«أُتيَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِضَبٍّ، فلم يأكُلْهُ، ولم يَنْهَ عنه، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أفلا نُطْعِمُهُ المساكين؟ قال: «لا تُطعِمُوهُمْ مما لا تأكلون».
رواه أحمد برقم: (24736) وأبو داود الطيالسي برقم: (1487) والبيهقي في الكبرى برقم: (19426)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (7364)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2426).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الضَّب»:
دُوَيْبَةٌ من الحشرات، وهو يُشْبِه الوَرَلَ، وقال عبد القاهر: هي على حَدِّ فَرْخِ التِّمْسَاح الصغِير، وذَنَبُه كَذَنَبِه، وهو يتلون ألوانًا بحر الشمس، كما تتلون الحرباء. تاج العروس، للزبيدي (3/ 227)
شرح الحديث
قوله: «أُتيَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِضَبٍّ، فلم يأكُلْهُ، ولم يَنْهَ عنه»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«أُتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضب» وهو حَرذونٌ كبير يكون في الصحراء...، وإنما كان يُسمَّى له الطعام إذا وُضع بين يديه؛ ليقبل على ما يحب، ويترك ما لا يحب؛ فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- ما كان يذمُّ ذواقًا، فإن أحبَّه أكله، وإن كرهه تركه، كما فعل بالضبِّ. المفهم (5/ 230).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف طرق الأحاديث في علة امتناعه -صلى الله عليه وسلم- من أكله، فذكر مسلم أنه تركه لأنه -عليه السلام- عافه، وذكر في طريق آخر: أنه قال: «لا أدري لعله من القرون التي مسخت» وفي غير مسلم أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: «إني تحضرني من الله حاضرة -يريد الملائكة عليهم السلام- فأحترمهم» لأنه له رائحة ثقيلة، واتَّقاه لأجلهم كما يتقي الثوم، وأما التعليل بأنه يخاف أن يكون من المسوخ، فإنَّ هذا لم يتحقق، وفيه التوقِّي لأجل الشك، وقد تقدم أصل هذا، وقوله: «أعافه» معناه: أكرهه، يقال: عفت الشيء أعافه عيفًا: إذا كرهته. إكمال المعلم (6/ 385).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
أما تركه أكله وهو حلال عنده، فليس كل الحلال تطيب النفوس به، ولا يحسن بالمرء أن يفعله، فقد أحل الله تعالى لنا الشاء، ولم يحرم علينا منها إلا الدم المسفوح، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يكره منها المثانة والغدة والمصران والأنثيين والطحال. تأويل مختلف الحديث (ص:391).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على أنَّ الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حُكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد، وإنْ صح عن أحدٍ فمحجوج بالنصوص، وإجماع من قبله. المنهاج (13/ 97-99).
وقال العيني -رحمه الله-:
روى الطحاوي في (شرح الآثار) مسندًا إلى عبد الرحمن بن حسنة، قال: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة، فطبخنا منها، وإن القدور لتغلي بها؛ إذ جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ما هذا؟ فقلنا: ضباب أصبناها، وقال: إن أمة من بني إسرائيل مُسِخت دواب في الأرض، إني أخشى أن تكون هذه، فَأَكْفِؤُها، وقال أصحابنا: الأحاديث التي وردت بإباحة أكل الضب منسوخة بأحاديثنا، ووجه هذا النسخ بدلالة التاريخ، وهو أنْ يكون أحد النصين موجبًا للحظر، والآخر موجبًا للإباحة، مثل ما نحن فيه، والتعارض ثابت من حيث الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ، وهو أنَّ النص الموجب للحظر يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى، ولا يمكن جعل الموجب للإباحة متأخرًا؛ لأنه يلزم منه إثبات النسخ مرتين، فافهم. عمدة القاري (13/ 134).
