«ما مِن مولودٍ إلَّا يُولدُ على الفِطرَة، فأبواهُ يُهودانِه أو يُنصِّرانهِ أو يُمجِّسانِه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعَاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِن جَدْعاءَ؟». ثم يقولُ: «{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} الروم: 30».
رواه البخاري برقم: (4775) واللفظ له، ومسلم برقم: (2658)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي رواية لمسلم برقم: (2658) قال: في حديثِ ابنِ نُمير: «ما مِن مولودٍ يُولدُ إلَّا وهو على المِلَّةِ»، وفي روايةِ أبي بكرٍ، عن أبي معاويةَ: «إلَّا على هذه الملَّةِ، حتَّى يُبيِّنَ عنه لسانُهُ»، وفي رواية أبي كُريب، عن أبي معاويةَ: «ليس مِن مولودٍ يُولدُ إلَّا على هذه الفِطرة، حتَّى يُعَبِّرَ عنه لسانُهُ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الفِطْرَةِ»:
هي أصل الخِلْقة، وابتداء النَّشْأة، لكن يُعبَّر بها عن الدِّين والإسلام؛ لأنَّ الإسلام يُسمَّى فطرة أيضًا، كما يُسمَّى ابتداء الخِلْقة، وكل شيء بَدَأتَه فقد فَطَرْتَه، يُقال: فَطَرْتُ البئرَ: إذا ابتدأتُ حَفْرَهَا. الاقتضاب، لليفرني (2/ 458).
«يُهَوِّدانهِ»:
يعلمانه دين اليهودية. لسان العرب، لابن منظور(3/ 439)
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: يُدخلانه في دِين اليهودية المحرَّف المبدَّل. التيسير(2/ 218).
«يُنَصِّرَانِهِ»:
يُعلمانه دِين النصارى. لسان العرب، لابن منظور(3/ 439)
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: يجعلانه نصرانيًّا. شرح المصابيح، لابن الملك (1/ 109).
«يُمَجِّسَانِهِ»:
أَي: يعلمَانِهِ الْمَجُوسِيَّة. غريب الحديث، لابن الجوزي (2/ 344)
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: يجعلانه مجوسيًّا. شرح المصابيح، لابن الملك (1/ 109).
«كما تُنْتَجُ»:
أنتجت الناقة وهي نتُوجٌ إذا ولَدت. لسان العرب، لابن منظور (2/ 374).
«البهيمةُ»:
كل ذات أربع قوائِم من دواب البر والماء، والجمع بهائمُ، والبَهْمَة: الصغِير من أولاد الغنم والضأن والمعز والبقر، من الوحش وغيرها، الذَّكر والأنثى في ذلك سواء. المحكم، لابن سيده (4/ 338).
«جَمْعَاءَ»:
أي: سليمة من العيوب، مجتمعة الأعضاء كاملتها فلا جَدْعَ بها ولا كَي. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 296).
«تُحِسُّون»:
الحَسِّ، بكسر الحاء: من أَحْسَسْتُ بالشيءِ، حَسَّ بالشيءِ، يَحِسُّ حِسًّا... شَعَرَ به.
ويُقال: هل أَحَسْتْ؟ بمعنى: أَحْسَسْتَ، ويُقال: حَسْتْ بالشيءِ، إذا عَلِمَتْهُ وعَرَفَتْهُ.
قال: ويُقال: أَحْسَسْتُ الخبرَ، إذا عَرفْت منه طَرَفًا.
وتقول: ما أَحْسَسْتُ بالخبرِ، أي: لم أَعْرِفْ منه شيئًا. لسان العرب، لابن منظور (6/ 49)
«جَدْعَاءَ»:
ناقة جدعاء: قُطِع سُدس أذنها، أو رُبعها، أو ما زاد على ذلك إلى النصف، والجدعاء من المعز: المقطوع ثُلث أذنها فصاعدًا، وعمَّ به ابن الأنباري جميع الشاء المجدَّع الأذن. لسان العرب، لابن منظور (8/ 41).
