«مَن لَعِبَ بالنَرْدَشِيْرِ، فكأنَّما صَبَغَ يدَهُ في لحمِ خنزيرٍ ودَمِهِ».
رواه مسلم برقم: (2260) من حديث بُرَيْدَة -رضي الله عنه-،
ورواه أحمد برقم: (22979)، وأبو داود برقم: (4939)، وابن ماجه برقم: (3763)، ولفظه: «فكأنَّما غَمَسَ يدَهُ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«النَرْدَشِيْر»:
بفتح نون، وسكون راء، وفتح دال مهملة، ويكسر، فشين معجمة، وسكون تحتية فراء. مرقاة المفاتيح (7/ 2854).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
اسم فارسي لنوع من الآلات التي يُقَامَرُ بها كالشطرنج، ويقال له: النّرْد أيضًا، والكعاب -والله أعلم-. مطالع الأنوار (4/ 143).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
يُقال: وضعه شابور بن أردشير ثاني ملوك آل ساسان؛ ولأجله يقال له: النردشير، وشبه رقعته بالأرض، وقسَّمها أربعة أقسام تشبيهًا بالفصول الأربعة. تحفة الأبرار (3/ 167).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ويُقال: إنَّ الذي وضعها من الفلاسفة، كان على رأي أصحاب الجبر عندهم، وعدم القدرة والحيلة، وأن الذي وضع الشطرنج كان على رأي أصحاب الممكن عندهم، وهم أصحاب الاكتساب والقدرة. إكمال المعلم (7/ 202).
«صَبَغَ»:
أي: وضع يده فيهما. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (19/ 22).
قال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
صبغه بها: كـ: مَنَعَهُ وضربه ونصره، صَبغًا وصِبَغًا، كـ: عنب: لَوَّنَهُ. القاموس المحيط(ص: 784).
شرح الحديث
قوله: «مَن لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «من لعب» كـ: سمع، يقال: لعب إذا عمل ما لا ينفع. كفاية الحاجة (2/ 411).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
النردشير: هو النرد الذي يُلْعَبُ به، وهو من موضوعات شابور بن أردشير بن بابك، أبوه أردشير أول ملوك الساسانية، شبَّهَ رقعته بوجه الأرض، والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والرُّقومَ المجعولةَ ثلاثين بثلاثين يومًا، والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت الاثنا عشرية بالشهور، والكعاب بالأقضية السماوية، واللعب بها بالكسب، فصار اللاعب به حقيقًا بالوعيد المفهوم عن تشبيه أحد الأمرين بالآخر؛ لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المستكبرة على الله، واقتفاء أبْنِيَتِهِم الشاغلة عن حقائق الأمور. الميسر (3/ 999).
قوله: «فكأنَّما صَبَغَ يدَهُ في لحمِ خنزيرٍ ودمِهِ»:
قال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
قوله: «فكأنما» الكاف للتشبيه، أي: أنَّ الذي يلعب بالنردشير، كأنَّما أدخل يده دخولًا ممكنًا في لحم خنزير، وفي شحمه ودمِه. شرح صحيح مسلم (38/ 16).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«صبغ يده في لحم خنزير ودمه» أي: أدخلها فيهما. مرقاة المفاتيح (7/ 2854).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: أدخل يده، وتخصيص الصبغ بهما؛ لكونه نجس العين، فيكون أقلع للاعبيه عنه. شرح المصابيح (5/ 85).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنَّما عنى بذلك تذكية الخنزير، وهي حرام بالاتفاق؛ ولذلك لم يُخْتَلف فيه، ويلحق به: كل ما يُقامَر به؛ كالشطرنج، والأربعة عشر (قطعة خشب يحفر فيها حفر؛ ثلاثة أسطر، ويجعل فيها صغار يلعب بها، وقيل: خشبة يحفر فيها ثمانية وعشرون حفرة؛ أربعة عشر حفرة في جانب، وأربعة عشر في الجانب الآخر يلعب بها)، وغير ذلك مما في معناه. المفهم (5/ 560).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
المراد بالتشبيه: الحُرمة والإثم والتغليظ، لا النجاسة حسًّا أو حكمًا، وقيل: عدم قبول الصلاة، كالمتوضئ بدم الخنزير، وقَيْحِهِ. الأزهار، مخطوط، لوح (396).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا يدل على بشاعة هذا العمل؛ وذلك أن غمس اليد في الدم هو في حد ذاته غير مستحسن، وغير مستساغ، ولكنه إذا كان مع ذلك في دم خنزير فيكون الأمر أعظم وأعظم، ويكون كما يقال في المثل: حَشَفٌ وسُوء كَيْلة، فهو دم ومع ذلك دم خنزير، فيكون أشد في الشناعة والخبث، وهذا يدل على تحريمه، وعلى التنفير منه، وهذا التمثيل هو للتنفير، وبيان بشاعته وخبثه. شرح سنن أبي داود (561/ 19).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
التمثيل بقوله: «فكأنَّما صبغ يده في لحم خنزير...» إلخ، فيه إشارة إلى التحريم؛ لأن التلوُّث بالنجاسات من المحرمات. نيل الأوطار (8/ 107).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومعنى: «صبغ يده في لحم الخنزير ودمه» في حال أكله منهما، وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (15/ 16).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- متعقبًا:
نعم التشبيه في قوله: «فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمِه» ينفر منه، ويفرُّ به من الحرمة؛ لذا أضاف النووي إلى النص عبارة: "في حال أكله منهما"؛ وكأَنَّ التشبيه بالأكل من لحم الخنزير ودمه، وهو حرام باتفاق، وتشبيه الشيء بالمحرم القطعي دليل التحريم، قال بعضهم: لأن غمس اليد في اللحم يكون غالبًا في حالة الأكل.
