الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه سُئلَ: أي الأعمالِ أفضلُ؟ قال: إيمانٌ باللهِ وحدَهُ، ثم الجهادُ، ثم حِجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سائِرَ العملِ كما بينَ مَطلَعِ الشمسِ إلى مغربِها».


رواه أحمد برقم: (19010)، والطبراني في الكبير برقم: (809)، من حديث ماعز -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1091)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1103). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بَرَّةٌ»:
بفتح موحدة، وتشديد راء، أي: مبرورة، يعني: مقبولة أو لم يخالطها إثم، أو لا رياء فيها. حاشية السندي على مسند أحمد (4/416)، والتيسير، للمناوي (1/ 181).
وقال المطرزي -رحمه لله-:
«البِرّ» الصلاح، وقيل: الخير، قال شِمْر: ولا أعلم تفسيرًا أجمعَ منه، قال: «والحَجّ المبرور» الذي لا يخالطه شيءٌ من المآثِم. المغرب (1/ 69).


شرح الحديث


قوله: «عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه سُئلَ: أي الأعمالِ أفضلُ؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أي الأعمال أفضل؟» ... «أي» هنا استفهامية، ولا تستعمل إلا مضافة، وهي هنا مضافة إلى الأعمال، و«أفضل» اسم تفضيل من فَضَل يفضُل من باب: نصر، ويقال: فَضِل يفضَل، من باب: سمع يسمع، حكاها ابن السكيت، وفيه لغة ثالثة، فضِل يفضُل بكسر العين في الماضي، وضمها في المضارع، وهي من باب تداخل اللغتين، وليست لغة مستقلة، يقال: فضل فضلًا: زاد، والفضل والفضيلة: الخير، وهو خلاف النقص والنقيصة.
فإن قلتَ: إنَّ أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة: الإضافة، واللام، و(مِن) فلا يقال: زيد أفضل، فكيف جاز هنا؟
أجيب: بأنه يجوز استعماله مجردًا إذا عُلِمَ، نحو: الله أكبر، أي: أكبر من كل شيء، ومنه قوله تعالى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} طه: 7، وقوله: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} البقرة: 61 الآية -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (2/ 628-629).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: أيُّ أنواعه من عمل الباطن والظاهر «أفضل» أي: وفي الثواب أكمل؟ مرقاة المفاتيح (6/ 2214).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
سؤاله ‌عن ‌أفضل ‌الأعمال: طلبًا لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصًا على علم الأصل؛ ليتأكد القصد إليه، وتشتد المحافظة عليه. إحكام الأحكام (1/ 162).

قوله: «قال: إيمانٌ باللهِ وحدَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفضل الأعمال وأساسها «إيمان بالله» -سبحانه وتعالى-، أي: تصديق بوجوده وبوحدانيته وبألوهيته، وبجميع صفاته. الكوكب الوهاج (3/ 8).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌إيمانٌ ‌باللهِ»: نَكَّرَ الإيمان؛ ليُشعر بالتعظيم والتفخيم، أي: التصديق المقارن بالإخلاص، المستتبع للأعمال الصالحة. إرشاد الساري (3/ 96).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا هو أفضلها على الإطلاق؛ فإنَّه لا يخرج من النار قدر مثقال ذرة، أو أدنى منه سواه من ‌الأعمال. التنوير (2/ 544).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الإيمانُ لا بُدَّ فيه من تَصديقِ القَلبِ وعَملِه، وهذا معنى قولِ السَّلف: الإيمانُ قولٌ وعملٌ. ثمَّ إنَّه إذا تحقَّقَ القلبُ بالتَّصديقِ والمحبَّةِ التَّامَّةِ المتضمِّنةِ للإرادةِ، لَزمَ وجودُ الأفعالِ الظاهرةِ؛ فإنَّ الإرادةَ الجازِمةَ إذا اقترنَتْ بها القُدرةُ التامَّةُ، لَزمَ وجودُ المرادِ قطعًا. الفتاوى الكبرى(5/ 234).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضاً:
القلبُ إذا صَلَحَ بالإيمانِ، صَلَحَ الجسدُ بالإسلامِ، وهو من الإيمانِ؛ يدلُّ على ذلك أنَّه قال في حديثِ جبرائيل: «هذا جبريلُ جاءكم يُعلِّمكم دِينكم». فجعل الدِّينَ هو: الإسلامَ، والإيمانَ، والإحسانَ. فتبيَّن أنَّ دينَنا يجمعُ الثلاثة. الإيمان(ص: 11).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«إيمانٌ باللهِ» فهو رأس الأمر، والأعمال بعده على مراتبها ومنازلها، والإيمان له ركنان:
أحدهما: معرفة ما جاء به الرسول، والعلم به.
والثاني: تصديقه بالقول والعمل.
والتصديق بدون العلم والمعرفة محال؛ فإنه فرع العلم بالشيء المصدق به. مفتاح دار السعادة (1/ 223).
وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
فهذا وجه ظاهر، لا إشكال فيه؛ فإنَّ الإيمان بالله ورسوله أفضل ‌الأعمال مطلقًا، وسمى الشهادتين مع التصديق بهما عملًا؛ لما في ذلك من عمل القلب واللسان. فتح الباري (4/ 212).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«قال: إيمان بالله» فجعله من العمل، وفيه الرد على المرجئة الذين يقولون: ‌الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمَّى الإيمان عملًا، بل جعله والجهاد ‌أفضل ‌الأعمال. شرح صحيح ابن حبان (9/ 3).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله (أبو العباس القرطبي) : "وقد بيَّنا أنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب" فيه ما تقدم غير مرَّة أنَّ الحق: أنَّ الإيمان ليس مجرد التصديق القلبي فقط، بل يتناول الأعمال أيضًا، فتنبه لذلك، وراجع لذلك كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، فإنه قد ردَّ على مَن زعم أنَّ الإيمان هو مجرد التصديق، وأطال النفس في ذلك، وناقش القائلين بذلك، وغلطهم، وبيَّن أنَّ الإيمان في اللغة أعم من مجرد التصديق، وأنَّ العمل داخل في مسماهُ -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (2/ 629-630).