«المِلَّةِ»:
الشّريعة، والجمع مِلَل، وقد تَمَلَّل وامتلّ: دخل في الملَّة. المخصص، لابن سيده (4/ 69).
وقال ابن قاسم العبادي -رحمه الله-:
اشتقاق الملة مِن أَمْلَى يُملي؛ لأنها بالوحي الذي هو بإلقاء الكلمة بعد الكلمة في رَوع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. الآيات البينات (1/95).
«حتَّى يُعَبِّرَ»:
عبّر عمَّا في نفسه: أَعرب وبين. وعبَّر عنه غيره: عيِيَ فأَعْرَب عنه، والاسم العِبرة. والعبارة. وعبَّر عن فلان: تكلّم عنه. لسان العرب، لابن منظور (4/ 530).
شرح الحديث
قوله: «ما مِن مولودٍ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ما مِن» مزيدة؛ لتأكيد الاستغراق، وجعله قطعيًّا. فتح الإله (1/449).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«مِن» الاستغراقية في سياق النفي تفيد العموم، كقولك: ما أحد خير منك، والتقدير: ما مِن مولود يُوجَد على أمرٍ من الأمور، إلا على هذا الأمر. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 545).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «مولودٍ» أي: من بني آدم.. فتح الباري (3/ 248).
قوله: «إلَّا يُولَدُ على الفِطْرَةِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يُولَد على الفِطرة» الفِطرة: ذُكر في معناها أقوالٌ من القَدَرية والجَبْرية وغيرهما، ونحن نذكر ما هو المختار عند أهل السُّنة: وهو استعدادُ قَبولِ الإيمان الذي خلقه الله تعالى في الإنسان من العقل والتمييزُ بين الحق والباطل، والخير والشر بواسطة الشريعة. المفاتيح(1/ 192).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «إلَّا يُولد على الفطرة» أي: على استعداد قبولِ الإسلام الذي خلقه الله تعالى في الإنسان من العقل والتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، بواسطة الشريعة، ولو لم تعترضه آفة من جهة أبويَّه؛ لاستمر عليها، ولم يختر غير دين الإسلام. شرح المصابيح(1/ 109).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
تقديره: ما مولود يُوجَد على أمرٍ إلا على الفطرة، وهي لغة الخِلْقة، والمراد بها هنا: ما يُراد في الآية الشريفة وهي الدِّين؛ لأنه قد اعتورها البيان من أول الآية وهو {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} الروم: 30، ومن آخرها وهو {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} الروم: 30. الكواكب الدراري (7/ 133).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث: فقالت جماعة من أهل الفقه والنظر: أُريد بالفطرة المذكورة في هذا الحديث الخِلْقَة التي خُلِق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يَعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خِلْقَةً مخالفةً لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، واحتجوا على أنَّ الفطرة الخِلقة، والفاطر الخالق بقول الله -عز وجل-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فاطر: 1، يعني: خالقهن، وبقوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} يس: 22، يعني: خلقني...، قالوا: فالفطرة الخِلقة والفاطر الخالق، وأنكروا أنْ يكون المولود يُفطر على كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما يُولد المولود على السلامة في الأغلب خلقةً وطبعًا وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر، ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّزوا، واحتجوا بقوله في الحديث: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء»...
وقال آخرون: الفطرة ها هنا: الإسلام، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل، قد أجمعوا في قول الله -عز وجل-: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30، على أنْ قالوا: فطرة الله: دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: «اقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30» وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله -عز وجل-: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30، قالوا: دين الله الإسلام {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} الروم: 30، قالوا: لدين الله. التمهيد (18/68- 72).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قال (أي: ابن عبد البر): "وأَنْكَرَت أنْ يكون المولود يُفطر على إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار".
