«إنَّ المُقْسِطِينَ عندَ اللهِ على مَنَابِرَ مِن نورٍ، عن يمينِ الرَّحمنِ -عزَّ وجلَّ-، وكِلْتَا يديهِ يمينٌ، الذين يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا».
رواه مسلم برقم: (1827)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«المُقْسِطِينَ»:
المُقْسِطُ: هو العادلُ. يُقال: أَقْسَطَ يُقْسِطُ، فهو مُقْسِطٌ إذا عَدَلَ.. لسان العرب، لابن منظور(7/ 377)
«مَنَابِر»:
المِنبرُ: مِرْقاةُ الخاطبِ، وسُمِّيَ مِنبرًا لارتفاعِه وعلوِّه. لسان العرب، للجوهري(5/ 189)
«وَلُوا»:
وَليَ الشَّيءَ وولِيَ عليه وِلايةً... والوِلايةُ – بالكسر – السُّلطانُ. لسان العرب، لابن منظور(15/ 407)
وقال الطيبي -رحمه الله-:
بفتح الواو، وضم اللام المُخففة، أي: كانت لهم عليهم ولاية. الكاشف عن حقائق السنن(8/ 2572).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ المُقْسِطِينَ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
المقسطون: العادلون، وقد فسَّره آخر الحديث بقوله: «الذين يعدلون في حُكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا». إكمال المعلم (6/ 227).
قوله: «عندَ اللهِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «عند الله» خبر «إن» أي: المقسطين مُقرَّبون عند الله تعالى. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2571).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«عند الله» عندية شرف ومكانة. دليل الفالحين (5/ 123).
قوله: «على منابِرَ مِن نُورٍ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «على منابر من نور» في محل الحال من الضمير المستقر فيه، أو خبر بعد خبر، أو هو خبر، والظرف قبله (عند الله) حال من الضمير المستقر فيه، و«من نور» صفة منابر مخصصة لبيان الحقيقة، ويجوز أنْ يكون حالًا بعد حال على التداخل. دليل الفالحين (5/ 123).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أصل تسمية المنبر لارتفاعه، فيحتمل: أنْ يكون «منابر» كما ذكر على وجهها، أو منازل رفيعة، وأماكن عليَّة، كما جاء في الحديث الآخر: «يجيء يوم القيامة على تَلٍّ»، وفي آخر: «على كَوْمٍ». إكمال المعلم (6/ 227).
وقال النووي -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: الظاهر الأول، ويكون متضمنًا للمنازل الرفيعة، فهم على منابر حقيقة، ومنازلهم رفيعة. شرح صحيح مسلم (12/ 211).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ويحتمل: أنْ يكون عبَّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة. المفهم (4/ 22).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقبًا القرطبي:
لا داعي للاحتمال الذي ذكره، بل الظاهر من معنى الحديث معنى صحيح، لا يحتاج إلى العدول عنه، فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- يكرمهم يوم القيامة بالجلوس على المنابر من نور؛ ليراهم الخلق، ويعترف بفضلهم، وعلو شأنهم عند ربهم، {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} البقرة: 105. البحر المحيط الثجاج (31/ 715).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من نور» من أجسام نورانية حقيقة. فيض القدير (2/ 391).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
المعنى: إنَّ العادلين في حُكمهم بين الرعية مُقربون إلى الله تعالى، ومُكرمون لديه، ومرتفعون على أماكن ساطعة النور؛ حتى كأنها مخلوقة من النور، وهو كناية عن حسن حالهم هناك، وعلو مراتبهم. الكوكب الوهاج (20/ 18).
قوله: «عن يَمينِ الرحمنِ -عزَّ وجلَّ-»:
قال الشيخ البراك -رحمه الله-:
قوله: «عن يمين الرحمن» أي: يَلُوْنَ يده اليمين، بدليل قوله: «وكلتا يديه يمين»، ومعنى يمين: أي: ذات يُمْنٍ وخير وبركة، وفي ذلك احتراز لدفع توهُّم النَّقص في اليد الأخرى، ولله تعالى يدان، ونطق القرآن بإثبات اليمين؛ كما قال تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} الزمر: 67. شرح الرسالة التدمرية (ص: 251).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا القرطبي:
مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأهل الحديث قاطبة إثبات جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة على ظاهرها، منزِّهين الله تعالى عن مشابهة خلقه له، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، والله -سبحانه وتعالى- الهادي إلى سواء السبيل. البحر المحيط الثجاج (31/ 716).
