«إذا قمتم إلى الصَّلاةِ فلا تَسْبِقُوا قارئَكُم في الرُّكوعِ والسُّجودِ والقيامِ، ولكن لِيَسْبِقَكُم تُدرِكون ما سُبِقْتُم به في ذلك، إذا كانَ هوَ يرفعُ رأسَهُ في الرُّكوعِ والسُّجودِ والقيامِ قبلَكُم، فتدركوا ما فاتَكُم بهِ حينئِذٍ».
رواه الطبراني في الكبير برقم: (7036) واللفظ له، والبزار في مسنده برقم: (4615) من حديث سَمُرَة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (743)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1393).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لا تَسْبِقُوا»:
السَّين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدلُّ على التَّقديم. مقاييس اللغة، ابن فارس (3/ 129).
قال الراغب -رحمه الله-:
أصل السَّبق: التَّقدُّم في السير. المفردات (ص: 395).
«فاتَكُم»:
فاتكم: سبقكم. مجمع بحار الأنوار، الفتني (3/ 634).
شرح الحديث
قوله: «إذا قمتم إلى الصلاة»:
قال الزمخشري -رحمه الله-:
عبَّر عن الأداء بالإقامة؛ لأنَّ القيام بعض أركانها، كما عبَّر عنه بالقنوت، والقنوت: القيام، وبالرُّكوع وبالسُّجود، وقالوا: سبَّح، إذا صلَّى لوجود التَّسبيح فيها {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} الصافات: 143، والصلاة: فعلة من صلَّى، كالزكاة من زكَّى، وكتابتها بالواو على لفظ المفخم، وحقيقة صلَّى: حُرِّك الصَّلوين؛ لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده. الكشاف (1/ 40)
وقال الشهاب الخفاجي -رحمه الله-:
عبَّر بالقيام؛ لأنه ركن يشتمل على أشرف الأركان، وهو قراءة القرآن. عناية القاضي وكفاية الراضي (1/ 221).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن القيام في صلاة الفريضة فرض واجب على كل صحيح قادر عليه، لا يجزئه غير ذلك إن كان منفردًا أو إمامًا. التمهيد (4/ 125).
قوله: «فلا تسبقوا قارئَكُم في الرُّكوعِ والسُّجودِ والقيامِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المسابقة (للإمام) هي أنْ يصل المأموم إلى الرُّكن قبل أنْ يصل إليه الإمام، مثل أن يركع قبل ركوع الإمام، أو يسجد قبل سجود الإمام، أو يرفع من الرُّكوع قبل رفع الإمام، أو يرفع من السُّجود قبل رفع الإمام، وهذا الذي يسبق الإمام قد عرض نفسه للعقوبة التي حذَّر منها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي «أن يُحوِّل الله رأسه رأس حمار، أو يُحوِّل صورته صورة حمار»، وظاهر الحديث أنه حسًّا، يعني: أنْ يكون رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (12/ 404).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
نهى عن مسابقة المأموم إمامه، وأنَّ حقيقة الإمامة: التَّقدُّم والسَّبق، وأنْ يكون متَّبَعًا، والمأموم مُتَّبِع له في جميع الصَّلاة. إكمال المعلم (2/ 338).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وخصَّ الرُّكوع والسُّجود دون غيرهما (وكذا القيام) لأنهما آكد أركان الصَّلاة، وهما محلُّ القرب...، ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صلِّيتَ، ولا بإمامك اقتديت. وعن ابن عمر نحوه، وأمره بالإعادة، والجمهور على عدم الإعادة، وقال أحمد: مَنْ سبق الإمام عالمًا بتحريمه ليس له صلاة...، ولو كانت له صلاة لرجي له الثَّواب، ولم يُخشَ العقاب. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (6/ 523).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المسابقة في جميع أجزاء الصلاة محرَّمة. البحر المحيط الثجاج (10/ 198).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
واستُدلَّ بالأحاديث المذكورة (في النهي عن المسابقة) على جواز المقارنة، ورُدَّ بأنها دلَّت بمنطوقها على منع المسابقة، وبمفهومها على طلب المتابعة، وأمَّا المقارنة فمسكوت عنها. نيل الأوطار (3/ 172).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وشروطها (أي: القُدوة) المتابعة قصدًا وفعلًا وموقفًا. الوسيط في المذهب (2/ 230).
