السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أو قال: أُمَّةَ مُحمَّدٍ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- على ضلالةٍ، ويدُ اللَّهِ مع الجماعَةِ، ومَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ».


رواه الترمذي برقم: (2167) واللفظ له، والحاكم برقم: (397)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح دون: «ومَن شَذَّ...»، صحيح الجامع برقم: (1848).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ضَلَالَة»:
أي: باطل فيما يتعلَّق بالاعتقاد أو العمل. فتح الإله، للهيتمي (2/24).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يُقال: ضل الرجل الطريق، وضل عنه يضل، من باب: ضرب، ضلالًا، وضلالة: زَلَّ عنه فلم يهتدِ إليه فهو ضال. المصباح المنير، للفيومي (2/ 363).

«شَذَّ»:
شذَّ يَشِذُّ ويَشُذُّ شذوذًا: انفرد عن غيره. المصباح المنير، للفيومي (1/ 307).
وقال الخليل بن أحمد -رحمه الله-:
شذً الرجل من أصحابه، أي: انفرد عنهم، وكل شيء منفرد فهو شاذ. العين (6/ 215)


شرح الحديث


قوله: «إنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ أُمّتي»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ الله لا يجمع أُمتي» أي: علماءهم، «على ضلالة» لأنَّ العامَّة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع في النوازل، فاقتضت الحكمة حفظها. فيض القدير (2/ 271).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الإجماع: هو إجماع المسلمين، ولا اعتبار لإجماع العوام؛ لأن قول العوام لا يكون عن علم، وما لا يكون عن علم لا عِبْرَة به، وإذا لم يكن إجماع العوام معتبرًا يبقى إجماع العلماء.
فالمراد بقوله: «لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة» هم العلماء، فإذا لم يكن اجتماع هذه الأمة ضلالة، يكون حقًّا لا محالة. المفاتيح (1/ 281).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجتمع هذه الأمة، أو أمة محمد...» العلماء العقلاء البالغون، دون الجهال والمجانين والصبيان، فإنَّه لا قول لهم، خُصِّص بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «رفع القلم عن ثلاثة» وبالعقل، واختلفوا في المجتهد الفاسق، والمختار: أنَّ خلافه معتبر بخلاف المبتدع.
وذهب طائفة من الأصوليين إلى أنَّ الإجماع لم يكن حُجة في الأديان السابقة، وهو من خواصِّ شرعنا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجتمع أُمّتي أو هذه الأمة على ضلالة». الأزهار، مخطوط، لوح (70).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
المراد: أمة الإجابة، أي: لا يجتمعون «على ضلالة». شرح المصابيح (1/ 178).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا على ابن الملك:
إنَّما حمل الأمة على أمة الإجابة؛ لما ورد أنَّ الساعة لا تقوم إلا على الكفار، فالحديث يدل على أنَّ اجتماع المسلمين حقٌّ، والمراد: إجماع العلماء، ولا عبرة بإجماع العوام؛ لأنه لا يكون عن علم. مرقاة المفاتيح (1/ 260).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- معلقًا على القاري:
ووجه الاستدلال به: أنَّ عمومه ينفي وجود الضلالة، والخطأ ضلالة، فلا يجوز الإجماع عليه، فيكون ما أجمعوا عليه حقًّا، وعندنا في دلالة هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث على أحَقِّيَّة الإجماع الشرعي، ثم على حُجِّيَّتِهِ نظر؛ لأن الاستدلال به على ذلك موقوف على أنَّ المراد بالضلالة الخطأ في الاجتهاد، وكون الخطأ المظنون ضلالة ممنوع، والظاهر: أنَّ المراد به الكفر والمعصية. مرعاة المفاتيح (1/ 279).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
المقصود به (يعني: «أمتي») الذين هم أهل الاستقامة، وإلا فكيف يلتقي من هو على استقامة مع أصناف الفرق الضَّالة التي هي داخلة في أمة الإجابة، وأمة الإجابة يدخل تحتها فرق كثيرة، ولكن هناك فرقة واحدة هي الناجية، وهي التي اجتماعها وإجماعها هو الحجة، أما المبطلون المنحرفون عن الجادة فلا يُعْتَدُّ بهم في الإجماع ولا عبرة لهم فيه، وإنما المراد بذلك: الذين هم على ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الذين هم على الكتاب والسنة، وعلى منهج النبوة، أما المنحرفون عن الجادة فإنه لا يمكن أن يوجد أي إجماع مع دخول فرق الضلال مطلقًا، إذ صفات الله -عزَّ وجلَّ- لا يمكن أن يكون عليها إجماع؛ لأن أكثر الفرق إما شبَّهوا وإما أوَّلُوا وحرَّفوا، ومن الفرق من قال: إن القرآن مخلوق، وعلى هذا: لا يكون محل اتفاق، وعليه فلا إجماع؛ لأن بعض الفرق الضالة خالفت، ومن الفرق من قالت: إنَّ الله لا يُرى في الدار الآخرة مطلقًا، ومن الفرق من قال: إن العاصي خالد مخلد في النار، ومن الفرق من قال: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما عُرِجَ به إلى السماء، ومنهم من قال: لا يوجد عذاب في القبر، فليس المعتبر أمة الإجابة الذين يدخل فيهم فرق مختلفة، وهي ثلاثة وسبعون فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان على ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وإنما المعتبر الذين هم على الجادة، وعلى الاستقامة، وعلى الكتاب والسنة، ولا يعتبر الذين خرجوا عن الجادَّة، وعما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. شرح سنن أبي داود (477/ 20).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ الله لا يجمع...» هذه خاصة ومنقبة خصَّ الله أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بها فضلًا منه ومِنَّة، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} البقرة: 143. لمعات التنقيح (1/ 496).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
المراد هنا: أمة الإجابة؛ لأنهم المخصوصون بذلك. فتح الإله (2/24).