والتحقيق: أنَّ التشبيه ليس بالأكل، وإلا لقال: فكأنما أكل لحم خنزير، وإنما هو تشبيه حركات اللاعب، وتناوله لآلات اللعب، ونقله للحجارة "القشاط"( القطعة التي تُستخدم لتحريك الحصوات أو الحجارة على رقعة اللعب) تبعًا لأرقام الزهر، بغمس اليد في النجاسة، وغمس اليد في النجاسة مستقذر، ليس بمحرم فيكون التشبيه للتنفير. فتح المنعم (9/ 43).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فيه (أي: التشبيه): تصوير قُبْح ذلك الفعل تنفيرًا عنه، كما إذا شبهت وجهًا مجدورًا بسلحة جامدة نقرتها الديكة. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2949).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
لم يُصِب من جوَّز اللعب به من غير مخاطرة، فإن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- بنى الوعيد فيه، والنكير عليه على اللعب فحسب، هذا وقد انتظمت الأخبار الدالة على تحريم اللعب بالنرد قمارًا، ودل بعضها على تحريم من غير قمار، وقد روي في الشطرنج حديث مثلما روي في النرد، وذلك الحديث -وإن لم يبلغ رتبة حديث النرد في الصحة- فإن القياس يؤيده، وشدة النكير عن جمع الصحابة وفرقة كثيرة من علماء السلف تعضده، وقد كفانا المفهوم من كتاب الله تعالى قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} آل عمران: 91، فكل لهو دعا قليله إلى كثيره، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهو كشرب الخمر في التحريم، فإن الله تعالى جمع بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما بما وصفهما، ومعلوم أنَّ الخمر -وإن أسكرت- فإن الميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله تعالى أن افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم، لأجل ما اشتركا فيه من المعاني، فكذلك افتراق اللعب بالنرد والشطرنج وشرب الخمر في أن الشرب يسكر، واللعب لا يسكر لا يمنع عن الجمع بينهما في التحريم؛ لاتفاقهما فيما اتفقا فيه من المعاني، ثم إن ابتداء اللعب يورث الغفلة، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مقام السكر، فيغفل ويلهي، فيصد بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة. الميسر (3/ 1000).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنّرْد، وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا: يكره ولا يحرم. شرح صحيح مسلم (15/ 15).
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
اللعب بالنرد حرام عند جمهور الفقهاء المالكية والحنابلة، والصحيح عند الشافعية..؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» ولقوله: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله». ويُكره تحريمًا عند الحنفية للحديث السابق.الموسوعة الفقهية(40/224).
وقال المازري -رحمه الله-:
ينهى (يعني: مالكًا) عن اللعب بالنرد والشطرنج، ويرى الشطرنج شرًّا من النرد وألهى منها، وهذا الحديث حجة له، وإن كان ورد في النردشير قيست الشطرنج عليها لاشتراكهما في كونهما شاغِلَيْنِ عما يفيد في الدين والدنيا، مُوْقعَيْن في القمار أو التشاجر الحادث فيهما عند التغالب مع كونهما غير مفيدين، وقد نبَّه مالك على هذا بقوله: الشطرنج ألهى. المعلم (3/ 196-197).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي يرجح عندي: تحريم اللعب بالنرد والشطرنج؛ لظهور أدلتها. البحر المحيط الثجاج (36/ 650).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا يُردُّ شهادة اللاعب بها إذا كان موصوفًا بالعدالة في أحواله.
قال أصحاب الشافعي: إلا أنْ يلعبها قمارًا، وكان بذلك معروفًا فتسقط بذلك شهادته؛ لأكله المال بالباطل، هذا مذهبه، وهو نحو قول إسحاق، وكان الشافعي يكره اللعب بالنرد والشطرنج، ويرى الشطرنج أخف من النرد، وكان الليث يرى الشطرنج أشد من النرد، كما ذكر عن مالك، وأسقط بذلك شهادة اللاعب بها. إكمال المعلم (7/ 202).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام، وهو مرويٌّ عن جماعة من التابعين، وقال مالك وأحمد: حرام، قال مالك: هو شرٌّ من النرد، وألهى عن الخير، وقاسوه على النرد، وأصحابنا يمنعون القياس، ويقولون: هو دونه. شرح صحيح مسلم (15/ 15-16).
ولمزيد من الفائدة في حكم اللعب بالنرد ينظر (هنا)