قوله: «ثم الجهادُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الجهاد» بالكسر: مصدر جاهد يجاهد جهادًا، ومجاهدةً، وهو من الجَهد بالفتح، وهو المشقة، وهو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى. البحر المحيط الثجاج (2/ 630).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
إنَّما قَرَن الجهاد بالإيمان؛ لأنه كان علَّمهم أنْ يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل ‌الأعمال. الكواكب الدراري (11/ 75).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: فلم عَرَّفَ الجهاد ونكَّر الإيمان والحج؟
قلتُ: لا فرق بين مُؤَدَّىْ المعرفة بالتعريف الجنسي، وَمُؤَدَّىْ النكرة؛ ولقرب المسافة بين أنْ يعرِّف الاسم بهذا التعريف، وبين أنْ يُترَك غير معرف به يعامل معرفه معاملة غير الْمُعرَّف، قال:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
والمعنى: ولقد أمر على لئيمٍ يسبني؛ ولذلك يقدر: يسبني وصفًا لا حالًا، هذا من جهة النحو، وأما من جهة المعاني فهو أنَّ الإيمان والحج لا يتكرر وجوبه بخلاف الجهاد، فإنَّه قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل -والله أعلم-. الكواكب الدراري (1/ 127).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنَّما جعل الجهاد في هذا الحديث أفضل من الحج؛ لأن ذلك كان في أول الإسلام وقِلَّتِهِ، وكان الجهاد فرضًا مُتَعَيِّنًا على كل أحد، فأما إذ ظهر الإسلام، وفشا، وصار الجهاد من فروض الكفاية على مَن قام به، فالحج حينئذٍ أفضل؛ ألا ترى قوله لعائشة: «إنَّ أفضل جهادكن الحج»، لما لم يَكُنَّ من أهل القتال والجهاد للمشركين، فإن حل العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه، وكان له ظهور وقوة وخيف منه؛ توجه فرض الجهاد على العيان، وكان أفضل من الحج. شرح صحيح البخاري (4/ 190).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
إنَّما كان الجهاد من أفضل ‌الأعمال؛ لما فيه من بذل النفس في ذات الله تعالى، ومَن بَذَلَ نفسه في ذات الله تعالى، فقد بلغ الغاية التي لا يُقْدَر على أكثر منها؛ ولذلك جازى الله الشهداء الذين قتلوا في سبيله بحياة الأبد، فقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران 169-170. رياض الأفهام (5/ 536).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إنَّما قدَّم الجهاد على الحج مع أنَّه فرض كفاية، والحج فرض عين؛ لأنَّه كان أول الإسلام، ومحاربة أعدائه، والجد في إظهاره، وقيل: هو محمول على الجهاد في وقت الزحف الْمُلْجِئِ، والنفير العام، فإنه حينئذٍ يجب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم من الحج؛ لأنه يكون حينئذٍ فرض عين، ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر، فكان أهم منه، وقيل: قُدِّمَ لأن نفع الجهاد مُتعدٍّ؛ لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين، مع بذل النفس فيه بخلاف الحج فيهما؛ لأن نفعه قاصر، ولا يكون فيه بذل النفس، وقيل: «ثم» ها هنا للترتيب في الذكر، كقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} الآية البلد: 17، فإنه من المعلوم أنَّه ليس المراد ها هنا الترتيب في الفعل. ذخيرة العقبى (23/ 308-309).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا الحديث: أنَّ الجهاد ‌أفضل من سائر ‌الأعمال بعد الإيمان، وظاهر حديث أبي ذر: أنَّ الجهاد مساوٍ للإيمان في الفضل، وظاهر حديث ابن مسعود يخالفهما؛ لأنه أخَّر الجهاد عن الصلاة، وعن بر الوالدين، وليس هذا بتناقض؛ لأنه إنما اختلفت أجوبته لاختلاف أحوال السائلين؛ وذلك أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يجيب كل سائل بالأفضل في حقه، وبالمتأكد في حقه؛ فمَن كان متأهلًا للجهاد، وراغبًا فيه كان الجهاد في حقه أفضل من الصلاة وغيرها، وقد يكون هذا الصالح للجهاد له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، ولو تركهما لضاعا؛ فيكون بر الوالدين في حقه أفضل من الجهاد، كما قد استأذن رجل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد، وهكذا سائر الأعمال.
وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك في وقت استيلاء العدو، وغلبته على المسلمين؛ كحال هذا الزمان، فلا يخفى على مَن له أدنى بصيرة أنَّ الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال؛ لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء، شرقًا وغربًا، جبر الله صدعنا، وجدد نصرنا.
والحاصل من هذا البحث: أنَّ تلك الأفضلية تختلف بحسب الأشخاص والأحوال، ولا بُعد في ذلك، فأما تفصيل هذه القواعد من حيث هي، فعلى ما تقدم في حديث ابن عمر الذي قال فيه: «بُنِيَ الإسلام على خمس» -والله أعلم-. المفهم (1/ 275-276).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنَّما يُفتى السائل بحسب ما يُعْلَم من حاله، أو ما يُتَّقى عليه من فتنة الشيطان؛ فلذلك اختلف ترتيب ‌أفضل ‌الأعمال، مع أنَّه قد يكون العمل في وقت أوكد، وأفضل منه في وقت آخر، كالجهاد الذي يتأكد مرةً، ويتراخى مرةً، ألا تراه أمر وفد عبد القيس بأمر فصل باشتراطهم ذلك منه، فلم يرتب لهم ‌الأعمال، ولا ذكر لهم الجهاد، ولا بر الوالدين، وإنما ذكر لهم أداء الخُمُس مما يغنمون، وذكر لهم الانتباذ في الْمُزَفَّت فيما نهاهم عنه، وفي المنهيات ما هو أوكد منه مرارًا. شرح صحيح البخاري(10/ 534).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وجه التوفيق بين هذه الأحاديث: أنْ نقول: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاب في كل منها بما علم أنه يوافق غرض السائل، أو أجاب بما كان ترغيبًا للسائل فيما هو بصدده، أو أجابه على حسب ما عَرَفَ من حاله توقيفًا له على ما خُفي عليه من باب الفضيلة، أو إرشادًا له إلى ما هو الأصلح له، والأحرى به. الميسر(1/ 176).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل ‌الأعمال:
1. أنَّ الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأنه أَعْلَمَ كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم.
2. أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأنْ يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أنَّ الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل.
3. أو أنَّ «أفضل» ليست على بابها، بل المراد بها: الفضل المطلق.
4. أو المراد: من أفضل الأعمال؛ فحذفت (من) وهي مرادة. فتح الباري (2/ 9).

