السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إذا توضَّأَ العبدُ المسلمُ -أو المؤمنُ- فَغَسَلَ وجهَهُ خَرَجَ مِن وجهِهِ كلُّ خطيئةٍ نَظَرَ إليها بِعَيْنَيْهِ مع الماءِ -أو معَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ-، فإذا غَسَلَ يديهِ خَرَجَ مِن يديهِ كلُّ خطيئةٍ كان بَطَشَتْهَا يداهُ مع الماءِ -أو مع آخرِ قَطْرِ الماءِ-، فإذا غَسَلَ رجليهِ خَرَجَتْ كلُّ خطيئةٍ مَشَتْهَا رجلاهُ مع الماءِ -أو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ-؛ حتَّى يَخْرُجَ نقيًّا مِن الذُّنوبِ».


رواه مسلم برقم: (244)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«خَطِيئة»:
الخطيئة: الذنب على عمد. لسان العرب، لابن منظور (1/ 67).
وقال الفيروز آبادي -رحمه الله-:
الخطيئة: الذَّنب، ‌أو ‌ما ‌تُعُمِّد ‌منه، كالْخِطْء بالكسر، والخطأ ما لم يتعمَّد.القاموس المحيط (ص: 39).

«‌قَطْر»:
بسكون الطاء: إجراء الماء وإنزاله قَطْرَةً قَطْرَةً، والمراد ها هنا: إجراء ماء الوضوء على الأعضاء عند غسلها. المفاتيح، للمظهري (1/ 349).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وهو (قَطْر) جمْع: قطرة أيضًا. الأزهار مخطوط لوح (88).

«بَطَشَتْهَا»:
أي: عَمِلَتْهَا. شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 158).
والبطش: هو الأخذ بعنف، وبطشَتِ اليد: إذا عملت، فهي باطشة. المصباح المنير، للفيومي (1/ 51).
وقال المظهري -رحمه الله-:
البطش: الأخذ، يعني: كل ذنب فعَلَتْهُ يداه من ملامسة النساء المحرمة وغيرها. المفاتيح (1/ 349).