قلتُ: صاحب هذا القول إنْ أراد بالفطرة التمكُّن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف، فإنَّ مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أنْ يكون حنيفًا، ولا أنْ يكون على الملة، ولا يحتاج أنْ يذكر تغيير أبوية لفطرته، حتى يسأل عمن مات صغيرًا؛ ولأنَّ القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير. درء تعارض العقل والنقل (8/ 385).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد اختلف السلف في المراد بالفطرة في هذا الحديث على أقوال كثيرة، وحكى أبو عبيد: أنَّه سأل محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة عن ذلك، فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أنْ تُنزَّل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد، قال أبو عبيد: كأنه عنى أنه لو كان يولد على الإسلام فمات قبل أن يهوده أبواه مثلًا لم يرثاه، والواقع في الحكم أنهما يرثانه، فدل على تغير الحكم، وقد تعقبه ابن عبد البر وغيره، وسبب الاشتباه: أنَّه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادعى فيه النسخ، والحق أنه إخبار من النبي -صلى الله عليه وسلم- بما وقع في نفس الأمر، ولم يُرد به إثبات أحكام الدنيا، وأشهر الأقوال: أنَّ المراد بالفطرة: الإسلام. فتح الباري (3/ 248).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّ أرجح الأقوال هو القول بأنَّ الفطرة هي الإسلام، ويقوِّي ذلك رواية مسلم بعد هذا بلفظ: «ما من مولود يولد إلا وهو على هذه الملّة»؛ فإنَّه صريح في كون معنى الفطرة هو الإسلام، ويقوّيه أيضًا ما سيأتي لمسلم في كتاب صفة الجنَّة من حديث عياض بن حمار -رضي الله عنه- الطويل، وفيه: «وإني خلقتُ عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم المشياطين، فاجْتَالَتْهُم عن دينهم...» الحديث، فهو أيضًا صريح في أنهم فُطروا على هذه الملَّة، وهي الإسلام، فتأمَّله بالإمعان، والله تعالى ولي التوفيق. البحر المحيط الثجاج (41/ 495).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
كلام أحمد في أجوبة متعددة يدل على أنَّ الفطرة عنده الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا سُبُوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإذا كانوا مع الأبوين فهم على دينهما، وإن سُبوا مع أحدهما ففيه روايتان، وكان يحتج بالحديث.
ثم ذكر نص أحمد في رواية المروذي في سبي أهل الحرب أنهم مسلمون إذا كانوا صغارًا، وإن كانوا مع أحد الأبوين، واحتج بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث، وذكر نصَّه في رواية إسحاق بن منصور: «إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم»، وكذلك نقل يعقوب بن بختان، قال أبو عبد الله (أحمد بن حنبل): إذا مات أبواه وهو صغير أُجبر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه» وقال في رواية عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد، فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين، ثم يتوفى، قال: يدفنه المسلمون، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه».
وقال في رواية المروذي في الأبوين الكافرين يموتان ويدعان طفلًا: يكون مسلمًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فأبواه يهودانه وينصرانه» وهذا ليس له أبوان، قلتُ: يُجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على أنَّ الطفل إنما يصير كافرًا بأبويه، فإذا لم يكن مع أبوين كافِرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم يكن بعدم أبويه يصير مسلمًا؛ فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة، ونقل عنه الميموني: أن الفطرة هي الدِّين، وهي الفطرة الأولى.
فهذا آخر قولَي أبي عبد الله (أحمد بن حنبل) في الفطرة، وقد كان يقول أولًا: إنها ما فُطروا عليه من الشقاوة والسعادة. أحكام أهل الذمة (5/ 87-88).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يُولد على الفطرة» ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، وأصرح منه رواية يونس المتقدمة بلفظ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: «ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يُعَبِّر عنه لسانه»، وفي رواية له من هذا الوجه: «ما من مولود إلا وهو على الملة». فتح الباري (3/ 248).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فقالت طائفة من الذاهبين إلى أنَّ الفطرة الإيمان والإسلام: ليس في قوله: «كل مولود» ما يقتضي العموم؛ لأن المعنى في ذلك: أنَّ كل من وُلد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإسلام، فإن أبويه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، قالوا: وليس المعنى: أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين مولودون على الفطرة، بل المعنى: أنَّ المولود على الفطرة بين الأبوين الكافرين محكوم له بحكمهما في كفرهما حتى يُعبِّر عنه لسانه، ويَبْلغ مبلغ من يكسب على نفسه، وكذلك من لم يولد على الفطرة، وكان أبواه مؤمنين حُكم له بحكمهما ما دام لم يحتلم، فإذا بلغ ذلك كان حكم نفسه، واحتج قائلو هذه المقالة بحديث أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أُبي بن كعب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا»...