قوله: «أو قال: أُمَّةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أو قال: أمة محمد» تردُّدٌ من الراوي، ولعل هذا أظهر في الدراية؛ لأن التخصيص يدل على امتياز أمته من سائر الأمم بهذه الفضيلة، وأن كون المنسوب إليه من اسمه محمد يقتضي هذه. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 642).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وفي هذه الإضافة سيما لاسمه محمد بفرض أنَّه الرواية: إشارة إلى امتياز أمته بهذه الفضيلة العظيمة على سائر الأمم، ثم إلى امتياز أهل السنة والجماعة. فتح الإله (2/24).

قوله: «على ضَلَالَةٍ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«على ضلالة» هي ضد الهدى، والأصل فيها الكفر، أي: لن تجتمع على الكفر. التنوير (3/ 585).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ضلالة» لفظ مطلق شامل لمعنى أنواع الضلالة من الاجتماع على إمام يقتدون به، وعلى حُكْم يستنبطونه، وعلى اعتقاد يعتقدونه، فالمناسب أنْ يعبر بالضلالة عن الباطل؛ لأنه يجمع المعاني الثلاثة التي يستدعيها باب التمسك بالكتاب والسنة على سبيل الاشتراك المسمى بعموم المجاز -والله أعلم-. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 643).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قيل: على خطأ في الاجتهاد، وقيل: على كفر ومعصية، وهذا قبل مجيء الريح اللَّيِّنَة. مرعاة المفاتيح (1/ 279).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: لا يجتمعون «على ضلالة» غير الكفر؛ ولذا ذهب بعضهم إلى أنَّ اجتماع الأمة على الكفر جائز؛ لأنها لا تبقى بعد الكفر أمة له، والمنفي اجتماع أمة محمد على الضلالة. شرح المصابيح (1/ 178).