شرح الحديث


 قوله: «إذا توضَّأَ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إذا توضَّأَ» في لفظ: «توضأ» مجاز المشارفة، أي: إذا أراد الوضوء وأشرف عليه؛ وذلك ليصح عطف «فغسل وجهه» إلخ؛ إذْ غَسْلُ الوجه واليدين والرجلين هو الوضوء، وزيادة لفظ: «العبد»؛ لإفادة إخلاص العبادة، أي: إذا توضأ مستشعرًا بأنه عبدٌ مخلص مطيعُ الأوامر. فتح المنعم (2/ 141).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إذا توضأ العبد» أي: المكلَّف حرًّا أو رقيقًا، ذكرًا أو أنثى. دليل الفالحين (6/ 514).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
العبد يتناول الحرَّ؛ لأنه عبد الله، والمرأة؛ لدخولها في التكليف والأجر، ويُخصَّصُ بالصبيُّ والمجنون والسكران، ويخرج الكافر بقيد المسلم والمؤمن. الأزهار، مخطوط، لوح (88).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «العبد المسلم أو المؤمن» تخصيص له بهذا الحكم؛ لأن الوضوء لا يُكَفِّر مع الكفر ذنبًا. المنتقى شرح الموطأ (1/ 72).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والمؤمنة في حكم المؤمن. مرقاة المفاتيح (1/ 345).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أو المؤمن» هو -والله أعلم- شك من الراوي، وفيه: دليل على تحرِّي المجيء بلفظ الحديث؛ لتحَرِّيْه هذا، وإن كانا متقاربين في المعنى، لا سيَّما هنا. إكمال المعلم (2/ 41).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وإنْ كان يلزم من تحقق أحدهما (يعني: الإسلام أو الإيمان) شرعًا تحقُّقُ الآخر. دليل الفالحين (2/ 369).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
ويحتمل: أن يكون تنبيهًا من النبي -صلى الله عليه وسلم- على الترادف، فإنهما يُستعملان مترادفَيْنِ. شرح الموطأ (1/ 157).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
هو شك من المحدِّث، ولا يجوز ذلك من النبي -عليه السلام-، وإنَّما حمل المحدِّث على هذا التحرِّي لألفاظ النبي -صلى الله عليه وسلم-. المسالك (2/ 118).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«المؤمن» أي: المصدق لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- قلبًا وقالبًا. الكوكب الوهاج (5/ 258).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «المؤمن أو المسلم» اختلف علماؤنا هل الإيمان والإسلام اسم واقع على مسمى واحد أم لا؟
فقال أبو المعالي إمام الحرمين الجويني: هما شيئان لا يتم هذا إلا بهذا.
وقال عامة الفقهاء: إنَّ الإسلام والإيمان شيء واحد، بدليل قوله: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية، الذاريات: 35.
وبحديث جبريل أخذ أبو المعالي حين سأله عن الإسلام، وعن الإيمان، ففرَّق بينهما، وبقوله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} الآية، الحجرات: 14، وهي مسألة قد تنازع العلماء فيها، والذي عندي: أنهما شيء واحد. المسالك (2/ 118-119).
وقال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي -حفظه الله-:
إذا اجتمع وصف الإسلام مع الإيمان افترقا، وإذا افترقا كانا مجتمعين، بمعنى: أن دلالتهما واحدة، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا؛ ولذلك قال -سبحانه وتعالى-: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات: 14، فأخبر -سبحانه وتعالى- أن مرتبة الإيمان أعلى من مرتبة الإسلام، وهذا نصٌّ صريح في كتاب الله -عزَّ وجلَّ-؛ ولذلك احتاط الراوي فقال: «العبد المسلم أو المؤمن». شرح سنن الترمذي (4/ 12).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
عبَّر بالعبد إشارة إلى كونه عِبَادة. شرح الموطأ (1/ 157).

قوله: «فغسل وجهَهُ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فغسل وجهه» الفاء تفصيلية. دليل الفالحين (2/ 369).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فغسل وجهه» عطف على «توضأ»؛ عطف تفسير، أو المراد: إذا أراد الوضوء وهو الأوْجَهُ، وفيه: إيماء إلى اعتبار النية المقتضية للمثوبة. مرقاة المفاتيح (1/ 345).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
يُفْهَم منه: أنَّ الغسل لا بد فيه من نقل الماء، ولا يُفْهَم منه: أنَّ غاية الغسل أن يقطر الماء؛ لأنه على الشك، ولهذا جاء: «حتى يسبغ» (يعني: حديث رفاعة: «لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء»). المفهم (1/ 493).