قال ابن بطال -رحمه الله-:
وإذا لم يتقدَّمه الإمام بالتَّكبير والسلام، فلا يصِحُّ الائتمام به؛ لأنه محال أن يدخل المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه، ولا يدخل فيها الإمام إلا بالتَّكبير، والإمام اشتقَّ من التَّقدُّم، والمأموم من الاتِّباع، فوجب أن يتبع فعل المأموم بعد إمامه. شرح صحيح البخاري (2/ 311).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن الائتمام واجب على كُلِّ مأموم بإمامه في ظاهر أفعاله، وأنه لا يجوز له خلافه لغير عذر. التمهيد (4/ 124).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
قال الحسن بن حيٍّ: لا ينبغي لأحد صلَّى مع الإمام أن يسبق الإمام في ركوع ولا سجود، فإن فعل فأدركه الإمام راكعًا أو ساجدًا ثم رفع الإمام ورفع برفعه من الرُّكوع والسُّجود، ووافقه في ذلك أجزأه، وإن ركع أو سجد قبل الإمام ثم رفع من ركوعه أو سجوده قبل أن يركع الإمام أو يسجد لم يعتد بذلك، ولم يجزه.
وقال أكثر الفقهاء: مَنْ فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد صلاته؛ لأن الأصل في صلاة الجماعة والائتمام فيها سُنَّة حسنة، فمن خالفها بعد أن أدَّى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه إعادتها، وإن أسقط بعض سُننها؛ لأنه لو شاء أن ينفرد قبل إمامه تلك الصَّلاة أجزأت عنه، وبئس ما فعل في تركه الجماعة.
قالوا: ومن دخل في صلاة الإمام فركع بركوعه وسجد بسجوده، ولم يركع في ركعة وإمامه في أخرى فقد اقتدى به، وإن كان يرفع قبله، ويخفض قبله؛ لأنه يركع بركوعه، ويسجد بسجوده ويرفع برفعه، وهو في ذلك مُتَّبِع له إلَّا أنه مسيء في ذلك، بخلاف سُنَّة المأموم المجتمع عليها. الاستذكار (1/ 496- 497).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أمَّا التَّقدُّم على الإمام في الخفض في الرُّكوع والسُّجود فقيل: يلتحق به (الاعتدال والجلوس بين السجدتين) من باب الأَوْلَى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والرُّكوع والسُّجود من المقاصد، وإذا دلَّ الدَّليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأَوْلَى أن يجب فيما هو مقصد، ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرَّفع من الرُّكوع والسُّجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النَّقص في المقاصد أشدُّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزَّجر عن الخفض والرَّفع قبل الإمام في حديث آخر أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعًا: «الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنَّما ناصيته بيد شيطان»، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. فتح الباري (3/ 29).
وقال المازري -رحمه الله-:
المأموم حكمه أن يتابع إمامه، ويقتدي به في أفعاله؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما جعل الإِمام ليؤتم به». والائتمام يقتضي أن تكون أفعال المأموم بعد أفعال الإِمام، إذ السَّابق له غير مؤتم به، وقد قال -عليه السلام-: «أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالرُّكوع ولا بالقيام ولا بالانصراف»، وكذلك فاعل الفعل مع إمامه معًا، لا تحصل له حقيقة الائتمام؛ لأن الفعلين إذا وجدا في زمن واحد فليس أحدهما بأن يقال فيه: هو تبع للآخر أولى من الآخر بأن يقال ذلك فيه، فأما مسابقة الإِمام فلا شكَّ في منعها. شرح التلقين (1/ 766).
وقال المازري -رحمه الله- أيضًا:
وأمَّا المسابقة في الأقوال فإن الأقوال على قسمين: فضائل وفرائض:
فأمَّا الفضائل فإنه ينهى عن تقدُّم الإِمام فيها، فإن تقدُّمَه فيها لم تفسد الصَّلاة؛ لأن تركها مما لا يفسد الصَّلاة، ففعلها قبل الإِمام كالتَّرك لها.