ودفعوا رواية مَن روى: «كل بني آدم يولد على الفطرة» قالوا: ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه حُجة لما ذكرنا؛ لأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب، ألا ترى قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّها} الأحقاف: 25، ولم تدمر السماوات والأرض؟. الاستذكار (3/ 98-99).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ذكر أبو داود في تفسيره عن حماد بن سلمة: أنَّه كان يقول: هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى} الأعراف: 712.
قلتُ: معنى قول حماد في هذا حسَن، وكأنه ذهب إلى أنَّه لا عبرة للإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنَّما يُعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنَّه يقول: «فأبواه يهودانه وينصرانه» فهو من وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم الأبوين الكافرين؟. معالم السنن (4/ 325).
وقال ابن القيم -رحمه الله- بعد أنْ سَرَدَ روايات هذا الحديث المختلفة:
إنَّما سقنا هذه الألفاظ؛ لنبين بها أنَّ الكلام جملتان، لا جملة واحدة، وأنَّ قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» جملة مستقلة، وقوله: «أبواه يهودانه...» إلى آخره جملة أخرى، وهو يُبيِّن غلط مَن زعم أنَّ الكلام جملة واحدة، وأنَّ المعنى: كل مولود يُولد بهذه الصفة، فأبواه يهوِّدانه، وجعل الخبر عند قوله: «يهوِّدانه...» إلى آخره، وألفاظ الحديث تدل على خطأ هذا القائل.
ويدل أيضًا على أنَّ الفطرة هي فطرة الإسلام، ليست الفطرة العامة التي فطر عليها من الشقاوة والسعادة؛ لقوله: «على هذه الفطرة» وقوله: «على هذه الملة»، وسياقه أيضًا يدل على أنَّها هي المرادة لإخباره بأنَّ الأبوين هما اللذان يغيرانها، ولو كانت الفطرة هي فطرة الشقاوة والسعادة في قوله: «على هذه الفطرة» لكان الأبوان مُقدِّرين لها؛ ولأن قراءة قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} الروم: 30 عقب الحديث صريح في أنَّ المراد بها فطرة الإسلام؛ ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخَلْق، ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جَدَعَهَا أهلها فقطعوا أذنها، دليل على أنَّ الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة، وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجَدْعِ والتغيير في ولد البهيمة؛ ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام وهي الفطرة الممدوحة؛ ولهذا جاء في حديث الإسراء «لما أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- اللبن قيل له: أصبتَ الفطرة»، ولما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤذن يقول: الله أكبر، الله أكبر، قال: «على الفطرة»، وحيث جاءت الفطرة في كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجئ قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة، وابتداء الخِلْقة في موضع واحد، ولفظ الحديث يدل على أنه غير منسوخ، وأنه يستحيل فيه النسخ، كما قال بعضهم؛ لأنه خبر محض، وليس حُكمًا يدخل تحت الأمر والنهي، فلا يدخله النسخ. تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته (2/ 361-362).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
فليس المراد به (أي: بكون المولود يُولَد على الفطرة) أنه حين خرج من بطن أمه يَعْلَم هذا الدِّين ويريده، فإنه الله يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} النحل: 78، ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام؛ لقروبه ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته، وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض، وليس المراد أيضًا مجرد قبول الفطرة لذلك، فإنَّ هذا القبول تغيَّر بتهويد الأبوين، وتنصيرهما، بحيث يُخرجان الفطرة عن قبولها، وإن سعيا بين بنيهما ودعائهما في امتناع حصول المقبول أيضًا ليس هو الإسلام، وليس هو هذه الملة، وليس هو الحنيفية، وأيضًا فإنه شبَّه تغيير الفطرة بجدْعِ البهيمة الجمعاء، ومعلوم أنهم لم يغيروا قبوله، ولو تغير القبول وزال لم تقم عليه الحُجة بإرسال الرسل، وإنزال الكُتب، بل المراد أنَّ كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطِرِه، وإقراره له بربوبيته، وادعائه له بالعبودية، فلو خُلِّيَ وعدِمَ المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه. شفاء العليل (ص: 289).