السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«لا صلاةَ بعدَ الصُّبحِ حتى ترتفعَ الشَّمسُ، ولا صلاةَ بعدَ العصرِ حتى تغيبَ الشَّمسُ».


رواه البخاري برقم: (586) واللفظ له، ومسلم برقم: (827)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لا صلاة» كلمة (لا) لنفي الجنس، أي: لا صلاة حاصلة بعد الصُّبح، أي: بعد صلاة الصُّبح، ويقال: هذا نفي بمعنى النَّهي، والتَّقدير: لا تصلُّوا، ثم قيل: إن النَّهي للتَّحريم، والأصحُّ أنه للكراهة، وبالنظر إلى صورة نفي الجنس قال أبو طلحة: المراد بذلك كُلُّ صلاة، ولا يثبت ذلك عنه، وقال أصحابنا (الأحناف): ولا بأس أن يصلِّيَ في هذين الوقتين الفائتة، ويسجد للتِّلاوة، ويصلِّي على الجنازة. عمدة القاري (5/ 81).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لا صلاة» أي: صحيحة أو حاصلة «بعد» صلاة «الصُّبح حتى ترتفع الشَّمس»... إلا لسبب، أو المراد: لا تصلُّوا بعد صلاة الصُّبح، فيكون نفيًا بمعنى النَّهي، وإذا كانت غير حاصلة فتحرِّي الوقت لها كُلفة لا فائدة فيها. إرشاد الساري (1/ 510).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «لا صلاة بعد الصُّبح» المنفي حينئذٍ هي الصلاة الشَّرعية لا الفعل الحسيّ، والنَّفي في معنى النَّهي، والمعنى: لا تصلُّوا، وقوله: «بعد الصُّبح» أي: بعد صلاة الصُّبح، وقد صرَّح في مسلم بلفظ: «صلاة». البدر التمام (2/ 224).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«لا صلاة» معناه: لا صحة للصلاة، فيلزم منه أن لا يتحرَّاها المكلَّف؛ إذ العاقل لا يشتغل بما لا يستتبع العائدة، ولا يتضمَّن الفائدة. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (4/ 224).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌لا ‌صلاة ‌بعد ‌الصُّبح» أي: بعد صلاته «حتى ترتفع الشَّمس» قال ابن حجر (الهيتمي): أي: كرمح في رأي العين، وهو قدر سبعة أذرع تقريبًا، وإلَّا فالمسافة طويلة؛ لِمَا في رواية أبي نعيم: «حتى ترتفع كرمح أو رمحين». مرقاة المفاتيح (2/ 821).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«‌لا ‌صلاة ‌بعد ‌ الصُّبح» يعني: من النَّوافل المطلقة؛ أي: تحرم ولا تصِحُّ، ويستمِرُّ المنع من طلوع الفجر «حتى ترتفع الشَّمس» ارتفاعًا يذهب عنه صُفرة الشَّمس أو حمرتها، وهو مُقدَّر بقدر رمح. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (2/ 55).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الأصل في نفي الشَّرع أن يكون لنفي الصِّحة لا لنفي الكمال إلَّا بدليل، ونفي الصِّحة نفي للوجود الشَّرعي في الواقع، فيكون قوله: «لا صلاة» نفيًا للصَّلاة الشَّرعيَّة لا نفيًا للفعل الحسي، ويكون النَّفي بمعنى النَّهي، أي: لا تصلُّوا فمن فعل فصلاته باطلة، وإنما عبَّر بالنفي لأنه أبلغ من النَّهي؛ لأن فيه تقريرًا وتأكيدًا لاجتنابه، كأنه أمر لا يمكن أن يكون، وأمَّا النهي فلا يعطي هذا المعنى. قوله: «بعد الصُّبح» بيَّنت رواية مسلم التي ذكر الحافظ أن المراد بعد صلاة الصُّبح، وأمَّا قبل الصلاة فليس بوقت نهي، لكن لا يُشرع فيه سوى ركعتي الفجر، على أحد القولين. قوله: «حتى تطلع الشَّمس» في لفظ عند مسلم: «حتى تشرق الشَّمس» بضمِّ التَّاء وفتحها، وظاهرهما أن طلوع الشَّمس وإشراقها غاية النَّهي، وليس هذا مرادًا بل المراد بطلوعها: ارتفاعها ونقاؤها، لا مجرَّد ظهور قرصها، وقد جاء حديث أبي سعيد بلفظ: «حتى ترتفع الشَّمس» عند البخاري، كما جاء عنده «تطلع» كما تقدَّم، ولو ذكر الحافظ (ابن حجر) لفظ: «ترتفع» كما فعل صاحب (العمدة) لكان أَوْلَى؛ لأنه أدلُّ على المراد، فإنه مدَّ وقت النَّهي إلى ارتفاع الشَّمس الذي تزول عنده صفرتها أو حمرتها. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (2/ 199).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وهذا النَّهي لمن صلَّى الفريضة، فإذا لم يصلِّ الفريضة جاز له النَّفل وغيره. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 210).