وأمَّا الفرائض كالإحرام والسَّلام فإن تقدَّم الإِمام في أحدهما عمدًا لم يُعتدَّ بصلاته، وإن تقدَّمه سهوًا لم يُعتدَّ بها في الإحرام؛ لأنه عقد صلاته غير مؤتمٍّ، واعتدَّ بها في السَّلام، وحمله عنه الإِمام كما يحمل عنه سهو الكلام. شرح التلقين (1/ 769).
قال الباجي -رحمه الله-:
يقتضي أن تكون أفعال المأموم كُلِّها بعد أفعال الإمام، وهو معنى الائتمام به، والاقتداء بفعله، ولا خلاف أن ذلك من سُنَّتِه، والصَّلاة على ضربين: أفعال وأقوال، وأفعالها على قسمين:
قسم مقصود في نفسه.
وقسم هو فضل لغيره.
فأمَّا المقصود في نفسه كالقيام والرُّكوع والسُّجود فلا يخلو أن يفعله المأموم بعد فعل الإمام أو معه أو قبله، فإن فعله بعده فإن ذلك على وجهين:
أحدهما: أن يتبع الإمام في الدُّخول فيه والخروج عنه، ويدركه فيه فهذه سُنَّة الصَّلاة وحكمها، وهو معنى قوله: «فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا».
وأمَّا الوجه الثاني: بأن يدخل في الفعل بعد خروج الإمام عنه، فإن تعمدَّه ممنوع. المنتقى شرح الموطأ (1/ 238).
وقال النووي -رحمه الله-:
وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير والقيام والقعود والرُّكوع والسُّجود، وأنه يفعلها بعد المأموم، فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام منها، فإن شرع فيها قبل فراغ الإمام منها لم تنعقد صلاته، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع وقبل رفعه منه، فإن قارنه أو سبقه فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته، وكذا السُّجود ويسلِّم بعد فراغ الإمام من السَّلام، فإن سلَّم قبله بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة، ففيه خلاف مشهور. وإن سلَّم معه لا قبله ولا بعده فقد أساء، ولا تبطل صلاته على الصحيح. وقيل: تبطل. شرح صحيح مسلم (4/ 132).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ولَمْ يُفرِّقْ أكثرهم بين أن يرفع قبله عمدًا أو سهوًا، وهذا على أصل الحنفية ظاهر؛ لأنهم يرون أن لا تبطل الصَّلاة بزيادة ركوع أو سجود عمدًا، وأمَّا أصحاب الشافعي وأحمد فعندهم تبطل الصَّلاة بذلك عمدًا.
وقال بعض متأخريهم: إنه إن رفع قبل الإمام عمدًا لم يَعُدْ إلى متابعته فيما رفع عنه من ركوع أو سجود؛ لأنه يكون قد تعمَّد زيادة ركن عمدًا فتبطل صلاته بذلك.
والصَّحيح: ما أطلقه الأئمة وأكثر أصحابهم؛ فإن عوده إلى المتابعة قطع لِمَا فعله من القيام والقعود الذي سبق به الإمام، وعود إلى متابعة الإمام، وليس عوده إتمامًا للرُّكوع ولا للسُّجود الذي سبق به، بل هو إبطال له، فلا يصير بذلك متعمِّدًا لزيادة ركن تامٍّ. وبكُلِّ حال؛ فإذا تعمَّد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا.
وقيل: إن البطلان ظاهر كلام أحمد، وروي عن ابن عمر، وأكثر العلماء على أنها لا تبطل، ويعتدُّ له بها إذا اجتمع مع إمامه فيما بعد، ولو كان سبق الإمام سهوًا حتى أدركه. فتح الباري (6/ 142).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أمَّا مسابقة الإمام فحرام باتِّفاق الأئمَّة، لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنَّهي عن ذلك... وهذا لأن المؤتمَّ مُتَّبِع للإمام مقتد به، والتَّابع المقتدي لا يتقدَّم على متبوعه وقدوته...، روي عن عمر: «أنه رأى رجلًا يسابق الإمام فضربه، وقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت». وإذا سبق الإمام سهوًا لم تبطل صلاته، لكن يتخلَّف عنه بقدر ما سبق به الإمام، كما أمر بذلك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن صلاة المأموم مقدَّرة بصلاة الإمام، وما فعله قبل الإمام سهوًا، لا يبطل صلاته؛ لأنه زاد في الصَّلاة ما هو من جنسها سهوًا، فكان كما لو زاد ركوعًا أو سجودًا سهوًا؛ وذلك لا يبطل بالسُّنَّة والإجماع، ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يعتدُّ به على الصَّحيح؛ لأنه فعله في غير محلِّه؛ لأن ما قبل فعل الإمام ليس وقتًا لفعل المأموم، فصار بمنزلة مَنْ صلَّى قبل الوقت، أو بمنزلة من كبَّر قبل تكبير الإمام، فإن هذا لا يجزئه عما أوجب الله عليه؛ بل لا بُدَّ أن يحرم إذا حلَّ الوقت لا قبله، وأن يحرم المأموم إذا أحرم الإمام لا قبله.