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فأول ما يولد الإنسان يولد على الفطرة، ولو تُرِكَ ونفسه في أرض برَّية ما عبد غير الله، ولو عاش في بيئة مسلمة ما عبد غير الله، وحينئذ تكون عبادته لله، إذا عاش في بيئة مُسلمة يكون المقوِّم لها شيئين: وهما الفطرة والبيئة، لكن إذا عاش في بيئة كافرة فإنه حينئذٍ يحدث عليه هذا المانع لفطرته من الاستقامة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». شرح العقيدة السفارينية (1/ 127).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
فإنْ قال قائل: هنا إشكال وهو أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنَّ «كل مولود يولد على الفطرة» وهنا يقول: «كلكم ضال»؟
فالجواب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ» لكن قال: «أَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ أَو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ» وهنا يخاطبُ -عزّ وجل- المكلّفين الذين قد تكون تغيرت فطرتهم إلى ما كان عليه آباؤهم، فهم ضلاَّلٌ حتى يهديهم الله -عزّ وجل-. شرح الأربعين النووية (ص: 246).
وفي رواية: «إلَّا وهو على المِلَّةِ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله:
قوله: «إلا وهو على الملة» وفي رواية الترمذي: «كل مولود يولد على الملة» والملة: هو دين الإسلام. لمعات التنقيح (1/ 365).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
رواية الترمذي وغيره: «الملة» بدل «الفطرة» والملة والدِّين ماصدقهما واحد، قال تعالى: {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} الأنعام: 161...، وبهذا كله يندفع ما هنا من أقوال كثيرة متباينة (أي: في معنى الفطرة) كما يظهر المتأمل. فتح الإله (1/449).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
والظاهر: أنَّ الملة أخص من الدِّين؛ ولذا قيل: باتحاد دِين الأنبياء وهو الإسلام والتوحيد، واختلاف مِلَلِهم؛ لاختلاف شرائعهم. مرقاة المفاتيح (1/ 163).
وفي رواية: «حتَّى يُبَيِّنَ عنه لسانُهُ» وفي رواية: «حتَّى يُعَبِّرَ عنه لسانُهُ» وفي رواية: «حتى يُعْرِب عنه لسانُهُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُعبِّر عنه لسانه» أي: يُبيِّن. مشارق الأنوار (2/ 64).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يُعْرِب عنه لسانُهُ» من البقاء على الفطرة، أو تغييرها. التنوير (8/ 203).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«حتى يُعْرِبَ عنه لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورًا»، فجعل الغاية إعراب لسانه عنه، أي: بيان لسانه عنه، فإذا أَعْرَبَ لسانه عنه صار إما شاكرًا، وإما كفورًا بالنص؛ ولأنه إذا بلغ سن التمييز وعقل ما يقول، صار له إرادة واختيار، ونُطْق يترتب عليه به الثواب. أحكام أهل الذمة (2/ 904).
قوله: «فأبواهُ يُهوِّدانه أو يُنصِّرَانهِ أو يُمجِّسَانه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فأبواه» أي: المولود. البحر المحيط الثجاج (41/ 483).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الفاء في «فأبواه» إما للتعقيب، وهو ظاهر، وإما للتسبُّيب، أي: إذا تقرَّر ذلك فمَن تغيَّر كان بسبب أبويه. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 546).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
أو جزاء شرط مقدَّر، أي: إذا تقرَّر ذلك: فمَن تغيَّر كان بسبب أبويه، إما بتعليمهما إياه، أو بترغيبهما فيه، وكونه تبعًا لهما في الدِّين يقتضي أن يكون حكمه حكمهما.