قوله: «خرج من وجهِهِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «خرج» جواب الشرط، والفاء في «فغسل» مرتبة له على الشرط، أي: إذا أراد الوضوء فغسل خرج من وجهه كل خطيئة. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 744).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
يعني: غُفِرَتْ؛ لأن الخطايا هي أفعال وأعراض لا تبقى، فكيف تُوْصَفُ بدخول أو بخروج؟ ولكن الباري لما أوقف المغفرة على الطهارة الكاملة في العضو ضرب لذلك مثلًا بالخروج؛ ولأن الطهارة حكم ثابت استعار له الدخول. عارضة الأحوذي (1/ 10).
وقال العيني -رحمه الله-:
هذه استعارة؛ لأنه شبَّه الخطيئة بالوسخ والدَّرن الذي يتراكب على الجسم، ثم أثبت له على طريق الترشيح ما يلائمه، وهو الخروج الذي بمعنى: الزوال، وجه التشبيه: زوال الدَّرَنِ من الجسم بالماء، والمعنى: تزول الخطيئة عنه عند الغسل، بمعنى: يغفر له وتُمْحَىْ، كما يزول الدَّرَنُ حقيقة من الجسم عند مماسَّة الماء. نخب الأفكار (1/ 326).
وقال السيوطي -رحمه الله- متعقبًا على ابن العربي:
أقولُ: بل الظاهر: حمله على الحقيقة؛ وذلك أن الخطايا تؤثر في الباطن والظاهر، والطهارة تزيله، وشاهد ذلك: ما أخرجه المصنف (يعني: الترمذي) والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ العبد إذا أذنب ذنبًا نُكِتَتْ في قلبه نُكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِلَ قلبه، وإن عاد زادت؛ حتى تعلو قلبَهُ؛ وذلك الرَّان الذي ذكره الله في القرآن: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المطففين:14».
وأخرج أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من الجنة، وكان أشد بياضًا من الثلج، وإنما سوَّدَتْه خطايا المشركين»؛ فإذا أثَّرَتِ الخطايا في الحجر، ففي جسد فاعلها أولى، فإما أن يُقَدَّرَ: خرج من وجهه أثر كل خطيئة، أي: السواد الذي أحدثته، وإما أن يقال: إن الخطيئة نفسها تتعلق بالبدن، على أنها جسم لا عَرَض (يعني: لا صفة) بناء على إثبات عالم المثال؛ ولهذا صح عرْض الأعراض على آدم -عليه السلام- ثم على الملائكة: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} البقرة: 31، وإلا فكيف يُتَصَوَّر عرْض الأعراض لو لم يكن لها صورة تتشخَّصُ بها؟...
ومن شواهده في الخطايا: ما أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنَّ العبد إذا قام يصلي أُتِيَ بذنوبه؛ فَجُعِلَتْ على رأسه وعاتِقَيْه، كلما ركع وسجد تساقطت عنه»، وأخرج البزار والطبراني عن سلمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كُلَّمَا سجد تَحَاتَّت عنه». قوت المغتذي (1/ 31-34).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله- متعقبًا السيوطي:
قلت: لا شك في أنَّ الظاهر هو حمله على الحقيقة، وأما إثبات عالم المثال فعندي فيه نظر، فتفكَّر. تحفة الأحوذي (1/ 26).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لا داعي لدعوى المجاز، بل الظاهر: حمله على الحقيقة، ولا مانع من تجسُّد الخطايا، وخروجها مع الماء، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذيّ عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نَزَل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوّدَتْه خطايا بني آدم» قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، فقد ثبت تجسُّد الذنوب، وتسويده للحجر الأسود، فتبصَّر -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (6/ 298).

قوله: «كلُّ خَطِيئةٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «كل خطيئة» أي: إثم، من خَطِئ في دينه خِطْئًا -بكسر الخاء، وسكون الطاء- إذا أَثِمَ فيه، والخِطْءُ: الذنب. نخب الأفكار (1/ 325).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بالخطايا: الصغائر دون الكبائر، وكما في الحديث الآخر: «ما لم تَغْشَ الكبائر». شرح صحيح مسلم (3/ 133).

قوله: «نَظَرَ إليها»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «نظر إليها» أي: نظر إلى سببها، إطلاقًا لاسم المسبب على السبب مبالغة، وكذا في البواقي. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 744).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «نظر إليها» أي: إلى الخطيئة، أي: إلى ما تَحْصُل بِهِ الخطيئة كالعورة، وما يحرم النظر إليه. لمعات التنقيح (2/ 14).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
ولا يختصُّ ذلك بالنساء، بل يعمُّ كل حرام، كالنظر إلى المنكر بدون الإنكار. الأزهار، مخطوط، لوح (88).