فكذلك المأموم لا بُدَّ أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسجد، لا قبل ذلك، فما فعله سابقًا وهو ساهٍ عفي له عنه ولم يعتدَّ له به، فلهذا أمره الصَّحابة والأئمَّة أن يتخلَّف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام.
وأمَّا إذا سبق الإمام عمدًا ففي بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره. ومن أبطلها قال: إن هذا زاد في الصَّلاة عمدًا فتبطل، كما لو فعل قبله ركوعًا أو سجودًا عمدًا، فإن الصلاة تبطل بلا ريب، وكما لو زاد في الصَّلاة ركوعًا أو سجودًا عمدًا، وقد قال الصَّحابة للمسابق: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت. ومن لم يُصلِّ وحده ولا مؤتمًّا فلا صلاة له. وعلى هذا فعلى المصلي أن يتوب من المسابقة، ويتوب من نقر الصَّلاة، وترك الطمأنينة فيها، وإن لم ينتهِ فعلى الناس كُلُّهم أن يأمروه بالمعروف الذي أمره الله به، وينهوه عن المنكر الذي نهاه الله عنه، فإن قام بذلك بعضهم وإلا أَثِمُوا كُلُّهم، ومن كان قادرًا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع فعل ذلك، ومن لم يمكنه إلَّا هجره، وكان ذلك مؤثِّرًا فيه هجره حتى يتوب، والله أعلم. مجموع الفتاوى (23/ 336- 338).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
إنَّ مسابقة الإمام عمدًا مبطلة للصَّلاة، إذا كان المسابق عالمـًا بالحال والحكم، سواء سبقه بركن أو ركنين، وسواء أدركه الإمام أو رجح هو إلى ترتيب الصَّلاة. المختارات الجلية (ص: 40).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي الحديث دليل على تحريم مسابقة الإمام وغِلظها، لكن إذا سبقه بركن، لا تبطل صلاته، وإن كان قد ارتكب المحذور؛ إن كان عالمًا وجب عليه الرُّجوع إلى متابعته، وإن كان جاهلًا وجب عليه الرُّجوع أيضًا إلى متابعته، ولا يكون آثمًا؛ بل يأثم بعدم التَّعلُّم، إن كان فرط فيه، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (1/ 420).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
مسابقة الإمام... (ثم ذكر الأحاديث الدالة على أنها كبيرة فقال): عُدَّ هذا من الكبائر هو صريح ما في هذه الأحاديث الصَّحيحة، وبه جزم بعض المتأخرين، وإنما يتَّضِح بناء على ما روي عن ابن عمر: «أن من فعل ذلك لا صلاة له»...
