السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا اؤتُمنَ خانَ».


رواه البخاري برقم: (33 ، 6095)، ومسلم برقم: (59) وزاد: «وإنْ صامَ وصلَّى وزعمَ أنَّه مسلمٌ»، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (108) : «من علامات المنافق...».  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«آية»:
الآية: العلامة، وآية القرآن قيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها علامة على تمام الكلام، وقيل: بل لأنها جماعات من كلمات القرآن، والآية: الجماعة أيضًا. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 56).

«المنافق»:
النِّفاقُ: وما تصرَّفَ منه اسمًا وفعلًا، هو اسمٌ إسلاميٌّ، لم تَعرِفه العربُ بالمعنى المخصوصِ به، وهو الذي يستُر كُفرَه، ويُظهِر إيمانه. النهاية لابن الأثير(5/ 98).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والنِّفاق لغة: مخالفة الباطن للظَّاهر، فإن ‌كان ‌في ‌اعتقاد ‌الإيمان ‌فهو ‌نفاق الكفر، وإلَّا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه. فتح الباري (1/ 89).

«الكذب»:
الإخبار عن الشَّيء ‌على ‌خلاف ‌ما ‌هو ‌به. الكشاف، للزمخشري (1/ 61).

«الوعد»:
الوعد يستعمل في الخير والشَّرِّ، يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الخير والشَّرَّ قالوا في الخير: الوعد والعِدَة، وفي الشَّرِّ: الإيعاد والوعيد، وقد أوعده يوعده. النهاية، لابن الأثير (5/ 206).

«أخلف»:
أي: لم يفِ بوعده ولم يَصْدُقْ، والاسم منه الخُلف بالضمِّ. النهاية، لابن الأثير (2/ 67).

«اؤتمن»:
الأمانةُ والأمْنَةُ: نقيضُ الخيانةِ؛ لأنَّه يُؤمَنُ أذَاه، وقد أمِنَهُ، وأمَّنَهُ، وائْتَمَنَهُ، واتَّمَنَهُ. لسان العرب، لابن منظور (13/ 22).

«خان»:
الخون: أن ‌يُؤتمن ‌الإنسان ‌فلا ‌ينصح. المخصص، لابن سيده (1/ 286).


