السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«لو أنَّ أهلَ السَّماءِ والأرضِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مؤمنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ في النَّارِ».


رواه الترمذي برقم: (1398)، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما-.
ورواه الطبراني في الأوسط برقم: (1421)، والبيهقي في شعب برقم: (4968) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه الطبراني في الصغير برقم: (565)، من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5247)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2442).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لأَكَبَّهُمُ»:
يُقال: كببت الإناء إذا قلبته على وجهه، وكببت الرجل إذا ألقيته لوجهه فانكب، ‌وأكب ‌إذا ‌انتكس. التفسير البسيط للواحدي (17/٣٢١)
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يقال: كَبَبْتُ الإناء كبًّا؛ من باب: قَتَلَ: قَلَبْتُه على رأسه، وكبَبْتُ زيدًا كبًّا أيضًا: أَلقيته على وجهه. المصباح المنير(ص: 270).


شرح الحديث


قوله: «لو أنَّ أهلَ السَّماءِ والأرضِ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لو أنَّ أهل السماء» أي: لو ثبت اشتراكهم. لمعات التنقيح (6/ 284).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أنَّ» فاعل فعل مقدَّر يُفَسِّرُه ما في «أن» من معنى الثبوت، تقديره: لو ثبت أنَّ أهل السماء، و«أنَّ» حرف المصدر، وهي مع الفعل الذي وقع في خبره على تقدير المصدر، يعني: لو ثبت اشتراك أهل السماء والأرض في إزهاق روح مؤمن لصرعهم الله في النار. المفاتيح (4/ 199).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لو أنَّ» أي: لو ثبت أو فُرِضَ «أنَّ أهل السماء والأرض اشتركوا». مرقاة المفاتيح (6/ 2268).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«أهل السماء» فاعل، والتقدير: لو ثبت اشتراك أهل السماء والأرض. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2464).

قوله: «اشتركوا في دَمِ مؤمنٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في دَمِ مؤمن» أي: إراقته، والمراد: قتْلُه بغير حق. مرقاة المفاتيح (6/ 2268).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«اشتركوا في دم مؤمن» أي: في سفْكِهِ ظلمًا، «لكبَّهم الله -عزَّ وجلَّ- على وجوههم». فيض القدير (5/ 307).