قوله: «ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا صلاة» صحيحة أو حاصلة «بعد» صلاة «العصر حتى تغيب الشَّمس» إلَّا لسبب. إرشاد الساري (1/ 510).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا صلاة بعد العصر» أي: بعد صلاته «حتى تغيب الشَّمس» أي: بالكليَّة، وهذا النَّهي لمن صلَّى الفريضة. مرقاة المفاتيح (2/ 821).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«ولا صلاة» أي: يحرم النَّفل المطلق، ولا يصِحُّ «بعد» صلاة «العصر»، ويستمِرُّ المنع من فراغ صلاة العصر «حتى تغيب الشَّمس» أي: يغيب حاجبها الفوقاني. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (2/ 55).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«‌لا ‌صلاة ‌بعد ‌صلاة ‌العصر» أي: لا صلاة لمن صلَّى العصر بعد صلاته العصر، والنَّفي لا يتوجَّه للواقع فقد تقع، وإنما يوجَّه للصِّحة أو للقبول أو للاستحباب. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (4/ 31).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشَّمس» «بعد العصر» أي: بعد صلاة العصر «حتى تغيب الشَّمس» أي: يغيب قرنها الأعلى، يعني: تغيب كُلُّها. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (1/ 435).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشَّمس، ولا صلاة بعد الصُّبح حتى تطلع الشمس» قد تقدَّم من مذهب أبي حنيفة أنه حمل هذا اللفظ على عمومه في النَّوافل كُلِّها، والفرائض المقضيات، ولم يستثنِ من الصَّلوات شيئًا، وخصَّص الجمهور من ذلك المقضيات، وخصَّص الشافعي ما كان من النَّوافل مُعلَّقًا على سبب، فتُصلَّى لحضور سببها؛ كتحيَّة المسجد وسجود التِّلاوة وركعتي الطَّواف والإحرام وغير ذلك. المفهم (2/ 456).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
إنَّ الأوقات المكروهة على قسمين:
منها: ما تتعلَّق الكراهة فيه بالفعل، بمعنى أنه إن تأخَّر الفعل لم تكره الصَّلاة قبله، وإن تقدَّم في أوَّل الوقت كرهت؛ وذلك في صلاة الصُّبح وصلاة العصر، وعلى هذا يختلف وقت الكراهة في الطُّول والقصر.