قوله: «مع الماءِ، أو ‌مع ‌آخرِ ‌قَطْرِ الماءِ»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «مع الماء أو مع آخر قطر الماء» هو شك أيضًا. شرح صحيح مسلم (3/ 133).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مع الماء» أي: مع انفصاله، والجملة المجرورة المحل: صفة الخطيئة مجازًا، وكذا أخواته. مرقاة المفاتيح (1/ 345).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المعنى هنا: أنَّ الخطيئة تخرج مع النقطة الأخيرة التي تتساقط من غسل وجهه -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (6/ 297).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ذكر لكل عضو ما يختصُّ به من الذنوب، وما يزيلها عن ذلك العضو، والوجه مشتمل على العين والفم والأنف والأذن، فلمَ خُصَّت بالذكر دونها؟
قلتُ: العين طليعة القلب ورائدُهُ، فإذا ذُكِرَتْ أغنتْ عن سائرها، ويعضد هذا التأويل حديث عبد الله الصنابحي: «فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه». الكاشف عن حقائق السنن (3/ 744).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- متعقبًا الطيبي:
جعْل الأذن من الوجه غير صحيح عندنا، بل هي ليست من الوجه، ولا من الرأس، وخبر: «الأذنان من الرأس» ضعيف، وكون العين طليعة لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة، كما هو جَلِيٌّ، بل كلًّا من الفم والأنف والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه، فكانت متكلَّفة بإخراج خطاياه، بخلاف العين، فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه، فحُطَّت خطيئتُها عند غسله دون غيرها مما ذُكِرَ، فتأمَّلْهُ. فتح الإله (2/164).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
إنَّما ذكره بعضًا من كلٍّ، وجزءًا من جملة؛ ليدل بذلك على الباقي، فإنَّه كما تخرج الخطايا التي نظر إليها بعينيه، كذلك تخرج الخطايا التي نَشَقَها بأنفه، والتي نطقها بِفِيْهِ، وعلى هذا المعنى قصد المؤمن بهذا الحديث أن يكون وجوب المضمضة والاستنشاق أجلى من كونها سنة. الإفصاح (8/ 88).

قوله: «فإذا غَسَلَ يديهِ خَرَجَ مِن يديهِ كلُّ خطيئةٍ كان بَطَشَتْهَا يداهُ مع الماءِ -أو مع آخرِ قَطْرِ الماءِ-»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بطشتها» من البطْش، وهو: السطوة والأخذ بالعنف. نخب الأفكار (1/ 325).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «بطشتها يداه» «ومشتها رجلاه» معناه: اكتسبتها. شرح صحيح مسلم (3/ 133).
وقال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي -حفظه الله-:
قوله: «بطشتها يداه» يشمل ما يكون من الضرب، وما يكون من الكتابة، وغير ذلك من الأفعال المحرمة التي تكون بجارحة اليد، ولا يختصُّ الأمر بالبطش، ولكن ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بطش اليد؛ لأنه من أعظم ذنوبها؛ لما فيه من الاعتداء على الغير.
ولكن هنا إشكال: وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل خطيئة بطشتها يداه» مع أن الإنسان إذا اعتدى على الغير فإن حق صاحب الحق يبقى، وإن تاب.
وأجيب: بأن هذا يختصُّ بحقِّ الله دون حقِّ المخلوق. شرح سنن الترمذي (4/ 16).

قوله: «فإذا غَسَلَ رجليهِ خَرَجَتْ كلُّ خطيئةٍ مَشَتْهَا رجلاهُ مع الماءِ -أو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ-»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
الضمير في «مشتها» راجع إلى خطيئة، ونُصِبَ بنزع الخافض، أو يكون مصدرًا، أي: مَشَتِ الْمَشْيَة، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «واجعله الوارث منَّا» أي: اجعل الجعل، و«بعينيه»، و«يداه»، و«رجلاه» كلها تأكيدات تفيد مبالغة في الإزالة. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 744-745).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «مشتها» أي: مشت إليها، فحذف (إلى). المفاتيح (1/ 349).

