«مَن صُنِعَ إليهِ معروفٌ فقالَ لِفاعلهِ: جزاكَ اللهُ خيرًا فقد أَبْلَغَ في الثَّناءِ».
رواه الترمذي برقم: (2035)، والنسائي في الكبرى برقم: (9937)، وابن حبان برقم: (3413)، من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6368)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (969).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«معروف»:
المعروف: الإحسان، والمراد: مَنْ أحسن إليه إنسان بأيِّ إحسان. سبل السلام، للصنعاني (6/ 366)
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والمعروف: هو اسم جامع لكُلِّ ما عُرِفَ من طاعة الله والتَّقرُّب إليه والإحسان إلى الناس. النهاية، ابن الأثير (3/ 216).
«الثنَاءِ»:
الثَّناء للشيء: فعل ما يُشعر بتعظيمه. التعريفات، الجرجاني (ص: 72).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الذِّكر بالخير، والكلام الجميل. شمس العلوم (2/ 895)
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من صُنِعَ إليه» بصيغة المجهول، أي: أُحسن إليه «معروف» وفي نسخة: معروفًا بالنصب، أي: أُعطي عطاءً. مرقاة المفاتيح (5/ 2012).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من صُنِع» بالبناء للمجهول «إليه معروف» من نحو إطعام أو كسوة، أو جلب مصلحة أو دفع مضرَّة، وكذا إذا كان المعروف معنويًّا كإفادة علم أو إفاضة معرفة. دليل الفالحين (7/ 300).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «معروف» هو ضِدُّ المنكر، والمراد: مَنْ أحسن إليه. البدر التمام (9/ 485).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المعروف: الإحسان، والمراد: من أحسن إليه إنسان بأي إحسان. سبل السلام (2/ 556).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا» لاعترافه بالعجز عن جزائه، وهذا عند العجز عن مكافأته بالإحسان، فإن قدر على مكافأته فالجمع بينهما أفضل من الاقتصار على الدُّعاء. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/ 308).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من صنع إليه معروف» يعني: أسدي إليه المعروف، سواء كان هذا المعروف مالًا أو جاهًا أو منفعة بدن أو غير ذلك، أيُّ معروف يُصنع إليك ويُسدى إليك، فإنك مأمور بأن تكافئ بما يليق، وإذا كُنَّا نكافئه بما يليق فمن الناس مَنْ يليق أن نكافئه بمثل ما أعطانا، ومن الناس مَنْ لا يليق به إلا الدُّعاء، فالناس يختلفون ليس كُلُّهم على حدٍّ سواء، مثلًا: لو أهدى إليك رجل كبير غنيُّ غنى واسعًا، أهدى إليك هدية تساوي مثلًا ألف ريال، وهل من المستحسن أن تكافئه بألف ريال؟! لا، حتى هو ينقصك، فمثل هذا يُدعى له. ولو أسدى إليك فقير شيئًا يساوي مائة ريال، فما مكافأة هذا الفقير؟ أن تعطيه ألف ريال؟ لا، أن تعطيه أكثر؛ لأن ألف ريال عند الفقير شيء كبير، وليست بشيء عندك وأنت غني، فهذا الرَّجل اجتهد في إسداء المعروف إليك فكافئه، فإن لم تجد ما تكافئه، فادعُ الله له. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (6/ 122).
قوله: «فقال لِفاعلهِ: جزاك الله خيرًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال لفاعله» أي: بعد عجزه عن إثابته أو مطلقًا «جزاك الله خيرًا» أي: خير الجزاء، أو أعطاك خيرًا من خيري الدُّنيا والآخرة. مرقاة المفاتيح (5/ 2012).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال لفاعله» عبَّر به دون صانعه؛ تفنُّنًا في التَّعبير «جزاك الله خيرًا» التَّنكير فيه للتَّعظيم كما يومئ إليه سؤاله من الله تعالى. دليل الفالحين (7/ 300).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «جزاك الله خيرًا» أي: تولَّى الكريم جزاءك بالخير، والكريم إذا تولَّى الجزاء دلَّ ذلك على سَعَة العطاء. الفتوحات الربانية (6/ 225).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«مَن صُنِعَ إليه معروفٌ، فقال: جزاك الله خيرًا...» فبدليل هذا الحديث مَن قال لأحدٍ: جزاك الله خيرًا مرة واحدة فقد أدَّى حقَّه، وإن كان حقُّه كثيرًا.