قوله: «لأكبَّهُم اللَّهُ في النَّارِ»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«إلا كبَّهم الله في النار» كبَّهُ لوجهه، أي: صرَعه، فأكب هو، وهذا من النوادر أن يقال: أفعلت أنا، وفعلت غيري، ولم يوجد فيه خلاف عن أهل اللغة، فالصواب كبَّهم (أي: بلا ألف)، والذي رووه في هذا الحديث (بالألف أكبَّهم) لا يكون إلا سهوًا من بعض الرواة، والمؤلف (يعني: البغوي) أتى به على ما وجَده في كتاب أبي عيسى (يعني: الترمذي). الميسر (3/ 813).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا التوربشتي:
أقول: وفيه نظر، لِمَ لا يجوز هذا على الأصل؟ وكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى أنْ يُتَّبَعَ؛ ولأن الجوهري نافٍ، والرواة مثبتون. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2464).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا الطيبي:
قلتُ: فيه أنَّ الجوهري ليس بنافٍ للتعدِيَة، بل مُثبتٌ للُّزوم، ولا يلزم من ثبوت اللُّزوم نفي التعدية، هذا وقد أثبتها صاحب القاموس، حيث قال: كبَّه: قَلَبَه وصرعه؛ كالكبَّةِ وكَبْكَبَه، كأكبَّ هو لازم متعدٍ. ا. هـ.
على أنَّه يُقال: الهمزة لتأكيد التعدية، كما في مدَّ وأمدَّ على ما ورد هنا، ولسلبها على ما ثبت في غير هذا الموضع، أو يقال: بتقدير حرف الجر للتعدية، كما قالوا في: رحبتك الدار، أي: رحَّبَتْ بك، وعلى كل تقدير: فنسبة الخطأ إلى بعض اللغويين بل كلهم أولى وأحوط من نسبته إلى الرواة الثِّبَات العدول الثقات، هذا ولفظ الحديث في الجامع الصغير: «لكبَّهم الله -عزَّ وجلَّ- في النار». مرقاة المفاتيح (6/ 2268).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- متعقبًا التوربشتي:
لكن لو ثبت أنَّ هذا لفظ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أو أحد من الرواة الموثوق بهم، لكان حجة على القائلين بذلك، فجَزم التُّوربشتي بأنَّ الصواب: (كبّهم اللَّه)، ولعل ما في الحديث سهوٌ من بعض الرواة ليس كما ينبغي -واللَّه أعلم-. لمعات التنقيح (6/ 285).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لكبَّهم الله -عزَّ وجلَّ- على وجوههم» كما في رواية الطبراني: «في النار» نار جهنم، وفي رواية للطبراني بدل «لكبهم» «لعذبهم الله بلا عدد ولا حساب». فيض القدير (5/ 307).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في ذكر الملائكة مع عصمتهم جواز فرض ما لا يكون.
وفيه: تعظيم قتل المؤمن؛ ولذا قيل: إنَّه لا توبة لقاتله، وظاهره ولو اشتركوا بالقول ولم يباشروا؛ لأنه يتعذر مباشرة الكل له من الملائكة والجن والبشر عادة. التنوير (9/ 130).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على أنَّ الجماعة إذا اشتركوا في قتل شخصٍ واحدٍ عمْدًا، قتلوا به جميعًا، وبه قال الشافعي والأكثرون من الصحابة والتابعين وغيرهم. الأزهار، مخطوط، لوح (325).
وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله-:
إذا اشترك الجماعة في قتل واحد قُتِلُوا به جميعًا إذا كانوا له أكفاء، وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والمغيرة بن شعبة -رضي الله تعالى عنهم-، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومن الفقهاء: مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: للولي أنْ يقتل به من الجماعة واحدًا يرجع فيه إلى خياره، ويأخذ من الباقين قسطهم من الدية، وهو في الصحابة قول معاذ بن جبل، وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، وفي التابعين: قول ابن سيرين والزهري.
وقال آخرون: لا قود على واحد من الجماعة بحال، وتؤخذ منهم الدية بالسوية، وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وداود بن علي وأهل الظاهر؛ استدلالًا بقول الله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ} المائدة: 45، وبقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ} البقرة : 178، فاقتضى هذا الظاهر أنْ لا تقتل بالنفس أكثر من نفس، ولا بالحُرِّ أكثر من حُرٍّ، وبقوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِّي القَتْلِ} الإسراء: 33، ومن السرف قتل الجماعة بالواحد، وروى جويبر عن الضحاك: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «‌لا يُقتل اثنان بواحدٍ» وهذا نصٌّ؛ ولأن الواحد لا يكافئ الجماعة لا يقتل بالجماعة إذا قتلهم، ويقتل بأحدهم، ويؤخذ من ماله ديات الباقين، كذلك إذا قتله جماعة لم يقتلوا به؛ ولأن زيادة الوصف إذا منعت من القود حتى لم يقتل حُرٌّ بعبد، ولا مسلم بكافر، كان زيادة العدد أولى أن تمنع من القوَدِ، فلا يقتل جماعة بواحد؛ ولأن للنفس بدلين قَوَدٌ ودية، فلما لم يجب على الاثنين بقتل الواحد ديتان لم يجب عليهما قودان.
ودليلنا: قول الله تعالى: {وَلَكُم فِي القِصَاصِ حَياةٌ} البقرة: 179، وسبب الحياة: أنه إذا علم القاتل بوجوب القصاص عليه إذا قتل كفَّ عن القتل، فحيِيَ القاتل والمقتول، فلو لم يقتص من الجماعة بالواحد؛ لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا همَّ بالقتل شارك غيره فسقط القصاص عنهما، وصار رافعًا لحكم النص. الحاوي الكبير (12/ 51-52).
وقال الروياني -رحمه الله-:
ولأن قتل النفس أغلظ من هتك العِرْض بالقذف، فلما حُدَّ الجماعة بقذف الواحد، كان أولى أنْ يقتلوا بقتل الواحد. بحر المذهب (12/ 26).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه تعظيم قتل المؤمن؛ ولِذا قيل: إنه لا توبة لقاتِله. وظاهرهُ ولو اشتركوا بالقول ولم يباشروا. التنوير(9/١٣٠)


إبلاغ عن خطأ