وقال الطبري -رحمه الله-:
الصواب من القول في ذلك عندنا: ما صح به الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ لحم الضب غير حرام على آكله أكله؛ إذ لم ينه عن أكله آكله، على ما بينه -صلى الله عليه وسلم-، ولم يأتنا بتحريمه إياه عنه خبر يصح سنده، ونكره له أكله تَقَذُّرًا، وننهاه عنه تَنَزُّهًا، كما كرهه -صلى الله عليه وسلم- لنفسه تقذرًا وعافه، فنهى عنه تنزهًا من غير تحريم منه له، فإن قال لنا قائل: أو ليس قد أخبر عبد الرحمن بن حسنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أمرهم وقد غلت القدور بلحومها بكَفْئِها؟ وقد علمت أن في كَفْئِها -إن كان ما كان فيها من لحوم الضباب كان حلالًا- إفساد طعام حلال أكله، وفي إفساد ذلك -وهو حلال- تضييع مال، وفي تضييع المرء مالًا من ماله -ولا سيما الطعام الذي هو غذاء الأبدان وأقوات الأجساد- الدخول في معاني أهل السفه الذين يستحقون الحجر، والتقدم على ما قد نهى عنه -صلى الله عليه وسلم- من إضاعة المال.
قيل: إن ذلك -وإن كان طعامًا بالمعنى الذي وصفت من كراهة النفس له وتقذرها إياه، وإنْ كان غير حرام على آكله أكله لم يستحق الرامي به، إذا رمى به، ولا مهريق قدره، إذا أهراقها، اسم مضيع مال، ومفسد طعام، كما غير مستحق عند أهل العلم مهريق قدر طبيخ قد أراح ونمس (فسد) حتى صار من تغير طعمه ورائحته إلى حال تكرهه النفس، وتعاف أن تطعمه: اسم مضيع مال، ولا مفسد طعام؛ بإراقته إياه، وإن كان حلالًا أكله، غير حرام على طاعم يطعمه، فكذلك إراقة مريق القدر الغالية بلحوم الضباب، إذا أراقها، غير مستحق اسم مضيع مال، ولا مفسد طعام؛ إذا كانت إراقته ذلك تقذرًا وتنزهًا عما تنزه عنه -صلى الله عليه وسلم- وتقذره، وإن كان أراق ما هو غير حرام على طاعم أن يطعمه، ومن أنكر ما قلنا في لحوم الضباب على السبيل التي وصفنا، سُئل عن الأطعمة النمسة، والقدور المريحة، والأطبخة التي قد ماتت فيها الخنافس والجعلان وبنات وردان، وما أشبه ذلك من الدواب التي لا نفس لها سائلة، فتغيرت روائحها بموت ما مات فيها من ذلك، حتى تقذرت النفوس النظر إليها وعافته، فضلًا عن أكلها، أيأثم مريقها بإراقتها، ويستحق طارحها بطرحها اسم مضيع مال ومفسد طعام؟! فإن قال: نعم، خرج من معقول أهل العقل، وخالف ما عليه جميع الأمة، من إجازتهم إلقاء ذلك وطرحه، وترك أكله، وإن قال: بل غير حرج الرامي به، ولا آثم ملقيه ومريقه، قيل له: فما الفرق بين ذلك، وبين مريق قدر طبيخ لحوم الضباب التي أراقها من أراقها تقذرًا وتنزهًا؟ تهذيب الآثار (1/ 188).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
يُحمل حديث عبد الرحمن بن حسنة على أنَّه -صلى الله عليه وسلم- خشي أنْه يشغلهم صيد الضباب وطبخها عن الجهاد، لا سيما وأنها أرض كثيرة الضباب، كما في الحديث، ولا بد أنه كان معهم من القوت ما يكفي لسد حاجتهم الضرورية، وإلا لأمرهم بأكلها، فإنَّ أكل الميتة المقطوع بحرمتها يجوز للضرورة.