وخصَّ الأبوان بالذِّكْر للغالب، فلا حُجة فيه لمن حكم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرَين، كما هو قول أحمد، فقد استمر عمل الصحابة ومن بعدهم على عدم التعرض لأطفال أهل الذمة. فتح الباري (3/ 250).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: الضمير في «أبواه» راجع إلى كل مولود؛ لأنه عام، فيقتضي تهويد كل المواليد ونحوه، وليس الأمر كذلك؛ لبقاء البعض على فطرة الإسلام.
قلتُ: الغرض من التركيب أنَّ الضلالة ليست من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل أينما حصلت فهي بسبب خارج عن ذاته. الكواكب الدراري (7/ 134).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «يُهوِّدَانِهِ» أي: يجعلانه يهوديًّا إذا كانا يهوديَّين، «ويُنَصِّرَانِهِ» أي: يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا نصرانيَّين، «ويُمَجِّسَانِهِ» أي: يجعلانه مجوسيًّا إذا كانا مجوسيَّين. البحر المحيط الثجاج (41/ 483).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فأبواه يهوِّدانه وينصرانه» يحتمل أنْ يكون بطريق العقل والتعليم والتسبُّيب، ويحتمل أنْ يكون بالتبعية حُكمًا، وإنْ لم يقع ذلك فعلًا، وفيه على الثاني تبعية الصغير لأبويه الكافرين في حكم الكفر، وهو كذلك بالإجماع، والواو في قوله: «وينصرانه» بمعنى (أو) لأن الأبوين لا يفعلان الأمرين معًا، وإنما يفعلان أحدهما. طرح التثريب (7/ 229).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
المعنى: كل مولود يولد على ذلك العهد والإقرار الأول، وهو الفطرة؛ لأن معنى الفطرة ابتداءً وهو الحنيفية التي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطر العقول، ثم يُهَوِّد اليهود أبناءهم، ويُمَجِّس المجوس أبناءهم؛ أي: يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم أو عليه ثواب، ألا ترى أن الطفل من أطفال المشركين محكوم عليه بدِين أبويه، فإن خرج عنهما إلى مسلم حكم له بدين مالكه؟ الإفصاح (6/ 181).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فأبواهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ» لا ينافيه {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} الروم:30؛ لأن المراد به لا ينبغي أنْ تُبدَّل تلك الفطرة التي من شأنها أنْ لا تتبدل، وهو خبر في معنى النهي، كما ذكره البيضاوي، وفيه: النهي عن اتباع الآباء في الدِّين. التنوير (8/ 203).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أنَّ الكُفْر والمعاصي ليس بقَدَر الله، بل مما فعله الناس؛ لأن كل مولود يولد خلقه على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس؛ ولهذا قالوا لمالك بن أنس: إنَّ القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فبيَّن الأئمة أنَّه لا حُجَّة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون: إن نفس الأبوين خَلَقا تهوُّدَهُ وتَنَصُّرَهُ، بل هو تهوَّد وتنصَّر باختياره، لكن كانا سببًا في ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهم بهذا الاعتبار فَلَأَن يُضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأَولى؛ لأن الله وإنْ خلقه مولودًا على الفطرة سليمًا فقد قدَّر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعَلِمَ ذلك. درء تعارض العقل والنقل (8/ 362).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولما صار القدرية يحتجون بهذا الحديث على قولهم صار الناس يتأوَّلونه على تأويلاتٍ يخرجونه بها عن مقتضاه، فقالت القدرية: كل مولود يولد على الإسلام، والله سبحانه لا يُضل أحدًا، وإنما أبواه يضلانه، قال لهم أهل السنة: أنتم لا تقولون بأول الحديث، ولا بآخره، أما أوله فإنه لم يولد أحد عندكم على الإسلام أصلًا، ولا جعل الله أحدًا مسلمًا ولا كافرًا عندكم، وهذا أحدث لنفسه الكفر، وهذا أحدث لنفسه الإسلام، والله لم يخلق واحدًا منهما، ولكن دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما، وأعطاهما قدرة مماثلة فهما يصلح للضدين، ولم يخص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان، فإن ذلك عندكم غير مقدور له، ولو كان مقدورًا لكان منع الكافر منه ظلمًا، هذا قول عامة القدرية...