قوله: «ثم حجَّةٌ بَرَّةٌ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
يُقال: بَرَّه: أحسن إليه، فهو مبرور، ثم قيل: بَرَّ الله عمله: إذا قبله، كأنه أحسن إلى عمله بأن قبله، ولم يَرُدَّه، وعلامة كونه مقبولًا: الإتيان بجميع أركانه وواجباته، مع إخلاص النية، واجتناب ما نهي عنه. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1938).
وقال المنذري -رحمه الله-:
قيل: هو الذي لا يقع فيه معصية، وقد جاء من حديث جابر مرفوعًا: «إن بَرَّ الحج: إطعام الطعام، وطيب الكلام»، وعند بعضهم: «إطعام الطعام، وإفشاء السلام». الترغيب والترهيب (2/ 162).
وقال ابن رشد الجد -رحمه الله-:
الحج المبرور هو الْمُتَقَبَّل الذي تخلُصُ فيه النية لله -عز وجل-، ويُنْفَقُ فيه المال الحلال، فينبغي لمن أراد الحج أنْ يُخلِص فيه النية لله -عز وجل-، وأنْ ينظر في ماله الذي يريد به الحج، فإنْ علم أنه من غير حله تنحَّى منه، فإنَّ الله لا يقبل إلا طيِّبًا. المقدمات الممهدات (1/ 401).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
هو الذي لا تقع فيه معصية، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أنْ يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما. فتح القريب المجيب (6/ 473).