قوله: «حتَّى يخرج نقيًّا مِن الذُّنوبِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«حتى يخرج نَقِيًّا» أي: يفرغ المتوضِّئُ من وضوئه طاهرًا «من الذنوب». شرح المصابيح (1/ 229).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«نقيًّا» أي: طاهرًا، يعني: التوضؤ يُطَهِّر الرجل من صغائر الذنوب. المفاتيح (1/ 349).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«من الذنوب» أي: من الخطايا التي اكتسبها بهذه الأعضاء، والحديث يدل على أنَّ المغفور ذنوب أعضاء الوضوء. شرح المصابيح (1/ 229).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذكر هنا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة من رواية مالك خروج خطايا الوجه وسائر خطايا الأعضاء منها، ولم يذكر من حيث تخرج من مسامها؟ إلا قوله في حديث عثمان: «حتى تخرج من تحت أظفاره»، وقد وقع في الموطأ مفسرًا خروجها عند المضمضة من فِيْهِ، وعند الاستنشاق خروجها من أنفه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وفي يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، وفي رأسه حتى تخرج من أذنيه، وفي رجليه حتى تخرج من أظفار رجليه، فعلى ما في كتاب مسلم يُتَأَوَّل أن المغفور له بالوضوء الخطايا المختصَّة بأعضاء الوضوء، ولكن قوله في أخرى: «حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» ظاهره العموم، ويحتمل الخصوص؛ لما ذكرنا، أو يكون العموم بقرائن من الإخلاص والإحسان. إكمال المعلم (2/ 41-42).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد استدل أبو حنيفة -رحمه الله- بهذا الحديث على نجاسة الماء المستعمل، ولا حجة له فيه لما ذكرناه (يعني: من أن خروج الذنوب استعارة)، وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهر مطهر غير أنه يكره استعماله مع وجود غيره؛ للخلاف فيه، وعند أصبغ بن الفرج: أنه طاهر غير مطهر، وقيل: إنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، وقد سماه بعضهم: ماء الذنوب. المفهم (1/ 493).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الصحيح: أن الماء المستعمل طاهر مطهر؛ لأن الله تعالى قال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} الفرقان: 48، ولا يُزَالُ عنه اسم الطّهوريَّة إلا بنجاسة جاء النص أو الإجماع بها. البحر المحيط الثجاج (6/ 300).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على الرافضة، وإبطال لقولهم: الواجب مسح الرجلين. شرح صحيح مسلم (3/ 133).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فيه تكفير الخطايا بالوضوء، وأنَّ أعمال البِرِّ تُكفِّر الذنوب بها، كما أخبر -عليه السلام- أن الذنوب تقطر مع قطر الماء، والذنوب ليست لها أشخاص وأعلام ظاهرة يُرَى سقوطها، فثبت أن الغسل لهذه الأعضاء في الوضوء إنما هو من دَنَسٍ باطن، لا من دَنَسٍ ظاهر للعيون في وقت الغسل، ولا يعلم ذلك؛ لأن الأمر بغسل الدَّنَسِ الظاهر من هذه الأعضاء، ومن سائر الجسد، فلما خُصَّت هذه الأعضاء بالذكر، عُلِمَ أنه لم يَرِدْ به غسل الدَّنَسِ الظاهر، وإنما المراد به: غسل هذه الجوارح مما اجترحت من الخطايا والذنوب بالتوبة الصادقة النافية لها عن مكانها، المزعجة لها عن أوطانها، ولا يخرج ساكن الدار عن داره إلا من هو أقوى منه، فهذا طهر القلب ظهرت طهارته على الجوارح، وإذا تَدَنَّسَ ظهر تدنيسه عليها، وطهارة القلب لا تكون إلا بالتوبة الصادقة، وَجَدِّ (أي: قطع) الإصرار، ودوام الحزن والانكسار. المسالك (2/ 119).