ومنها: ما تتعلَّق فيه الكراهة بالوقت كطلوع الشَّمس إلى الارتفاع ووقت الاستواء، ولا يحسن أن يكون الحكم في هذا الحديث مُعلَّقًا بالوقت؛ لأنه لا بُدَّ من أداء صلاة الصُّبح وصلاة العصر، فتعيّن أن يكون المراد: بعد صلاة الصُّبح، وبعد صلاة العصر. وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وعن بعض المتقدِّمين والظَّاهرية: فيه خلاف من بعض الوجوه، وصيغة النَّفي إذا دخلت على الفعل في ألفاظ صاحب الشَّرع، فالأَوْلَى حملها على نفي الفعل الشَّرعي، لا على نفي الفعل الوجودي، فيكون قوله: «‌لا ‌صلاة ‌بعد ‌ الصُّبح» نفيًا للصَّلاة الشَّرعيَّة لا الحسيَّة، وإنما قلنا ذلك لأن الظَّاهر أن الشَّارع يطلق ألفاظه على عُرفه، وهو الشَّرعيُّ، وأيضًا فإنَّا إذا حملناه على الفعل الحسيِّ -وهو غير منتفٍ- احتجنا إلى إضمار لتصحيح اللفظ، وهو المسمَّى بدلالة الاقتضاء، ويبقى النَّظر في أن اللفظ يكون عامًّا أو مجملًا أو ظاهرًا في بعض المحامل، أمَّا إذا حملناه على الحقيقة الشَّرعيَّة لم نحتج إلى إضمار، فكان أَوْلَى...
وفي هذا الحديث زيادة على الأوَّل، فإنه مدَّ الكراهة إلى ارتفاع الشَّمس، وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنده صفرة الشَّمس أو حمرتها، وهو مُقدَّر بقدر رمح أو رمحين. وقوله: «لا صلاة» في الحديثين عام في كُلِّ صلاة، وخصَّه الشافعي ومالك بالنَّوافل، ولم يقولا به في الفرائض الفوائت، وأباحاها في سائر الأوقات، وأبو حنيفة يقول بالامتناع، وهو أدخل في العموم، إلَّا أنه قد يعارض بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها»، وكونه جعل ذلك وقتًا لها، وفي رواية: «لا وقت لها إلَّا ذلك» إلَّا أنَّ بَيْنَ الحديثين عمومًا وخصوصًا من وجه، فحديث النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر خاصٌّ في الوقت، عام في الصَّلاة، وحديث النَّوم والنِّسيان: خاصٌّ في الصَّلاة الفائتة، عام في الوقت، فكُلُّ واحد منهما بالنِّسبة إلى الآخر، عام من وجه، وخاصٌّ من وجه، فليُعلمْ ذلك. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 181).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأجمعت الأُمَّة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتَّفقوا على جواز الفرائض المؤدَّاة فيها، واختلفوا في النَّوافل التي لها سبب كصلاة تحيَّة المسجد وسجود التِّلاوة والشُّكر وصلاة العيد والكسوف، وفي صلاة الجنازة وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كُلِّه بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النَّهي لعموم الأحاديث، واحتجَّ الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى سُنَّة الظُّهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السُّنَّة الفائتة، فالحاضرة أَوْلَى والفريضة المقضيَّة أَوْلَى، وكذا الجنازة. شرح صحيح مسلم(6/ 110- 111).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وأمَّا نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة بعد الصُّبح وبعد العصر، فهو نهي عن الصَّلاة بعد فعلهما لا بعد دخول وقتهما؛ لأنه لو أخَّرهما لم تُكره الصَّلاة قبلهما، وإن تقدَّم فعلهما في أوَّل الوقت كُرِهَت، فدلَّ على ما ذكرنا، وأن عدم الكراهة بدخول وقتهما يختلف بتطويل النَّافلة وتخفيفها؛ فإنه رُبَّما طوَّل المصلِّي النَّافلة قبل فعلهما إلى آخر وقتهما، فيكون ذلك مكروهًا، وهذا كُلُّه بخلاف كراهة الصَّلاة عند الطُّلوع والاستواء والغروب بالحمرة والصُّفرة؛ فإن الكراهة فيها متعلِّقة بالوقت، وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وإن اختلف بعض المتقدِّمين فيه من بعض الوجوه. العدة في شرح العمدة (1/ 332).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
فيه أن الصَّلاة تكره حينئذٍ وهي كراهة تحريم، وقيل: تنزيه ومحلُّها بعد فعل الصَّلاتين في وقتيهما، فالكراهة بعدهما متعلِّقة بالفعل في وقتيهما، فلو صلَّاها قضاء في وقت آخر لم تُكره الصَّلاة بعدهما، ولو جمع العصر في وقت الظُّهر كُرهت الصَّلاة بعدها؛ لأنه وقت العصر للجامع، ومَحلُّ كراهتها إذا فعلت لسبب متأخِّر كصلاة الإحرام وصلاة الاستخارة، فإن سببهما وهو الإحرام والاستخارة متأخِّر بخلاف ما إذا فُعِلت لسبب متقدِّم أو مقارن كفائتة لم يقصد تأخيرها إلى الوقت المذكور، وكصلاة الاستسقاء والكسوف فلا تكره.
