عمله للخير أو للشر، وقيل: إنَّما أراد بقوله: «لما خُلق له» الإنسان من جنة أو نار، فقد أخبر أنه مُيَسَّر لأعمالها، ومختار لا مجبر؛ لأنَّ الجبر لا يكون باختيار، وإنَّما هو بإكراه. شرح صحيح البخاري (10/ 300).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «اعملوا، فكل ميسر لما خُلق له» فيه دليل على إبطال قول أهل الجبر؛ لأن التيسير غير الجبر، واليُسرى: العمل بالطاعة، والعسرى: العمل بالمعصية...، فإنْ قال قائل: فما معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اعملوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له» إنْ كان الأمر كما وصف من أنَّ الذي سبق لأهل السعادة والشقاء لم يضطر واحدًا من الفريقين إلى الذي كان يعمل ويمهِّدُ لنفسه في الدنيا، ولم يجبره على ذلك؟ قيل: هو أنَّ كل فريق من هذين مُسَهَّل له العمل الذي اختاره لنفسه، مُزَيَّن ذلك له، كما قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات: 7 الآية، وأما أهل الشقاء، فإنه زين لهم سوء أعمالهم لإيثارهم لها على الهدى، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} النمل: 4، وكما قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} فاطر: 8، وهذا يصحح ما قلناه من أنَّ علم الله النافذ في خلقه بما هم به عاملون، وكتابه الذي كتبه قبل خلقه إياهم بأعمالهم لم يضطر أحدًا منهم إلى عمله ذلك؛ بل هو أنَّ المضطر إلى الشيء لا شك أنه مكره عليه، لا محب له؛ بل هو له كاره، ومنه هارب، والكافر يقاتل دون كفره أهل الإيمان، والفاسق يناصب دون فسقه الأبرار؛ محاماة من هذا عن كفره الذي اختاره على الإيمان، وإيثارًا من هذا لفسقه على الطاعة، وكذلك المؤمن يبذل مهجته دون إيمانه، ويؤثر العناء والنصب دون ملاذِّه وشهواته حبًّا لما هو له مختار من طاعة ربه على معاصيه، وأنى يكون مضطرًا إلى ما يعمله مَن كانت هذه صفاته؟ فبان أنَّ معنى قوله: «اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له» هو أنَّ كل فريْقَيِ السعادة والشقاوة مسهَّل له العمل الذي اختاره، مُزَيَّنٌ ذلك له. شرح صحيح البخاري (10/ 303-305).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
حاصل الجواب: أنَّ القَدر غير معلوم، والأعمال هي العلامة عليه، والله تعالى جعلها طريقًا إلى نيل ما قدَّره من جنَّة أو نار، فلا بد من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسر ذلك المشي ويسهل لكلٍّ في طريقه. منة المنعم (4/ 215).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وهو من ‌الأسلوب ‌الحكيم، منعهم -صلى الله عليه وسلم- عن الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه، وهو عبوديته عاجلًا، وتفويض الأمر إليه آجلًا، يعني: أنتم عبيد، ولا بد لكم من العبودية، فعليكم بما أُمرتم به، وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 538).

قوله: «أما مَن كان من أهلِ السَّعادةِ فيُيَسَّرُ لعملِ أهلِ السعادةِ»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«أما مَن كان» أي: في علم الله أو كتابه، أو آخر أمره، وخاتمة عمله «من أهل السعادة» أي: الإيمان في الدنيا، والجنة في العقبى. تحفة الأحوذي (6/ 283).
وقال الشيخ عبد الرزاق البدر -حفظه الله-:
«أما مَن كان ‌مِن ‌أهل ‌السعادة، ‌فييسر لعمل أهل السعادة» أي: مَن كتب الله له السعادة فيما قدَّره وقضاه وكتبه في اللوح المحفوظ، فإنَّه سبحانه ييسر له العمل بعمل أهل السعادة، وسلوك سبيلهم. تذكرة المؤتسي (ص:248).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فبيَّن -صلى الله عليه وسلم- أنَّ السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة، وكذلك الشقي، وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل، وتهيئة أسبابه، وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد، فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي إلى السعادة أو الشقاوة، ولو شاء لفعله بلا عمل، بل هو فاعله، فإنه ينشئ للجنة خلقًا لما يبقى فيها من الفضل. مجموع الفتاوى (8/ 398).