قوله: «‌ويدُ ‌اللهِ ‌مع ‌الجماعةِ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«يد الله...» أي: أنَّ الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كنف الله، ووقايته فوقهم، وهم بعيد من الأذى والخوف، فأقيموا بين ظهرانيهم. النهاية (5/ 293).
وقال السندي -رحمه الله-:
«يد الله...» أي: حفظه تعالى، ونصره مع المسلمين إذا اتفقوا، فمن أراد التفريق بينهم فقد أراد صرف النصر عنهم. حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 92).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
هذا الذي قاله في النهاية، ونحوه للسندي (وغيره) إنْ كان الغرض منه نفي صفة اليد عن الله تعالى، وتأويلها بالحفظ- فغير صحيح، وإنْ كان المراد التفسير باللازم مع إثبات أصل المعنى، أي: أنَّ اليد صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، فالخطب سهل -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى (31/ 327).
وقال الشاطبي -رحمه الله-:
اختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال:
أحدها: أنَّها السواد الأعظم من أهل الإسلام...
والثاني: أنَّها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية؛ لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين...
والثالث: أنَّ الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك...
والرابع: أنَّ الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمِنَ الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام- أنْ لا يجمعهم على ضلالة، فإنْ وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه...
والخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أنَّ الجماعة: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فأمر -عليه الصلاة والسلام- بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم؛ لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين، إما للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أُمِرَتِ الأمة بقتالها، وسماها النبي -صلى الله عليه وسلم- مارقة من الدين، وإما لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه. الاعتصام (2/ 770-774).

قوله: «ومَنْ شَذَّ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«ومَن شَذَّ» بصيغة المعلوم، أي: انفرد عن الجماعة، وخرج عنها. مرعاة المفاتيح (1/ 279).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ومَن شَذَّ» أي: انفرد عن الجماعة باعتقاد، أو قول، أو فعل لم يكونوا عليه. تحفة الأحوذي (6/ 322).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«ومَن شَذَّ» أي: انفرد عن الجمهور، والسواد الأعظم، فقد شَذَّ فيما يدخله النار، أو شَذَّ في أمر النار. الميسر (1/ 92).

قوله: «شذَّ إلى النَّارِ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«شذَّ» بصيغة المجهول، وحكي بصيغة المعلوم. مرعاة المفاتيح (1/ 279).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«شَذَّ إلى النَّارِ» أي: إلى ما يُوجِب دخول النار، فأهل السُّنة هم الفرقة الناجية. فيض القدير (2/ 271).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«شذ في النار» أي: وقع فيها وقوعًا ذريعًا، وبما قررتُهُ عُلِمَ أنَّ هذه الجملة معطوفة على مُقدَّر عُلم من السياق؛ أي: فعلى كل أحد أنْ يتبعهم، ومن شذَّ عنهم استحق النار. فتح الإله (2/24).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«إلى النار» يعني: انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة، وألقي في النار. مرعاة المفاتيح (1/ 279).
وقال الصنعاني رحمه الله:
المتفرد عن الجماعة أي: جماعة المسلمين في النار، والمراد: من فارق الإِسلام. التنوير (3/ 355).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنَّ اجتماع المسلمين حق، والمراد: اجتماع العلماء. شرح المصابيح (1/ 178).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا:
الاستدلال به وبنظائره من الوارد في عصمتها عن الضلالة لا يتم دليلًا على حقيَّة إجماعها كما في كتب الأصول. التنوير (3/ 355).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ المراد بالإجماع الذي احتجُّوا على حجيته بهذا الحديث وأمثاله هو الإجماع الشرعي المصطلح (عليه) عند الأصوليين، وهو: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- في عصر من الأعصار على أمر ديني، واختلفوا في وقوعه وحجِّيَّته، والذي ندين الله به في هذا: هو أن إجماع الصحابة حق وحجة، وإليه الإشارة بقوله: «ما أنا عليه وأصحابي»، وأما إجماع مجتهدي الأمة قاطبة بعد عصر الصحابة في عصر من الأعصار، أي: الإجماع الكلي فلا تصح دعواه عندنا، فإنه مُتَعَذِّر؛ بل ممتنع؛ لعدم إمكان العلم به؛ ولذا قال الإمام أحمد: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، وأما الإجماع الجزئي فخارج عن البحث، وارجع للتفصيل إلى كتب الأصول للمذاهب الأربعة، وإرشاد الفحول للعلامة الشوكاني، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر لابن قدامة المقدسي. مرعاة المفاتيح (1/ 279-280).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