شرح الحديث


قوله: «آية المنافق ثلاث»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «آية المنافق ثلاث» الآية: العلامة، وإفراد الآية إمَّا على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثَّلاث، والأوَّلُ أليق بصنيع المؤلف؛ ولهذا ترجم بالجمع، وعقَّب بالمتن الشَّاهد لذلك، وقد رواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ: «علامات المنافق».
فإن قيل: ظاهره الحصر في الثَّلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: «أربع من كن فيه» الحديث؟ أجاب القرطبي باحتمال أنه استجدَّ له -صلى الله عليه وسلم- من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده، وأقول: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عدِّ الخصلة المذمومة الدَّالة على كمال النِّفاق كونها علامة على النِّفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النِّفاق، والخصلة الزَّائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النِّفاق، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدلُّ على إرادة عدم الحصر فإن لفظه: «من علامات المنافق ثلاث»، وكذا أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري، وإذا حمل اللفظ الأَوَّل على هذا لم يَرِدِ السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر. فتح الباري (1/ 89-90).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«آية المنافق» أي: علامة نفاقه الدَّال على قبح نيته وفساد طويته، وأصله مَنْ يظهر خلاف ما يضمر، ثم غلب على مَنْ يظهر الإسلام، ويبطن الكفر. مرقاة المفاتيح (1/ 126).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وكونُهُ -عليه الصلاة والسلام- ذَكَرَ في حديثِ أبي هريرة: أنَّ علامةَ المنافقِ ثلاثٌ، وفي حديث ابن عمرو: أنَّها أربعٌ: يَحتمِلُ أن يكون ذلك؛ لأنَّه -عليه الصلاة والسلام- استجَدَّ من العلم بخصالِ المنافقين ما لم يكُن عنده: فإمَّا بالوحي، وإمَّا بالمشاهدةِ لتك منهم. وعلى مجموعِ الروايتينِ: تكونُ خصالهم خمسًا: الكذبُ، والغَدرُ، والإخلافُ، والخيانةُ، والفجورُ في الخصومة، ولا شكَّ في أنَّ للمنافقين خصالاً أُخَرَ مذمومةً؛ كما قد وصفهم الله تعالى حيث قال: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء: 142، فيحتملُ أن يُقال: ‌إنَّما ‌خُصَّت ‌تلك ‌الخصالُ ‌الخمسُ ‌بالذِّكر؛ لأنَّها أظهرُ عليهم مِن غيرها عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنَّها هي التي يَضُرُّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم، دون غيرها مِن صفاتهم، والله تعالى أعلم.. المفهم (1/ 251).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
ولا يلزم من وجود علامة النِّفاق أن يكون النِّفاق موجودًا حقيقة، يعني: أنها من صفات المنافقين وهم أحِقَّاء بها، ولا يحقُّ للمؤمن أن يَتَّصِفَ بها؛ لِمَا فيها من مخالفة الظَّاهر للباطن، ولعلَّها إن اجتمعت في المؤمن واعتاد بها وأصرَّ عليها ودامت فيه واستمرت، ورسخت يفضي به إلى حقيقة النِّفاق، وهو إنذار وتحذير للمؤمن أن يَتَّصِف بها كيلا يعتاد، وحثٌّ على التَّجنُّب والتَّحرُّز عنها، وتشديد وتغليظ على مَنِ اتَّصف بشيء من ذلك، وإشارة إلى أن النِّفاق حقيقي ومجازي كالشِّرك جليٌّ وخفي، وقيل: إن هذا تنبيه وإعلام منه -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه بأشخاص المنافقين بذكر صفاتهم ليجتنبوا منهم ويتحرَّزُوا عن صحبتهم من غير تعيين بذكر أسمائهم؛ لئلا يفتضحوا بين الناس، وينتشر سِرُّهم. لمعات التنقيح (1/ 301).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في تسمية المنافق مُنافقًا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه سُمِّي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الدَّاخل للنَّفق وهو السَّرب ليستتر فيه.