وقال العيني -رحمه الله-:
يُستفاد منه أحكام:
الأول: أنَّ المراد من قوله: «كل خطيئة»: الصغائر لا الكبائر، وإنْ كانت الخطيئة تتناول الكُل؛ وذلك لأن الكبائر لا تُكفِّرها إلَّا التوبة، أو رحمة الله تعالى...
الثاني: أنَّ قوله: «فإذا غسل رجليه» نصٌّ صريح أنَّ وظيفة الرجلين الغسل؛ ولهذا قال في رواية مسلم: «مع الماء أو مع آخر قطر الماء»، وإنما ذكر ذلك عند غسل الوجه وغسل اليدين وغسل الرجلين، ولم يذكر شيئًا في مسح الرأس؛ لأنه غير الغسل...
الثالث: أنَّ ظاهر الحديث يدل على أنَّ تلك الفضيلة تحصل له وإنْ لم يصلِّ بذلك الوضوء شيئًا من الصلوات.
وفيه: دليل على أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإنْ لم يصلِّ به.
والدليل عليه: ما روى البخاري بإسناده عن أسامة بن زيد أنه قال: «دفع رسول الله -عليه السلام- من عرفة حتى نزل بالشعب، فبالَ ثم توضأ، ولم يُسبغ الوضوء، فقلتُ: الصلاة يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء إلى المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلى ولم يُصَلِّ بينهما».
فهذا يدل على أن وضوءه -عليه السلام- أوّلًا ما كان لأجل الصلاة، وإنما كان لتحصيل الطُّهر والتَّقرُّب؛ ولهذا كان -عليه السلام- يُقَدِّمُ الطهارة إذا أوى إلى فراشه؛ ليكون مَبيتُه على طهر. نخب الأفكار (1/ 326-327).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ كل من اعتقد أنَّ خطاياه وذنوبه كلها تسقط مع وضوئه، فهو فاسد السريرة، مُصِرٌّ على كل كبيرة، فإن كان جاهلًا فينبغي أن يتعلم، ويتوب إلى الله من جهله، وإن كان عالِمًا، فإنما هو للناس فتنة وبلاء وسخط، وأنا أبرأ إلى الله تعالى منه، ونسأله التوبة من فضله وطَوله.
واعلم أن مدار الأعمال إنما هو على القلب، وأن تحقُّق النجاسة والطهور والعمى والبصائر إنما هو في القلب، كما قال بعض الحكماء: القصد بالقلوب أبلغ من حركات الجوارح. المسالك (2/ 119-120).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضل الوضوء، وأنه يمحو خطايا الجوارح، ويُكَفِّر الذنوب. تطريز رياض الصالحين (ص: 108).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وفيه: تنبيهٌ أنَّ للذنب أثرًا في (غير) المباشر، وفي العضو المباشر أكثر وأَدْوَمُ. الأزهار، مخطوط، لوح (88).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُؤخَذ من الحديث:
أخذ منه بعضهم ترك الوضوء بالماء المستعمل، فإنه ماء قد حمل الذنوب، وهو عند أبي حنيفة: نجس، وعند الشافعية: طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وعند المالكية: فيه أقوال أربعة:
الأول: الطهورية، لكن يستحب تركه مع وجود غيره.
الثاني: عدم الطهورية.
الثالث: الكراهة.
الرابع: مشكوك فيه يجمع بينه وبين التيمم -والله أعلم-. فتح المنعم (2/ 142).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان خروج الخطايا مع ماء الوضوء، وقد أسْلَفْتُ أنَّ خروجها على ظاهره، ولا داعي لدعوى المجاز، فتنبَّه -والله تعالى أعلم-.
ومنها: بيان احتياط الرواة في أداء الحديث بلفظه، بحيث إنهم إذا شكوا في لفظة ذكروها بعبارتين مما تردَّد في أذهانهم حتى تؤدى على وجهها بأحد المحتملين، وهذا من شدة ورعهم، وحرصهم في المحافظة على أداء ما سمعوه كما سمعوه، حتى ينالهم دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بقوله: «نضَّر الله امرءًا سمع منا شيئًا، فبلَّغه كما سمع، فرب مُبَلَّغ أَوْعَى من سامع»، وفي لفظ: «نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها...»، وفي رواية: «فأدَّاها كما سمعها...» الحديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ومنها: بيان أنَّ الواجب في الوضوء غسل الرجلين، لا المسح.