قوله: «وأما مَن كان من أهلِ الشقاءِ، فيُيَسَّرُ لعملِ أهلِ الشقاوةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وأما من كان من أهل الشقاوة» وهو ضد السعادة، وفي المصابيح بلفظ: «الشقوة» بكسر الشين، وهو مصدر بمعنى: الشقاوة؛ «فسييسر لعمل الشقاوة» أي: أهلها من الكفرة، والفجرة. مرقاة المفاتيح (1/ 157).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
«اعملوا فكل ميسر» أي: ميسر لما خُلق له من الجنة أو النار، فإنْ كان العبد خُلِقَ للجنة والسعادة، فسوف يهيئ الله له من أسباب السعادة، وييسرها له ويسهلها عليه، حتى يتمكن من العمل الذي يكون سببًا لذلك، وإن كان من أهل الشقاء، فلا بد أنْ يقيَّض له من الأسباب ما يتمكَّن به من العمل للشقاء.
فالله تعالى لا يظلم أحدًا، وقد حرم الظلم على نفسه تعالى، وجعله بين عباده محرمًا، ولكن لكمال قُدرته خلق العبد فاعلًا مختارًا، فإما أن يختار طريق الهدى، أو طريق الردى، وكل واحد من الفريقين يجد نفسه غير مدفوع إلى ذلك، بل يفعله عن رغبة منه واختيار، ولو حيل بينه وبين ما يريده لربما قاتل مَن يحاول أنْ يصده عن مراده، والله تعالى ييسر للعبد من العمل ما يستحق به ما كُتب عليه وقُدِّر، قبل أنْ يُخلق. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 635-636).

قوله: «ثم قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الليل: 6 الآية»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} أي: الفضل من ماله، (قال) ابن عباس: حق الله تعالى، (وقال) الحسن: الصدق من قلبه، {وَاتَّقَى} أي: ربه، (قال) ابن عباس وقتادة: محارمه، (وقال) مجاهد: البخل، {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي: الكلمة الحسنى؛ وهي التوحيد، (قال) الضحاك: بموعود الله، (وقال) قتادة: بالصلاة والزكاة والصوم. المفهم (6/ 658).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الليل: 5، أيَّد بالآية الكريمة مقالته، فإن الحديث شرح لما تضمنته الآية، هذا وليُعلم أنَّ هذه مسألة القدر التي لا يجوز الخوض فيها لأحد من الأنبياء والرسل، فعليك العمل لمولاك سواء منعك أو أعطاك. الكوثر الجاري (3/ 371).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحاديث وغيرها بما دلَّ عليه القرآن أيضًا من أن الله -سبحانه وتعالى- تقدَّم علمه وكتابه وقضاؤه بما سيصير إليه العباد من السعادة والشقاوة، كما تقدَّم علمه وكتابه بغير ذلك من أحوال العباد وغيرهم. مجموع الفتاوى (8/ 274).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: فهذا الحديث إذا تأملتَه أصبتَ منه الشفاء فيما يتخالجك ‌من ‌أمر ‌القَدَر؛ وذلك أن السائل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقائل له: «أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل» لم يترك شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التجويز والتعديل إلا وقد طالب به، وسأل عنه، فأعلمه -صلى الله عليه وسلم- أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه أمر لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عقلت معانيها، وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل ليكون أمارة في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمَن تيسر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومَن تيسر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك، وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر، وليست بموجبات، فإنَّ الله سبحانه طوى علم الغيب عن خلقه، وحجبهم عن دركه، كما أخفى أمر الساعة فلا يعلم أحد متى أيان قيامها. معالم السنن (4/ 318-319).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معقبًا:
وقال غيره: ‌وجه ‌الانفصال ‌عن ‌شبهة القدرية: أنَّ الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيّب عنَّا المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، فمَن عدل عنه ضل وتاه؛ لأن القدر سر من أسرار الله، لا يطلع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، كشف لهم عنه حينئذٍ، وفي أحاديث هذا الباب: أنَّ أفعال العباد وإن صدرت عنهم لكنها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدرية صريحًا -والله أعلم-. فتح الباري (11/ 498).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ الأرزاق والآجال قد سبق ما قسم الله -عز وجل- منها، وأن أهل النار قد سبق في علم الله -عز وجل- ذكرهم، ومقاعدهم منها.