والثاني: أنه شُبِّه باليربوع الذي له جحر يقال له: النَّافقاءُ، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النَّافقاء، وكذلك المنافق؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه.
والثالث: أنه شُبِّه باليربوع أيضًا، ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التُّراب، فإذا رابه ريب رفع ذلك التُّراب برأسه فخرج، فظاهر جحره ترابٌ على وجه الأرض وباطنه حُفر، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان، وباطنه الكفر. إكمال المعلم (1/ 313-314).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
الإجماع منعقد على أن المسلم لا يحكم بنفاقه الموجب لكونه في الدَّرك الأسفل بواسطة الكذب وأخويه. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (15/ 130).
قال ابن حزم -رحمه الله-:
هذه الخِلالُ كلُّها التي ذكرها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- باطِنُ صاحبِها بخلافِ ما يُظهِر، فهو مُنافِقٌ، وهذا نوعٌ من النِّفاق، وليس هو النِّفاقَ الذي يَظُنُّ صاحبُه الكُفرَ بالله.
بُرهانُ ذلك: ما ذكرناه آنِفًا من إجماعِ الأمَّةِ على أَخذِ زكاةِ مالِ كلِّ من وصَفَه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالنفاق، وعلى إنكاحِه، ونِكاحِها إن كانت امرأةً، ومُوارَثَتِه، وأكلِ ذبيحتِه، وتركِه يُصلِّي مع المسلمين، وعلى تحريمِ دمِه ومالِه.
ولو تيقَّنَّا أنه يُبطنُ الكفر، لوجب قتلُه، وحَرُمَ إنكاحُهُ، ونكاحُها، ومُوارَثتُه، وأكلُ ذبيحتِه، ولم نترُكْه يُصَلِّي مع المسلمين.
ولكن: تسميةُ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مَن ذَكَر مُنافِقًا، كتسميةِ اللهِ -عزَّ وجلَّ- الذِّراع كفَّارًا، إذ يقول تعالى: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} الحديد: 20 ؛ لأنَّ أصلَ الكُفر في اللغة هو التغطية، فمَن سَتَر شيئًا فهو كافِر.
وأصلُ النِّفاق في اللغة: سَترُ شيءٍ وإظهارُ خِلافه، فمَن سَتَر شيئًا وأظهَر خِلافَه، فهو مُنافِقٌ فيه.
وليس هذان من الكُفرِ الدينيِّ، ولا من النِّفاقِ الشرعيِّ في شيء، وبهذا تتألَّفُ الآياتُ والأحاديثُ كلُّها. وباللهِ تعالى التوفيق. الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 136).
قال ابن أبي العز الحنفي –رحمه الله-:
أهلُ السُّنة مُتَّفِقُون كُلُّهُم على أنَّ مُرتكِبَ الكبيرةِ لا يكفر كُفرًا يُنقِلُ عن المِلَّةِ بالكلية، كما قالت الخوارجُ؛ إذ لو كَفر كُفرًا يُنقلُ عن المِلَّة، لكان مُرتدًّا، يُقتلُ على كُلِّ حال، ولا يُقبلُ عفوُ ولِيِّ القصاصِ، ولا تجري الحدودُ في الزِّنا والسرقةِ وشُربِ الخمرِ! وهذا القولُ معلومٌ بُطلانهُ وفسادهُ بالضرورةِ من دينِ الإسلامِ.
ومتفقون على أنَّه لا يخرُجُ من الإيمانِ والإسلامِ، ولا يدخل في الكُفرِ، ولا يستحقُّ الخلودَ مع الكافرين، كما قالت المعتزلةُ. فإنَّ قولهم باطلٌ أيضًا، إذ قد جعلَ اللهُ مُرتكبَ الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: {يا ‌أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الْقِصاصُ ‌فِي ‌الْقَتْلى} البقرة: 178، إلى أن قال: {فَمَنْ ‌عُفِيَ ‌لَهُ ‌مِنْ ‌أَخِيهِ ‌شَيْءٌ ‌فَاتِّباعٌ ‌بِالْمَعْرُوفِ} البقرة: 178.
فلم يُخرِجِ القاتلَ من الذين آمنوا، وجَعَله أخًا لوليِّ القصاص، والمرادُ أُخوَّةُ الدِّينِ بلا ريب.
وقال تعالى: {وَإِنْ ‌طائِفَتانِ ‌مِنَ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌اقْتَتَلُوا ‌فَأَصْلِحُوا ‌بَيْنَهُما} الحُجُرات: 9.
إلى أن قال: {إِنَّمَا ‌الْمُؤْمِنُونَ ‌إِخْوَةٌ ‌فَأَصْلِحُوا ‌بَيْنَ ‌أَخَوَيْكُمْ} الحُجُرات: 10.
ونُصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ تدُلُّ على أنَّ الزاني والسارق والقاذف لا يُقتَل، بل يُقامُ عليه الحدُّ، فدلَّ على أنَّه ليس بِمُرتدٍّ. شرح الطحاوية(2/ 442).