ومنها: الرَّدُّ على الرافضة، وإبطال قولهم: الواجب مسح الرجلين.
ومنها: بيان أن كل عضو يطهر بانفراده؛ لأن خروج الخطايا منه فرع طهارته بنفسه.
ومنها: أن ظاهر قوله: «خرج من وجهه»، «وخرج من يديه»، «وخرجت كل خطيئة مشَتْهَا رجلاه» يدل على أن التكفير يختص بأعضاء الوضوء فقط، وبهذا قال بعضهم، لكن قوله في آخر الحديث: «حتى يخرج نقيًّا من الذنوب» ظاهرٌ في تكفير عموم ذنوب بقية الأعضاء، ويؤيد الأول حديث عمرو بن عَبَسَة -رضي الله عنه- الطويل الآتي للمصنف (يعني: مسلمًا) في كتاب الصلاة، وفيه: «فقلتُ: يا نبي الله، فالوضوء حدثني عنه، قال: ما منكم رجل يُقرِّب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر، إلا خرجت خطايا وجهه وفِيْهِ وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرَّغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» فظاهر هذا الحديث يدل على أن تكفير جميع الذنوب بالصلاة، ويؤيد الثاني ما تقدم للمصنف (يعني: مسلمًا) برقم (229) من حديث عثمان -رضي الله عنه-، قال -بعد أن توضأ-: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ هكذا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة»؛ فإن هذا ظاهر في تكفير الوضوء جميع ذنوبه.
(و) يمكن أنْ يجمع بين هذه الأحاديث باختلاف الأحوال والأشخاص، فرُبَّ شخص يكون إخلاصه ومراقبته لله -عزَّ وجلَّ- أتم، فتكفر ذنوبه بوضوئه، وتكون صلاته ومشيه إلى المسجد في زيادة الدرجات، ورب شخص لا يكون كذلك، فيكون تمام تكفير ذنوبه بالوضوء والصلاة -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (6/ 299-300).
وقال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي -حفظه الله-:
فيه مسائل:
المسألة الأولى: دلّ على فضل الوضوء، وهذا من خصوصيات الوضوء كما قدّمنا، وألحق بعض العلماء: طهارة الغسل...
المسألة الثانية: هذا الفضل الذي اشتمل عليه هذا الحديث يعمُّ الوضوء؛ سواءً كان واجبًا أو كان غير واجب؛ فمن توضّأ للفريضة فإن له هذا الفضل، وكذلك لو توضَّأ على سبيل الاستحباب والسُّنِّيَّة فإنه يشمله هذا الفضل.
المسألة الثالثة: هل يلتحق بالوضوء الغسل من الجنابة أو لا يلتحق؟
فظاهر قول بعض العلماء: إن الغسل من الجنابة إذا نوى العبد فيه اندراج الوضوء فإنه يشمله هذا الفضل؛ وذلك لأن من اغتسل من الجنابة يجزئه عن وضوئه، فحينئذٍ يتحقق له الفضل بغسل الأعضاء، كما لو غسلها في الوضوء. شرح سنن الترمذي (4/ 11).
وقال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي -حفظه الله- أيضًا:
فيه دليل على أنَّ أعظم الجوارح في الوجه جارحة النظر؛ ولذلك قال العلماء -رحمهم الله-: إنَّ جارحة النظر تُفْتَن بها القلوب؛ ولذلك الفتنة فيها أشد من غيرها؛ ولذلك خصَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- البصر، حتى قال بعض العلماء في قوله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} الإسراء: 36، قال: إنَّ الله ذكر البصر وخصَّه من أعضاء الوجه؛ فدل على عظيم ما يأتي من الذنوب؛ وذلك أنَّ الإنسان إذا أطلق لعينيه العنان، وأخذ يتلفَّت هنا وهناك لا يبالي بما يرى من حدود الله ومحارم الله- أصابته الفتنة في قلبه؛ لأنَّ النظر سهم من سهام الشيطان، يتوصل به إلى إغواء الجَنان. شرح سنن الترمذي (4/ 14).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