وأما كونكم لا تقولون بآخره: فهو أنه ينسب فيه التهويد والتنصير إلى الأبوين، وعندكم أن المولود هو الذي أحدث لنفسه التهويد والتنصير دون الأبوين، والأبوان لا قدرة لهما على ذلك ألبتة، وأيضًا فقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» دليل على أن الله يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين، أو يغيرون فيصيرون كفارًا، فهو دليل على تقدُّم العلم الذي ينكره غلاة القدرية، واتفق السلف على تكفيرهم بإنكاره، فالذي استدللتم به من الحديث على قولكم الباطل وهو قوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه» لا حجة لكم، بل هو حجة عليكم، فغَيْر الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في قلب أحد، بل المراد بالحديث دعوة الأبوين إلى ذلك، وتربيتهما له، وتربيتهما على ذلك مما يفعله المعلم والمربي، وخَصَّ الأبوين بالذِّكر على الغالب أنه جعل أبوان، وإلا فقد يقع من أحدهما، أو من غيرهما. شفاء العليل (ص: 287).
قوله: «كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعَاءَ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
(ما) في «كما» مصدرية؛ أي: كنِتاج البهيمة. المفاتيح (1/ 194).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «كما» إما حال من الضمير المنصوب في «يهوِّدانه» مثلًا، فالمعنى: يهوِّدان المولود بعد أنْ خُلق على الفطرة شبيهًا بالبهيمة التي جُدعت بعد أنْ خُلقت سليمة، وإما صفة مصدر محذوف، أي: يُغَيِّران تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة، أعني: «يهودانه» و«ينصرانه» و«يمجِّسانه» تنازعت في «كما» على التقديرين. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 546).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
يُروى على البناء للفاعل، وهو الأصح، وعلى بناء المفعول، يُقال: نتج الناقة ينتجها إذا تولى نتاجها حتى وضعت، فهو ناتج، وهو للبهائم كالقابلة للنساء، والأصل نتجها أهلها ولدًا؛ ولذا يتعدى إلى مفعولين، فإذا بني للمفعول الأول قيل: نتجت ولدًا إذا وضعت، وإذا وضعت للثاني قيل: نتج الولد إذا وضعته.
«بهيمةً» وقيل: مصغَّرة، ونصبها على أنَّه مفعول ثانٍ لـ«تنتج» والأول أقيم مقام فاعله، وقيل: إنَّه منصوب على الحال، بتقدير كون تنتج مجهولًا، أي: وُلدت في حال كونها بهيمة، أو على أنه مفعول إذا كان معروفًا من نتج إذا ولد. مرقاة المفاتيح (1/ 163).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال: «كما تنتج البهيمة» يعني: أنَّ البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو تُرِك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فخرج عن الأصل، وهو تشبيهٌ واقعٌ، ووجهه واضح، والله أعلم. فتح الباري (3/ 249).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كما تُنتَج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟» فالبهيمة الجمعاء المجتمعِة الخلق التامة غير الناقصة الصحيحة غير السقيمة، ليس فيها قطع أذن، ولا شقُّها، ولا نقص شيء منها.
يقول: فهل ترى فيها جدعاء؟ يقول: هل تحس مِن جَدْعٍ أو نقصان حين تنتج لتمام؟ يقول: ثم الجَدْعُ والآفات تدخلها بعد ذلك، فكذلك المولود يُولد سالمًا، ثم يحدث فيه بعد الكفر والإيمان. التمهيد (18/ 72).