قوله: «إذا حدث كذب»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«إذا حدَّث» في كُلِّ شيء «كذب» أي: أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب. إرشاد الساري (1/ 118).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إذا حدَّث كذب» مفعول «حدَّث» محذوف للتَّعميم، أي: إذا حدَّث بأي حديث كذب فيه، أو الفعل منزل منزلة اللازم، أي: إذا حصل منه تحديث حصل فيه كذب، وهذا الأسلوب مع التَّعبير بـ«إذا» يدلُّ على تكرر الفعل، فيكون المقصود من الجملة مَنِ اعتاد ذلك، وصار له ديدنًا. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 220).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقد سُئل مالك بن أنس عمَّن جُرِّب عليه كذب، قال: أيُّ نوع من الكذب؟ لعلَّه إذا حدَّث عن عيش سلف زاد في وصفه، وأفرط في ذكره، أو أخبر عما رآه في سفره، أعيا في خبره وأسرف فهذا لا يضرُّه، وإنما يضرُّ مَن حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب. شرح صحيح البخاري (1/ 91).

قوله: «وإذا وعد أخلف»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وإذا وعد» بالخير في المستقبل «أخلف» فلم يفِ، وهو من عطف الخاص على العام؛ لأن الوعد نوع من التَّحديث، وكان داخلًا في قوله: «وإذا حدَّث»، ولكنه أفرده بالذِّكر معطوفًا تنبيهًا على زيادة قبحه.
فإن قلتَ: الخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام، وحينئذٍ تكون الآية اثنتين لا ثلاثًا.
أُجيب: بأن لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، ولازم التَّحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايران، وخلف الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم يوجد منه صورة النِّفاق. وفي حديث الطبراني ما يشهد له حيث قال: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسه أنه يخلف»، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، وهو عند الترمذي وأبي داود مختصرًا بلفظ: «إذا وعد الرجل أخاه ومِن نِيَّته أن يفي له فلم يفِ فلا إثم عليه»، وهذا في الوعد بالخير، أمَّا الشَّرُّ فيستحبُّ إخلافه وقد يجب. إرشاد الساري (1/ 118).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه، مأمور به، وليس بواجب فرضًا، والدَّليل على ذلك اتِّفاق الجميع على أن من وعد بشيء لم يضرب به مع الغرماء (أي: أنَّ الموعود لا يُضارِب بما وُعِدَ به مع الغرماء)، ولا خلاف أن ذلك مستحسن، وقد أثنى الله على مَن صدق وعده ووفى بنذره، وذلك من مكارم الأخلاق. شرح صحيح البخاري (8/ 70).
وقال ابن حجر -رحمه الله- بعد نقل كلام المهلب السابق:
ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجلُّ من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به، وإلَّا فلا، فمن قال لآخر: تزوجْ ولك كذا، فتزوج لذلك، وجب الوفاء به، وخرَّج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله؟. فتح الباري (5/ 290).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد أجمعَ العلماءُ على أن مَن وعد إنسانًا شيئًا ليس بمنهيٍّ عنه فينبغي ‌أن ‌يَفي ‌بوعدهِ، وهل ذلك واجبٌ، أو مستحبٌّ؟ فيه خلاف بينهم، ذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة والجمهورُ إلى أنه مستحبٌّ، فلو تركه فاته الفَضل، وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة، ولكن لا يأَثم، وذهبَ جماعةٌ إلى أنه واجب.
قال الإِمامُ أبو بكر بن العربي المالكي: أجلُّ مَن ذهبَ إلى هذا المذهب عمرُ بن عبد العزيز، قال: وذهبتِ المالكية مذهبًا ثالثًا أنه إن ارتبط الوعدُ بسبب كقوله: تزوّج ولك كذا، أو احلف أنك لا تَشْتُمَنِي ولك كذا، أو نحو ذلك، وجب الوفاء، وإن كان وعدًا مُطلقًا، لم يجب.
واستدلّ مَن لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية: تلزم قبل القبض. الأذكار (ص317).
وقال ابن حجر -رحمه الله- ناقلًا التعقب على النووي:
وقرأت بخط أبي -رحمه الله- في إشكالات على الأذكار للنووي، ولم يذكر جوابًا عن الآية -يعني: قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف: 3 وحديث: «آية المنافق»، قال: والدلالة للوجوب منها قوية، فكيف حملوهُ على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد.
وينظر هل يُمكن أن يُقال: يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء، أي: يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك؟
قوله: وفعله الحسن، أي: الأمر بإنجاز الوعد...، وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب...، قوله: قال أبو عبد الله هو المصنف (أي: البخاري): رأيت إسحاق بن إبراهيم هو بن راهويه يحتج بحديث بن أشوع أي: هذا الذي ذكره عن سمرة بن جندب، والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد. فتح الباري (5/ 290).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختلف الناس في الوعد:
فمنهم: من قال: إنه لازم، وأجلُّ من رويت ذلك عنه عمر بن عبد العزيز.
ومنهم: من قال: لا يلزم، وهو مشهور قول الشافعي وأبي حنيفة.
القول الثالث: قالت المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب كقوله: تزوج، وابتع، وحج، واحلف لي أنك ما شَتَمْتَنِي ولك كذا وكذا لزمه الوفاء به، وإن كان وعدًا مطلقًا لم يلزمه، ومتعلق القول الأول حديث النبي -عليه السلام- «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان». عارضة الأحوذي (10/ 269-270).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد:
فمنهم: من أوجبه مطلقًا، وذكر البخاري في صحيحه أن ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قول طائفة من أهل الظاهر وغيرهم.
منهم: من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريمًا للموعود، وهو المحكي عن مالك، وكثير من الفقهاء لا يوجبونه مطلقًا. جامع العلوم والحكم (3/ 1252-1253).
وقال السفيري -رحمه الله-:
وأمَّا الخلف في العهد فهو حرام جدًّا عند جماعة من العلماء، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والذي يذهب إليه الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والجمهور من العلماء أن خلف الوعد ليس بحرام، بل مكروه كراهة تنزيه كراهة شديدة، وقالوا: يستحِبُّ الوفاء به، وعند المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب كقوله: تزوج، أعطك كذا، فوجب الوفاء به وكان خُلْفه حرامًا، وإن كان وعدًا مطلقًا فلا يجب الوفاء به.
فالحاصل: أن خلف الوعد إمَّا حرامًا وإمَّا مكروهًا، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف: 2، 3، والوفاء بالوعد من أخلاق الأنبياء والأولياء والصالحين، نفعنا الله بهم أجمعين. المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية (2/ 67).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يلزم الوفاء بالوعدِ، وهو وجهٌ في مذهب أحمد، ويخرج رواية عنه من تعجيل العارية والصُّلح عن عِوض المتلف بمؤجل. الفتاوى الكبرى (5/ 555).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما إخلاف الوعد فحرام، يجب الوفاء بالوعد، سواء وعدته مالًا أو وعدته إعانة تعينه في شيء، أو أي أمر من الأمور، إذا وعدت فيجب عليك أن تفي بالوعد، وفي هذا ينبغي للإنسان أن يحدد المواعيد ويضبطها... شرح رياض الصالحين (4/ 47).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه: ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبي الصغير. المفهم (6/ 593).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
القول بوجوب الوفاء بالوعد هو الأقوى دليلًا. البحر المحيط الثجاج (37/ 456).