وأما ما جاء في أحاديث الباب من عدم أكله -صلى الله عليه وسلم- منها خشية أنْ تكون من نسل مَن مُسخ من بني إسرائيل، فيحمل على أنه -صلى الله عليه سلم- قال ذلك قبل العلم بأنَّ الله -عز وجل- لم يجعل للمسوخ نسلًا، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- كما رواه مسلم والإمام أحمد عن ابن مسعود أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكرت عنده القردة، قال مسعر: أراه قال: والخنازير: أنه مما مُسخ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله لم يمسخ شيئًا فيدع له نسلًا، أو عاقبة، وقد كانت القردة أو الخنازير قبل ذلك». الفتح الرباني (17/ 70).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الصواب في ذلك قول مَن قال: إنَّه حلال؛ للخبر الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه أكل على مائدته وبحضرته، ولو كان حرامًا لم يترك -صلى الله عليه وسلم- أحدًا يأكله؛ إذ غير جائز أنْ يرى -صلى الله عليه وسلم- منكرًا ولا يغيره، ولا يقر أحدًا على انتهاك شيء من محارم الله، فدل أنه إنما تركه؛ لأنه عافه كما قال عمر، ولم يأتِ خبر صحيح بتحريمه. شرح صحيح البخاري (5/ 448).
وقال النووي -رحمه الله-:
إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- الشيء وسكوته عليه إذا فعل بحضرته يكون دليلًا لإباحته، ويكون بمعنى قوله: أذنت فيه، وأبحته، فإنه لا يسكت على باطل، ولا يقر منكرًا، والله أعلم. المنهاج (13/ 101).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
كراهة النبي (للضب) كراهة طبع، لا كراهة حكم؛ لأنه لم يكن أكله هناك معهودًا كأكل الجراد. الأزهار مخطوط لوح (376).
قوله: «أفلا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون»:
قال الطحاوي -رحمه الله-:
قال محمد (بن الحسن) -رحمه الله-: فقد دل ذلك على أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كَره لنفسه ولغيره أكل الضب، قال: فبذلك نأخذ.
قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت، قد يجوز أنْ يكون كره لها أنْ تطعمه السائل؛ لأنها إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته، ولولا أنها عافته لما أطعمته إياه، وكان ما تطعمه السائل فإنما هو لله تعالى، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله -عز وجل- إلا من خير الطعام، كما قد نهى أن يتصدق بالبسر الرديء، والتمر الرديء. شرح معاني الآثار (4/ 201).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يفهم من هذا أنَّ محمد بن الحسن مال إلى أنَّ الكراهة للتحريم، وقال بعض أتباعه: اختلفت الأحاديث، وتعذرت معرفة المتقدم، فرجحنا جانب كراهة التحريم تقليلًا للنسخ، قال الحافظ ابن حجر: ودعوى التعذر ممنوعة. فتح المنعم (8/ 43).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن إطعامه المساكين لا لكونه حرامًا، بل لأن نفوسهم تعافه؛ لأنهم لم يتعودوه. الفتح الرباني (17/ 70).
وقال المنبجي الحنفي -رحمه الله-:
فإن قيل: يجوز أن يكون كره لها أن تعطي لأنها عافته، ولولا أنها عافته لما أطعمته إياه، وكان ما يطعمه للسائل فإنما هو لله تعالى، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله تعالى إلا من خير الطعام، كما نهى أن يتصدق بالشيء الرديء، فلذلك كره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التصدق بالضب، لا لأنه حرام.
قيل له: الصدقة بالشيء الرديء إنما تكره إذا كان الإنسان قادرًا على غيره، أما إذا لم يكن عنده سواه، أو نفر منه طبعه دون طبع غيره، فلا يكره. اللباب (2/ 619).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فينبغي إطعام نحو الفقير من كل متصدق عليه من أجود ما عنده، وأحبه إليه، وإذا لم يكن من الجيد، فذلك من سوء الأدب، فإنه إذا أمسك الجيد لنفسه وأهله، فقد آثر على الله غيره، ولو فعل هذا بضيفه لأوغر به صدره مع أنه مخلوق. فيض القدير (6/ 411).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
وهو (أي: هذا الحديث) إنْ ثبت، في معنى ما تقدَّم: من امتناعه من أكله، ثم فيه: أنَّه استحب أنْ لا يطعم المساكين مما لا يأكل، والله أعلم، وبالله التوفيق. سنن الكبرى (9/ 325).