وقضية الحديث تعميم الكراهة في وقت العصر من فعلها إلى الغروب، وهو ما عليه جمهور العلماء، وقد يقال: ينافيه خبر أبي داود وصحَّحه الحاكم: «لا تصلُّوا بعد العصر إلَّا أن تصلُّوا والشَّمس مرتفعة». ويجاب بأن الحديث الأَوَّل أصحُّ. فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص:147).
وقال عبيد الله المباركفوري –رحمه الله-:
الحديث يدلُّ على تحريم النَّفل في هذين الوقتين؛ لأن الأصل في النَّهي التَّحريم، وحمل الشافعية الحديث على غير ذات سبب، قالوا: تجوز ذات السَّبب في هذين الوقتين، وحَملَه الحنفية على العموم، واستثنوا منه الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة وسجدة التِّلاوة كما تقدَّم. مرعاة المفاتيح (3/ 457).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي الحديث فوائد: ...
منها: أن الكراهةَ -في الصَّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر، التي لا سبب لها- كراهةُ تحريم؛ لأن الأصل في النَّهي التَّحريم، وقد اختلف أصحاب الشافعي -رحمه الله- في ذلك على وجهين:
أصحّهما: أن الكراهة للتَّحريم، ولو صلَّاها لم تنعقد على أصحِّ الوجهين، ويكون آثمًا.
ومنها: أنه لا تكره الصَّلاة قبل الصُّبح؛ لأن التَّخصيص بالنَّهي بعدها يفيد عدم النَّهي قبلها، وقد كَرِهَ جماعة من السَّلف الصَّلاةَ قبلها، ما عدا سُنَّة الفجر؛ والذي عليه الجمهور خلافه.
ومنها: كراهة الصَّلاة عند طلوع الشَّمس، حتى ترتفع الشَّمس قِيد (قَدْر) رمح.
ومنها: أن الكراهة بعد فعل العصر ممتدَّة إلى غيبوبة قرص الشَّمس؛ وبغيبوبته تزول الكراهة، وتجوز الصَّلاة؛ ولهذا كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا غابت الشَّمس ابتدروا السَّواري قبل المغرب بالصَّلاة، قد يظنُّ الظَّانُّ أن المغرب قد صُلِّيت؛ لكثرة المصلِّين، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (1/ 334- 335).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في ذلك؟
قلنا: الحكمة في هذا أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أن الشَّمس تطلع بين قرني شيطان»، فإذا رآها المشركون سجدوا لها، وكذلك في الغروب تغرب بين قرني الشَّيطان، ولعلَّهم يسجدون لها وداعًا، فهم يسجدون لها استقبالًا عند طلوعها ووداعًا عند خروجها، فنُهينا عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى التَّشبُّه بهم.. فتح ذي الجلال(1/ 435).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: أنه لا تصِحُّ الصَّلاة في هذين الوقتين: لا الفريضة ولا النَّافلة، لا المقضيَّة ولا المؤدَّاة، ولكن هذا الحديث ليس مرادًا، أي: لا يراد العموم، فقد دلَّتِ السُّنَّة على استثناء أشياء من ذلك، منها: الفريضة، فالفريضة لا نهي عنها، فمتى ذكر الإنسان أن عليه فريضة صلَّاها ولو في هذين الوقتين.