قوله: «وإذا اؤتمن خان»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وإذا اؤتمن خان» على بناء ماضٍ مجهول، إذا جعل أمينًا، ووضع عنده أمانة. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 143).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالمنافق إذا ائتمنته على مال خانك، وإذا ائتمنته على سرٍّ بينك وبينه خانك، وإذا ائتمنته على أهلك خانك، وإذا ائتمنته على بيع أو شراء خانك، كُلَّما ائتمنته على شيء يخونك والعياذ بالله، يدلُّ ذلك على أن في قلبه شعبةً من النِّفاق. شرح رياض الصالحين (2/ 469).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«إذا اؤتمن خان» أي: أن يشتهر بالخيانة بين الناس، فلا يثق به أحد؛ لأنه إذا أودع سرًّا أفشاه، وإذا أودع مالًا تصرَّف فيه خلاف الوجه الشرعي المطلوب منه، وإذا استشير لم ينصح في مشورته، وإذا عُهِدَ إليه بعمل لم يؤدِّه. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 120).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«وإذا أؤتمن خان» يأتمنه الناس على أموالهم وعلى أسرارهم، ثم بعد ذلك يجحد الأموال، ويبوح بالأسرار، هذه علامة من علامات النِّفاق -نسأل الله السلامة والعافية-.
والوفاء موجود في الناس، والخيانة أيضًا موجودة من بعض الناس في هذه الأُمَّة وفيما تقدَّمها من الأمم، فالذي يجحد وينكر الأمانة خيانة هذه، والذي يؤتمن على عمل من أعمال المسلمين ويفرِّط فيه خائن، والذي يُلقِّن جاره أو صاحبه الجواب في الامتحان خائن، والمدرِّس الذي لا يؤدِّي الأمانة ما وكل إليه خائن، القاضي كذلك، المفتي كذلك الذي..، كل عليه كفله ونصيبه من هذا، فلا بُدَّ من أن تؤدَّى الأمانة، والأمانة شأنها عظيم: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب: 72، «فأدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} النساء: 58، وفي الحديث: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». شرح المحرر في الحديث (62/ 27).