قوله: «تَفْضُلُ سائرَ العملِ، كما بينَ مَطْلَعِ الشمسِ إلى مغربِها»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «سائر العمل» أي: غير ما تقدَّم من الإيمان والجهاد، ويمكن أنْ يُجعَل ضمير «تفضل» لمجموع الإيمان والجهاد والحجة «كما بين» أي: كمقدار ما بين الناحيتين. حاشيته على مسند أحمد (4/416).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فإنَّها «تفضل سَائِر الأعمال» أي: ما عدا ما قبلها، بدليل التَّرتِيب بـ(ثم) على ما يأتي «كما بين مطلع الشَّمسِ إلى مغْرِبهَا» عبارَة عن المبالغَة في سُمُوِّهَا على جميع أعمال البرّ، قدَّم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن؛ لقُصُور نفع الحج غالبًا، وتُعدِّي نفع الجهاد، أو كان الجهاد إذ ذاك فرض عين، وكان أهم. التيسير(1/ 181).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
بهذا يظهر لك وجه الترتيب في الأفضلية؛ إذ لا نزاع في أنَّ الإيمان ‌أفضل مطلقًا، ثم الجهاد؛ إذ لا يكون عادةً إلا مع الاجتهاد في العبادة، وزيادة الرغبة في الآخرة بالسعي إلى وسيلة سعادة الشهادة، ثم الحج الجامع بين العبادة البدنية والمالية، ومفارقة الوطن المألوف، وترك الأهل والولد، وغير ذلك على الوجه المعروف، أو يُقال: ذكره -صلى الله عليه وسلم- على ترتيب فرضيتها، فوجب الجهاد بعد الإيمان، ثم فرض الحج تكملة للأركان، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة: 3. مرقاة المفاتيح (5/ 1741).
وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
هذه ‌الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمان بالله ورسوله، وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان بذلك في حديث سؤال جبريل له، وفي غيره من الأحاديث، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه؛ كأول البقرة ووسطها وآخرها.
والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الصف: 10-11. لطائف المعارف (ص:395).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: ما بوب له المصنف (النسائي) -رحمه الله تعالى- وهو بيان فضل الحج المبرور، حيث جُعِلَ تاليًا لدرجة الجهاد في سبيل الله -عز وجل-.
2. ومنها: أنَّه يدل على أنَّ الإيمان من جملة ‌الأعمال، وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغة وشرعًا.
3. ومنها: أنَّ ‌الأعمال تتفاوت في الدرجات، فأفضلها على الإطلاق الإيمان بالله تعالى. ذخيرة العقبى (23/ 309).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده:
. ومنها: أنَّ الإيمان قول وعمل.
. ومنها: بيان أنَّ أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد في سبيل الله تعالى، وبعده الحج المبرور...
. ومنها: بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- مِن شدة الاهتمام بسؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عما هو الأفضل، فالأفضل من الأعمال حتى يعملوا به، فينالوا الأجر الأعظم بذلك.
. ومنها: بيان ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من شدة اهتمامه بتعليم أُمَّته كل خير، وحثها عليه.
. ومنها: أنَّ هذا السؤال ليس مما يشمله النهي الوارد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} المائدة: 101 الآية؛ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» متفق عليه؛ لأن هذا من مهمات أمور الدين، والنهي إنما ورد في السؤال الذي لا فائدة فيه، أو لا علاقة له بالدين، كسؤال مَن أبي؟ وأين أبي؟ وأين أنا أفي الجنة، أم في النار؟ ونحو ذلك. البحر المحيط الثجاج (2/ 634-635).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر(هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