قوله: «هلْ تُحِسُّونَ فيها مِن جَدْعَاءَ؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «هل تحسُّون فيها من جدعاء؟» هو من الإحساس، والمراد به العلم بالشيء، يريد أنَّها تولد لا جدْعَ فيها، وإنَّما يجدعها أهلها بعد ذلك. فتح الباري (3/ 250).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «هل تحسون» أي: هل تجدون وتُبصرون «فيها» أي: في تلك البهيمة (الجدعاء): البهيمة التي قُطعت أذنُها من (جَدْعٍ): إذا قطع الأنف أو الأذن أو الشَّفة؛ يعني: وُلد الإنسان على استعداد قَبول الإسلام، فجعله أبواه يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا، كما أنَّ البهيمةَ تُولَد وليس بها عيبٌ، فقَطَعَ صاحبُها أذَنها. المفاتيح (1/ 194).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «هل تحُسُّون فيها من جدعاء؟» في موضع الحال على التقديرين، أي بهيمة سليمة مقولًا في حقها هذا القول، وفيه نوع من التأكيد، بمعنى كل من نظر إليها قال هذا القول؛ لظهور سلامتها.
و«الجدعاء» البهيمة التي قُطعت أذنها، مِن جَدَعَ إذا قَطَعَ الأذن والأنف، وتخصيص ذكر الجدع إيماءً إلى أنَّ تصميمهم على الكفر إنَّما كان بسبب صَمَمِهِم عن الحق، وأنَّه كان خليقًا فيهم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 546).
قوله: «ثم يقولُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} الروم: 30»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يقولُ...» إلخ، فاعل (يقول) ضمير أبي هريرة -رضي الله عنه-، كما بُيِّن في الرواية الماضية، وليس ضمير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففيه إدراج، كما مرَّ بيانه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (41/ 503).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«ثم يقولُ» ظاهر السياق قرأ، فعدل منه لفظًا إشارة فيما يظهر -والله أعلم- أنَّ اللفظ القرآني في مقام الاستدلال لا تجري عليه أحكام القرآن؛ لأن ذكره للاستدلال به صارف له عن القرآنية، ومن ثم قال أئمتنا: ما ذُكر لقرينة لا يكون قرآنًا إلا بالقصد، فلا يَحرم على الجُنب، ويَبْطُل به الصلاة، ويحنث به مَن حَلَفَ لا يتكلَّم، وصيغة كلامه حكاية للحال الماضية؛ ليستحضرها السامع في ذهنه، حتى يصير كأنَّه يسمع . فتح الإله (1/451).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم يقول» والظاهر: ثم قرأ، فعدل إلى القول، وأتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية؛ استحضارًا له في ذهن السامع، كأنَّه يسمع منه -عليه الصلاة والسلام-. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 546).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
{فِطْرَةَ اللهِ} قيل: نُصب على المصدر، أي: فَطَرَ فِطْرَةً، وقيل: على الإغراء، أي: الزموا فطرة الله. الأزهار مخطوط لوح (48).
وقال الواحدي -رحمه الله-:
قوله: {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} المراد بالناس ها هنا: المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام يوم أخذ الميثاق؛ لأن المشرك لم يُفطَر على الإسلام، فلفظ الناس عام، والمراد منه الخصوص، هذا وجه قول المفسرين في هذه الآية. التفسير البسيط (18/ 54).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الأَوْلَى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعًا مفطورون على ذلك، لولا عوارض تعرض لهم، فيبقون بسببها على الكفر، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، وفي رواية: «على هذه الملة، ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟»...، وسيأتي في آخر البحث ما ورد معاضدًا لحديث أبي هريرة هذا، فكل فرد من أفراد الناس مفطور -أي: مخلوق- على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريَّين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم وقول جماعة من المفسرين وهو الحق. فتح القدير (4/ 258).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: {لَا تَبْدِيلَ} لا يجوز أنْ يكون إخبارًا محضًا؛ لحصول التبديل، بل يُؤول بأنْ يُقال: من شأنه أنْ لا يبدل، أو يُقال: إنَّ الخبر بمعنى النهي. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 546).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: {ذَلِكَ} أي: التوحيد الذي هو معنى الفطرة هو {الدِّينُ القَيِّمُ} أي: المستقيم، الذي لا عوج له، ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل. مرقاة المفاتيح (1/ 164).