قوله: «وإن صام وصلَّى وزعم أنه مُسلم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
والواو في «وإن صام» للمبالغة «زعم» أي: ادَّعى، يعني: من به هذه الخصال الثلاث فهو منافق وإن كان يصوم ويصلِّي، ويدعي «أنه مسلم»، فإن كانت هذه الخصال في منافق يظهر الإسلام ويعتقد الكفر فهو منافق خالص، لا شكَّ فيه، ويُخلَّد في النار، ولا ينفعه صومه ولا صلاته يوم القيامة. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 143).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«وإن صام وصلَّى» التَّثنية للاستيعاب، أي: وإن عمل أعمال المسلمين من الصَّوم والصَّلاة وغيرهما من العبادات، وهذا الشَّرط اعتراض وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب، كذا عن صاحب (الكشاف). الكاشف عن حقائق السنن (2/ 508).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإن صام» ذلك المتَّصِف بتلك الصِّفات الثلاث شهر رمضان «وصلَّى» الصَّلوات الخمس «وزعم» أي: ظنَّ وقال قولًا غير محقَّقٍ «أنه مسلم» أي: مُتَّصِف بالانقياد الظَّاهر فهو منافق نفاقًا عمليًّا لا نفاقًا دينيًّا، الذي هو الزَّندقة، والزَّعم بضمِّ الزَّاي: قول غير محقَّقٍ. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (2/ 495).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال أبو الزناد: ولم يَرِدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنِّفاق المذكور في هذين الحديثين النِّفاق الذي صاحبه في الدَّرك الأسفل من النار، الذي هو أشدُّ الكفر، وإنما أراد أنها خصال تُشْبِه معنى النِّفاق؛ لأن النِّفاق في اللغة أن يظهر المرء خلاف ما يبطن، وهذا المعنى موجود في الكذب وخلف الوعد والخيانة.
فإن قيل: قد قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبد الله بن عمرو: «كان منافقًا خالصًا».
قيل: معناه خالصًا في هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها؛ لقوله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} النساء: 48، وقد ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه: «يُخرج مِن النار مَن في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان». قال المهلب: والمراد بالحديث -والله أعلم- من يكون الكذب غالبًا على كلامه ومستوليًا على حديثه، والخيانة على أمانته، والخلف على مواعيده، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة والدَّلالة، وأمَّا مَن كان الكذب على حديثه نادرًا في خبره تافهًا، والخيانة في أمانته شاذَّة يُدَّعى العذر فيها، والخلف في أوعاده مثل ذلك، معتذر بآفات منعته من الإنجاز، فلا يقضى عليه بالنَّادر اليسير؛ إذ لا يمكن أن يسلم أحد من كذب ...، وكذلك الخلف في الوعد والخيانة في الأمانة إذا كانت شاذة يُدَّعى فيها العُذر، وذلك مغتفر له، غير محكوم عليه في نفاق أو سوء معتقد، وقد جُرّب على من سلف من الأئِمَّة بعض ذلك فلم يضُرَّهم؛ لأنه كان نادرًا، هذا وجه الحديث إن شاء الله. شرح صحيح البخاري (1/ 91).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذه الأشياء المذكورة ترجع إلى أصل واحد، وهو النِّفاق الذي تنافيه الأمانة، ويباينه الصِّدق، ويزايله الوفاء، والمراد من هذا الحديث أن تكون هذه الخلال مستمِرَّةً على هذا الشخص وغالبةً على أحواله، فأمَّا إن بدرت منه أو ندر منها شيء لم يخرجه عن درجة الإيمان. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 263).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ظاهر هذا الكلام يوجب أنَّ مَن جمع هذه الخلال المذكورة كان منافقًا، وقد رُوِّينا عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث فقال: إن بني يعقوب حدَّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، وهذا القول من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتَّحذير له أن يعتاد هذه الخصال؛ شفقة أن تفضي به إلى النِّفاق، وليس المعنى أن مَنْ بدرت منه هذه الخلال، وكان ما يفعل منها على غير وجه الاختيار والاعتياد له أنه منافق، وقد جاء في الحديث أن التَّاجر فاجر، وجاء أيضًا أن «أكثر منافقي أُمَّتي قراؤها»، وإنما هو على معنى التَّحذير من الكذب في البيع، وهو معنى الفجور، إذ كانت الباعة قد يكثر منهم التَّزيُّد والكذب في مدح المتاع، وربما كذبوا في الشَّراء ونحوه، ولا يوجب ذلك أن يكون التُّجار كُلَّهم فُجَّارًا، وكذلك القُرَّاء قد يكون من بعضهم قِلَّة الإخلاص في العمل والتَّبرُّؤِ من الرِّياء والسُّمعة، ولا يوجب ذلك أن يكون مَنْ فعل شيئًا من ذلك من غير اعتياد له منافقًا. والنِّفاق ضربان: أحدهما: أن يظهر صاحبه الدِّين وهو مُسِرٌّ يبطن الكفر، وعلى هذا كانوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والضَّرب الآخر منه: ترك المحافظة على أمور الدِّين سرًّا، ومراعاتها علنًا، وهذا يُسمَّى نفاقًا، كما جاء من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «سِباب المؤمن فسق، وقتاله كفر»، وإنما هو كفر دون كفر، وفسق دون فسق، كذلك هو نفاق دون نفاق.