ومذهبنا أن مجرد رفع الرأس قبل الإمام أو القيام أو الهوي قبله مكروه كراهة تنزيه، وأن يُسنَّ له العود إلى الإمام إن كان باقيًا في ذلك الرُّكن، فإن سبقه بركن كأن ركع واعتدل -والإمام قائم لم يركع- حرم عليه، ولا يبعد أن يحمل الحديث على هذه الحالة، وتكون هذه المعصية كبيرة، أو بركنين كأن هوى إلى السُّجود، والإمام لم يركع، وكان ركع واعتدل والإمام لم يركع، فلمَّا أراد الإمام الاعتدال هوى المأموم للسُّجود بطلت صلاته، ويكون فعله ذلك تسميته كبيرة ظاهرة. الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 242- 243).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
مسابقة الإمام مُحرَّمة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أمَّا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل صورته صورة حمار، أو يجعل رأسه رأس حمار»، وهذا يدلُّ على التَّحريم، ثم إن السَّبق يختلف؛ فإن كان السَّبق بتكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تنعقد؛ لأن الصَّلاة لا تنعقد إلا إذا كانت تكبيرة المأموم بعد انتهاء الإمام من تكبيرة الإحرام؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كبَّر فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّر»، وإن كان السَّبق بركن آخر ففيه تفصيل عند بعض أهل العلم، والرَّاجح عندي أنه لا تفصيل في ذلك، وأن المأموم متى سبق الإمام بالرُّكن أو إلى الرُّكن فإن صلاته تبطل إذا كان عالمًا بالنَّهي، أمَّا إذا كان جاهلًا فإنه معذور، ولكن عليه أن يتعلَّم أحكام دينه حتى يعبد الله على بصيرة، وكذلك لو نسي فسبق إمامه فإنه لا تبطل صلاته، وعليه أن يرجع ليأتي بما سبق إمامه بعده. فتاوى نور على الدرب (8/ 2).
قوله: «ولكن لِيَسْبِقَكُم تدركون ما سبقتم به في ذلك»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
أفعال المأموم تكون متأخرة عن أفعال الإمام، فيكبِّر للإحرام بعد فراغ الإمام من التَّكبير، ويركع بعد شروع الإمام في الرُّكوع، وقبل رفعه منه، وكذا سائر الأفعال، فلو قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، أو في غيرها كُرِهَ، وفاتته فضيلة الجماعة. إرشاد الساري (2/ 71).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فما فعل الإمام واجب على المأموم فعله. شرح صحيح البخاري (3/ 10).
قوله: «إذا كانَ هوَ يرفعُ رأسَهُ في الركوعِ والسجودِ والقيامِ قبلَكُم»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
جُعل الإمام ليقتدي به ويُتَّبَع، ومن شأن التَّابع ألَّا يسابق متبوعه ولا يساويه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو ما فعله. تحفة الأبرار (1/ 346).
قال ابن العربي -رحمه الله-:
أمر بمتابعته، ولا يخلو من ثلاثة أحوال:
إمَّا أن يتابعه في الابتداء، ويبتدئ معه التَّكبير والرُّكوع.
وإمَّا أن يكبِّر ويركع في أثناء تكبيرة الإِمام وركوعه.
وإمَّا أن يكبِّر بعد ذلك.
فلمَّا احتمل اللفظ هذه المعاني الثلاثة تلبَّس الخلق بها، فجعلوا يفعلون مع إمامهم ذلك كُلَّه ثم تمكَّن الشَّيطان من نواصيهم فجذبها حتى فعلوها قبل إمامهم. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: 314).
قوله: «فتدركوا ما فاتَكُم بهِ حينئِذٍ»:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
أن ما سبقكم من ركوعه قبلكم وسجوده قبلكم تدركونه بتأخُّركم بالرَّفع بعده من الرُّكوع والسُّجود، فتساوونه في قدر ركوعه وسجوده بذلك. فتح الباري (6/ 140- 141).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
ومِمَّا يدخل في ائتمام المأموم بإمامه: أنه لا يتخلَّف عنه تخلُّفًا كثيرًا، بل تكون أفعال المأموم عقب أفعال إمامه، حتى السَّلام، وقد نصَّ أحمد على أن الإمام إذا سلَّم وقد بقي على المأموم شيء من الدُّعاء، فإنه يسلِّم معه، إلا أن يكون بقي عليه شيء يسير، فيأتي به ويسلِّم، واستدلَّ بقولِهِ: «إنما الإمام ليؤتمَّ به». فتح الباري (6/ 308).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
ينبغي (للمأموم) أنْ لا يساوي الإمام في الرُّكوع والسُّجود، بل يتأخَّر فلا يهوي للسُّجود إلَّا إذا وصلت جبهة الإمام إلى المسجد، هكذا كان اقتداء الصَّحابة برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يهوي للرُّكوع حتى يستوي الإمام راكعًا. إحياء علوم الدين (1/ 177).