مثال ذلك: رجل لَمَّا صلَّى الفجر تذكر أنه صلَّى العشاء بغير وضوء، فهنا يصلِّي العشاء قبل طلوع الشَّمس أو لا؟
يصلِّيها حين ذكرها، دليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها».
من فوائد هذا الحديث: سدُّ ذرائع الشِّرك وإن كانت بعيدة؛ لأن أصل الرِّسالة مبنيَّة على التَّوحيد، فكُلُّ طريق يمكن أن ينفذ الشَّيطان إلى قلب الإنسان فيوقع في الشَّرك، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سدَّه سدًّا محكمًا.
إذن نأخذ من هذا: أن جميع وسائل الشِّرك محرَّمة، لكن الوسيلة قد تكون قريبة، وقد تكون بعيدة، فلعظم المقام سدَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كُلَّ وسيلة ولو كانت بعيدة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النَّهي مقيَّد بالصَّلاة، صلاة من؟ صلاة الإنسان، أو صلاة الناس عمومًا؟ صلاة الإنسان؛ ولذلك لو فُرِضَ أن أحدًا من الناس فاتته صلاة الفجر، بل فاتته صلاة العصر، وتطوَّع بنافلة قبل أن يصليها هو، أيجوز ذلك أو لا؟ نعم، يجوز ذلك؛ لأن العبرة بصلاته هو.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصُّبح يطلق ويراد به الصلاة، يفسِّر ذلك لفظ مسلم، واستعمال الصُّبح بمعنى الصلاة موجود بكثرة في السُّنَّة. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (1/ 435).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
(في هذا الحديث) النَّهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، والأحاديث في هذا متواترة، رواها عدد من الصَّحابة، منهم: أبو سعيد وعمر وابن عباس وجماعة -رضي الله عنهم جميعًا-.
فالصَّلاة بعد العصر وبعد الفجر -بدون سبب- لا تجوز بالإجماع، كأن يكون جالسًا في المسجد، أو في البيت فيقوم يصلِّي، وهو آثم -حينئذٍ- وعاصٍ لله ورسوله، وأمَّا حديث: «لا يتحرَّى أحدكم فيصلي عند طلوع الشَّمس ولا عند غروبها» فمفهومه: أنه لا بأس بالصلاة قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها، إلَّا أن هذا المفهوم ألغاه حديث: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشَّمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشَّمس».
(والحديث) فيه: النَّهي عن الصَّلاة في أوَّل وقت طلوع الشَّمس، وأوَّل وقت غروبها حتى تبرز، وترتفع قدر رمح عند طلوعها، وكذلك إذا غاب حاجب الشَّمس تتضيَّف للغروب، فلا يصلَّى حتى يتم غروبها. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (2/ 557- 559).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -رحمه الله-:
الحديث دليل على أن النَّهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر يمتدُّ حتى تطلع الشَّمس وترتفع، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة وأكثر الشافعية... وقال بعض الشافعية: إن النَّهي يزول إذا طلع قرص الشَّمس بكماله ولو لم ترتفع؛ أخذًا بالأحاديث التي جعلت غاية النَّهي فيها طلوع الشَّمس، والصَّحيح الأوَّل؛ لأن أحاديث الارتفاع أدلُّ على المراد، وأوضح في المقصود، وفيها زيادة علم على ما في الأحاديث الأخرى، فيجب العمل بها.
لكن ما مقدار الارتفاع؟ ورد في حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-: «حتى ترتفع قَيْدَ رمح» والرُّمح: قدر متر تقريبًا في رأي العين، ويُقدَّر الارتفاع بحوالي ثنتي عشرة دقيقة، والاحتياط كونه ربع ساعة. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (2/ 200).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