وقد قيل: إن هذا القول من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما جاء في رجل من المنافقين بعينه، كان في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يواجههم بصريح القول، ولا يُسمِّيهم بأسمائهم، فيقول: فلان منافق، وإنما يشير إليهم بالأمارة المعلومة على سبيل التَّورية عن الصَّريح، وكان حذيفة بن اليمان يقول: إن النِّفاق إنما كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما كان بعد زمانه كفر. أعلام الحديث (1/ 164).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث مما عَدَّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدِّق الذي ليس فيه شكٌّ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مُصدِّقًا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يُخلَّد في النار؛ فإن إخوة يوسف -صلى الله عليه وسلم- جمعوا هذه الخصال، وكذا وُجِدَ لبعض السَّلف والعلماء بعض هذا أو كُلُّه، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه؛ فالذي قاله المحقِّقون والأكثرون وهو الصَّحيح المختار أن معناه: أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومُتخلِّق بأخلاقهم؛ فإن النِّفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حقِّ مَنْ حدَّثه ووعده وائتمنه، وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يُرِدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا أنه منافق نفاق الكُفَّار المخلَّدين في الدَّرك الأسفل من النار، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كان منافقًا خالصًا» معناه: شديد الشَّبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما مَنْ يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي -رضي الله عنه- معناه عن العلماء مطلقًا فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحدَّثوا بإيمانهم وكذبوا، واؤتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدِّين ونصره فأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ورجع إليه الحسن البصري -رحمه الله- بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-، وروياه أيضًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح مسلم (2/ 46).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم حدَّثوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فكذبوه، وائتمنهم على سرِّه فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه، ... فالحديث ثابت عنه -صلى الله عليه وسلم- لا شكَّ في ثبوته وصحته، والذي فسَّره به أهل العلم المعتبرون أن النِّفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير، وإبطان خلافه، وهو في الشَّرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النِّفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كُلَّه أو بعضه، وهذا هو النِّفاق الذي كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدَّرك الأسفل من النار. والثاني: النِّفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك. جامع العلوم والحكم (2/ 480- 481).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
يعني: أن النِّفاق العملي إذا وقع كثيرًا بحيث إنه يصير عادة قد يَجرُّ إلى النِّفاق الحقيقي، بخلاف مَنْ وقعت له هذه الخصال أو بعضها نادرًا، فالحديث محمول على مَنْ غلبت عليه هذه الخصال. مرقاة المفاتيح (1/ 126).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وإن كانت هذه الخصال في مسلم: فإن كان يعتقد استحلالها، فهو كافر ما دام على هذه الاعتقاد، وأمَّا إذا اعتقد تحريم هذه الخصائل ويفعلها، فهو مسلم مذنب، وهو في الفعل منافق لا في الاعتقاد والإيمان.
وعِلَّة تشبيهه بالمنافق: أنَّا قد قلنا: إن المنافق هو الذي يظهر بخلاف ما يبطن ويُسِرُّ، وهذا المسلم يعتقد الإيمان وحقيقة الإسلام، وهو يفعل أفعال المسلمين من الصَّوم والصَّلاة وغيرها من العبادات عن الاعتقاد والإيمان، ولكن يفعل في بعض الأزمان ما يخالف أمر الشَّرع، فمِنْ أجل هذه المخالفة سُمِّي منافقًا، وشُبِّه بالمنافقين في الفعل لا في الاعتقاد والإيمان. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 143).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وإنما خصَّ هذه الثلاثة بالذِّكر؛ لأنها مشتملة على المخالفة التي عليها مبنى النِّفاق، من مخالفة السِّرِّ والعلن، فالكذب: هو الإخبار عن الشَّيء على خلاف ما هو به، والأمانة حقُّها أن تؤدَّى إلى أهلها، فالخيانة مخالفة لها، والخلاف في الوعد ظاهر؛ ولذلك صرَّح بأخلف. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 508).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
(في الحديث): شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- على أُمَّته ونصحه لهم حيث حذَّرهم من النِّفاق بذكر علامات المنافق وأوصافه؛ ليكون المسلم على بَيَّنة من ذلك، ويحذر أن يقع في شيء من هذه العلامات، وقد كان الصحابة -رضي الله عنه- يخافون النِّفاق على أنفسهم، قال البخاري: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النِّفاق على نفسه. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 213).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