قوله: «وكِلْتَا يديِهِ يَمينٌ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وكلتا يديه يمين» هذا يقتضي أنَّه ليس هناك يد يمين ويد شمال، ولكن قد روى مسلم في صحيحه إثبات الشمال لله تعالى، فإذا كانت محفوظة فهي عندي لا تنافي «كلتا يديه يمين»؛ لأنَّ المعنى: أنَّ اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: «كلتا يديه يمين» أي: ليس فيهما نقص، فلما كان الوهم ربما يذهب إلى أنَّ إثبات الشمال يعني النقص في هذه اليد دون الأخرى، قال: «كلتا يديه يمين»، ويؤيده قوله: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن»؛ فإنَّ المقصود: بيان فضلهم ومرتبتهم، وأنهم على يمين الرحمن سبحانه.
وعلى كل: فإنَّ يديه سبحانه اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى وإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال، فليس المراد: أنها أنقص من اليد اليمنى، بل كلتا يديه يمين، والواجب علينا أنْ نقول: إنْ ثبتت عن رسول الله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- نؤمن بها، وإنْ لم تثبت فنقول: كلتا يديه يمين. مجموع الفتاوى (1/ 165).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وكلتا يديه يمين» هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت، ولا نكيِّفُها، وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار الصحيحة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2571).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد جاء ذكر اليدين في عدة أحاديث، ويذكر فيها أن كلتاهما يمين، مع تفضيل اليمين، قال غير واحد من العلماء: لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص، فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة، ناقصة في الفعل، بحيث تفعل بمياسرها كل ما يُذَمُّ -كما يباشر بيده اليسرى النجاسات والأقذار- بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ كلتا يمين الرب مباركة، ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه، كما في صفات المخلوقين، مع أن اليمين أفضلهما، كما في حديث آدم قال: «اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة»؛ فإنه لا نقصٌ في صفاته، ولا ذمٌّ في أفعاله، بل أفعاله كلها إما فضل، وإما عدل. مجموع الفتاوى (17/ 92-93).
قوله: «الذينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهم»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«الذين يعدلون في حكمهم...» صفة المقسطين، أو خبر محذوف، أي: الممدوحون، أو مفعول أمدح مقدرًا، و«في حكمهم» صلة «يعدلون». دليل الفالحين (5/ 123).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «الذين يعدلون...» إلى آخره، بيان للمقسطين، وكشف لأحوالهم. تحفة الأبرار (2/ 551).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قال العاقولي: أي: إنَّ هذا الفضل إنما هو لذي العدل فيما قلّده من دنيوي أو أخروي، كلي أو جزئي في أهله وغيره. دليل الفالحين (5/ 123).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أحسن ما فُسِّرَ به العادل: أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط. فتح الباري (2/ 145).
قوله: «وأَهْلِيهِم»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وأهليهم» أي: فيما يجب لأهله عليه من الحقوق. شرح المصابيح (4/ 258).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وأهلهم» أي: وفي القيام بالواجب لأهلهم من الحقوق، على أي تفسير فُسِّرَ الأهل من أزواج وأولاد وأَرِقَّاء وأقارب وأصحاب، أو المجموع. فيض القدير (2/ 391).
قوله: «وما ولُوا»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ولُوا» فبفتح الواو، وضم اللام المخففة، أي: كانت لهم عليه ولاية. شرح صحيح مسلم (12/ 211).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
ويعدلون فيمن ولوا، أي: ملكوه من العبيد والإماء، في بذل النفقة والكسوة، والاستعمال فيما يطيق، وفيمن ولوا بتزويجها بترك العضل والمنع. الأزهار، مخطوط، لوح (343).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قدَّم قوله: «في حكمهم» ليشمل مَن بيده أَزِمَّةُ الشرع، ثم أردفه بالأهل لتناول كل مَن في مؤونته أقارب أو عيال، وختم بقوله: «وما ولوا» ليستوعب كل مَن تولى شيئًا من الأمور، فيشمل نفسه بأنْ لا يضيع وقته في غير ما أمر به. فيض القدير (2/ 391).
وقال النووي -رحمه الله-:
إنَّ هذا الفضل إنما هو لمن عَدل فيما تقلَّدَهُ من خلافة أو إِمارة أو قضاء أو حُسبة، أو نظر على يتيم، أو صدقة، أو وقف، وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله، ونحو ذلك -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (12/ 212).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا دليل على فضل العدل في الأهل، وكذلك في الأولاد، وكذلك أيضًا في كل من ولَّاك الله عليه، اعدل حتى تكون على منبر من نور عن يمين الله -عز وجل- يوم القيامة. شرح رياض الصالحين (3/ 646).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان فضل الحاكم العادل في حكمه.
ومنها: فضل العدل في الأهل والأولاد؛ وذلك بالقيام بما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وزجرهم عما يضر بهم دينًا، ودنيا.
ومنها: إثبات صفة اليمين لله على ما يليق بجلاله، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى: 11 -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (31/ 719).