وفيه من الفقه: أنَّ هذا الخبر لا ينبغي أن يؤثر في ترك العمل، بل في زيادته، ويؤثر في ترك الإدلال بالطاعة؛ ألا ترى إلى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له»؟!
وقد روي عن أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- أنه لما روي الحديث الذي فيه: «يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة...» قال: هذا أشد الحديث، أو أشد الأحاديث بعثًا على العمل، أو كما قال، والغرض أنَّ هذا الحديث ليس يقتضي تقتير العمل، بل يقتضي الحذر من الإعجاب، كما أنه لا يقتضي التتابع في المعاصي، بل يقتضي أن لا يقنط فاعلها من رحمة الله إن كثرت ذنوبه...
وفيه أيضًا: جواز نكت الأرض بشيء يكون في يد المتكلم استراحة في القول، وتتميمًا للكلام. الإفصاح (1/ 257).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدُّنيا، كمَن اشتهر له لسان صدق وعكسه؛ لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر. فتح الباري (11/ 498).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الحديث أصل لأهل السُّنَّة في أنَّ السعادة والشقاء خَلْق لله، بخلاف قول القدرية الذين يقولون: إنَّ الشر ليس بخلق لله، وفيه رد على أهل الجبر؛ لأن المجبر لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر، ألا ترى قول الرسول: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما استكرهوا عليه» والتيسير هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه. شرح صحيح البخاري (3/ 349).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قد تضمَّن هذا الحديثُ الرَّدَّ على القَدرية والجبرية، وإثباتَ القَدرِ والشَّرع، وإثباتَ الكتابِ الأول المتضمِّنِ لعلمِ اللهِ -سبحانه- الأشياءَ قبل كونِها، وإثباتَ خَلْقِ الفعلِ الجزائيِّ، وهو يُبطِلُ أُصولَ القَدرية الذين يمنعون خَلْقَ الفعلِ مُطلقًا، ومَن أقرَّ منهم بخَلْقِ فعلِ الجزاءِ دون الابتداءِ هَدَمَ أصلَه، ونقَضَ قاعدتَه. والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أخبر بمِثلِ ما أخبَرَ به الربُّ تعالى، أنَّ العبدَ مُيسَّرٌ لِما خُلِقَ له، لا مَجبورٌ؛ فالجَبر لفظٌ بِدْعِيٌّ، والتَّيسيرُ لفظ القُرآنِ والسُّنَّةِ.
وفي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ الصحابةَ كانوا أعلمَ الناسِ بأُصولِ الدِّين؛ فإنهم تلقَّوها عن أعلمِ الخَلقِ باللهِ على الإطلاق...
وفي الحديثِ استِدلالُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- على مسائلِ أُصولِ الدِّين بالقُرآن، وإرشادُهُ الصَّحابةَ لاستِنباطِها منه...
وفي الحديثِ بيانٌ أنَّ مِن الناسِ مَن خُلِقَ للسَّعادة، ومِنهُم مَن خُلِقَ للشَّقاوة، خلافًا لِمَن زَعَمَ أنهم كُلُّهم خُلِقوا للسَّعادة، ولكنِ اختاروا الشَّقاوة، ولم يُخْلَقوا لها.
وفيه إثباتُ الأسبابِ، وأنَّ العبدَ مُيسَّرٌ للأسبابِ المُوصِلةِ له إلى ما خُلِقَ له.
وفيه دليلٌ على اشتقاقِ السُّنَّةِ من الكِتاب، ومُطابقتِها له...
ولوِ اتَّكلَ العبدُ على القَدَر، ولم يعملْ، لتعطَّلتِ الشَّرائع، وتَعطَّلتْ مصالحُ العالم، وفَسدَ أمرُ الدُّنيا والدِّين. التبيان في أقسام القرآن (ص: 36)

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