وكانت عادة أُمِّ المؤمنين عائشةَ -رضي الله عنها- إذا دعَا لها السَّائلُ أن تُجيبَه بمثل ما يدعو لها السَّائل، ثُمَّ تعطيه من المال ما تعطيه، فقيل لها: أتعطين السَّائل المال وتَدْعِينَ له بمثل ما يدعو لك؟ فقالت: لو لَمْ أَدْعُ له لكان حقُّه بالدُّعاء لي أكثر من حقِّي بالصَّدقة، فأدعو له بمثل ما يدعو، حتى أكافئ دعاءَه بدعائي؛ لِتَخلُصَ لي صدقتي. المفاتيح (2/ 553).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«جزاك الله خيرًا» مكافأةً له بالمقال. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 296).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وفي قول الدَّاعي: «جزاك الله خيرًا» ثناء على المحسن أيضًا؛ لأن الجزاء بالخير للمحسن هو دعاء وثناء. الأزهار شرح مصابيح السنة مخطوط لوح (291).
وقال النووي -رحمه الله-:
والأشهرُ أنه يُكره أنْ يُقال: أطالَ الله بقاءَك...، قال إسماعيل بن إسحاق: أوَّلُ مَن كتب: أطالَ الله بقاءَك الزَّنادقة.
وروي عن حماد بن سلمة -رضي الله عنه- أنَّ مكاتبة المسلمين كانت: مِن فلان إلى فلان: أمَّا بعد: سلامٌ عليك، فإني أحمدُ الله الذي لا إِله إِلَّا هو، وأسألُه أن يصلِّيَ على محمد وعلى آل محمد، ثم أحدثتِ الزَّنادقةُ هذه المكاتبات التي أوَّلُها: أطالَ اللَّه بقاءَك. الأذكار (ص: 370).
قوله: «فقد أَبْلَغَ في الثَّنَاءِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فقد أبلغ في الثَّناء» يعني: فقد بالغ في أداء شكره. المفاتيح (3/ 521).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فقد أبلغ في الثَّناء» وذلك أنه اعترف بالتَّقصير، وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوَّض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2231).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فقد أبلغ في الثَّناء» لأنه اعترف بالقصور، ففوَّض إلى اللَّه تعالى. لمعات التنقيح (5/ 678).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقد أبلغ في الثَّناء» أي: بالغ في ثنائه على فاعله، وجازى المحسن إليه بأحسن مِمَّا أسداه إليه؛ حيث أظهر عجزه، وأحاله على ربِّه. دليل الفالحين (7/ 300).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
فمَن دعا بذلك لأخيه فقد أبلغ في الثناء لأن القصد من الثناء عود أمر ملائم لصاحب الجميل من ذكره بالخير، وهذا اللفظ لكون السؤال فيه بأمر ملائم له على الدوام أبلغ في المراد والمرام. الفتوحات الربانية (6/ 225)
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «فقد أبلغ الثَّناء» إذ فيه شكرٌ لهم على ما فعلوه معه من حيث إنه عجز عن القيام بمكافأتهم، وطلب من الله لهم الجزاء في ذلك النِّداء فقد أبلغ الثَّناء. الفتوحات الربانية (7/ 263).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «فقد أبلغ في الثَّناء» يدلُّ على أن الدُّعاء للمحسن مكافأةٌ له على إحسانه، وقد ورد في الحديث أن الدُّعاء إذا عجز عن المكافأة مكافأة. البدر التمام (9/ 486).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فقد أبلغ في الثَّناء» أي: على فاعله إليه، فدلَّ أن الدُّعاء لفاعل المعروف ثناء عليه بالغ، وفيه دليل على أن صانع المعروف يستحِقُّ على مَنِ ابتدأه إليه الثَّناء عليه، وأبلغ الثَّناء هو الدُّعاء، فإن فيه الإقرار بأنه لا يستطيع المكافأة له، على ما أسداه إلَّا الله بجزائه عليه خيرًا. ونكَّر الخبر تعظيمًا له. التحبير لإيضاح معاني التيسير (2/ 549).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«فقد أبلغ في الثَّناء» على مَنْ أحسن إليه إذ دعا له بالجزاء من الله، وجعله خيرًا. ونكَّره تعظيمًا له. وهل تسقط عنه المكافأة بالمال؟ لا تسقط عنه إذا كان واجدًا، وإلَّا سقطت. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 296).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
والمراد: مَنْ أحسن إليه إنسان بأيِّ إحسان فكافأه بهذا القول، فقد بلغ في الثَّناء عليه مبلغًا عظيمًا، ولا يدلُّ على أنه قد كافأه على إحسانه، بل دلَّ على أنه ينبغي الثَّناء على المحسن، وقد ورد في حديث آخر: إن الدُّعاء إذا عجز العبد عن المكافأة مكافأة. سبل السلام (2/ 556- 557).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
ووجه تضمُّن كلامه الثَّناء أنه حيث طلب له المجازاة بالخير؛ فقد شهد له بالخير. حسن التنبه (4/ 434).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
فدلَّ هذا الحديث على أن مَنْ قال لأحد: جزاك الله خيرًا مرَّة واحدة فقد أدَّى العوض وإن كان حقُّه كثيرًا. عون المعبود (5/ 62).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ويؤخذ منه أن أصل الدُّعاء بنحو: جزاك الله خيرًا يُؤدَّى به حقُّ المحسن مع المبالغة، ويخرج به عن عهدة شكره؛ حيث أظهر عجزه عن مجازاته، وأحال مكافأته على ربِّه. المنهل العذب المورود (9/ 324).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن ذلك أن تقول له: جزاك الله خيرًا إذا أعطاك شيئًا، أو نفعك بشيء، فقل له: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغت في الثَّناء؛ وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيرًا كان ذلك سعادة له في الدُّنيا والآخرة. شرح رياض الصالحين (6/ 50).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
ومن الدُّعاء قوله: «جزاك الله خيرًا» أي: أعطاك خيرًا مما أعطيتني، فخيرًا هنا اسم تفضيل، المعنى: أعطاك الله أخير مما أعطيتني، ويكون هذا قد أبلغ في الثَّناء، يعني: أنه أثنى على هذا الذي أعطاه، أو صنع إليه المعروف على وجه بالغ، من الذي يقول: شكرًا؛ لأن كثيرًا من الناس الآن إذا صنعت إليه معروفًا يقول: شكرًا، حتى إنه لا يقول: شكرًا لك، والأحسن أن يقول: جزاك الله خيرًا، حتى يبلغ في الثُّناء. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (6/ 122).
وقال ولي الله الدهلوي -رحمه الله-:
قال -صلى الله عليه وسلم-: «من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثَّناء» أقول: إنما عيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه اللفظة لأن الكلام الزَّائد في مثل هذا المقام إطراء وإلحاح، والنَّاقص كتمان وغمط، وأحسن ما يُحيِّي به بعض المسلمين به بعضًا ما يذكر المعاد، ويحيل الأمر على الله، وهذه اللفظة نصاب صالح بجميع ما ذكرنا. حجة الله البالغة (2/ 178).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: مشروعية الدُّعاء لمن فعل المعروف حسيًّا أو معنويًّا. تطريز رياض الصالحين (ص: 819).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1: استحباب مكافأة مَنْ أسدى إليك معروفًا.
2: أنَّ مَنْ كافأ صانع المعروف بالدُّعاء له أن يجزيه اللَّه خيرًا، فإنه لا يعتبر مُقَصِّرًا في مكافأته. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 32).
وللاستفادة من الرواية الأخرى الموجبة للشكر ينظر (هنا)