السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«دخلَ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المسجدَ، فإذا فيه قومٌ يقرؤون القرآنَ، قال: اقرؤوا القرآنَ، وابْتَغُوا به اللهَ، مِن قبلِ أنْ يأتيَ قومٌ يُقِيمُونَهُ إقامةَ القِدْحِ، يَتَعَجَّلُونَهُ، ولا يَتَأَجَّلُونَهُ».


رواه أحمد برقم: (14855) واللفظ له، وأبو داود برقم: (830)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (259)، صحيح سنن أبي داود برقم: (783).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«القِدْح»:
‌السَّهْمُ ‌قبل ‌أن ‌يُراش ويُنصَل، وجمعه قِداح. العين، الفراهيدي (3/ 41).
قال الكرماني -رحمه الله-:
«القِدح» بكسر القاف ‌السهم ‌قبل ‌أنْ ‌يراش ويركب نصله. الكواكب الدراري (19/ 50).

«يتأَجَّلونه»:
أي: يطلبون بقراءتهم الأجر عاجلًا، ولا يلتفتون إلى الأجر الآجل في الدَّار الآخرة ولا يطلبونه. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (4/ 583).
والتَّأجُّل: تفعُّل من الأجل، وهو الوقت المضروب في المستقبل. مجمع بحار الأنوار، للفتني (1/ 24).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
التَّأجُّل: تَفَعُّل من الأجل، أي: لا يؤخِّرونه إلى أجل، ‌والأجل: ‌مُدَّة ‌معينة. جامع الأصول (2/ 450).


شرح الحديث


قوله: «دخل النبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم- المسجد، فإِذا ‌فيه ‌قوم ‌يقرؤون ‌القرآن»:
قال محمود السُّبكي -رحمه الله-:
قوله (في لفظ أبي داود): «ونحن نقرأ القرآن...» إلخ، أي: نتدارسه ونتلوه. المنهل العذب المورود (5/ 263).

قوله: «قال: اقرؤوا القرآن، وابتغوا به اللهَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: اقرؤوا» على الكيفية التي تُسهِّل على ألسنتكم النُّطق بها، مع اختلاف ألسنتكم في الفصاحة واللُّكْنة واللُّثْغة من غير تكلُّف، ولا مشقَّة في مخارج الحروف، ولا مبالغة ولا إفراط في المدِّ والهمز والإشباع وإفحاش في الإضجاع والإدغام، فقد كانت قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخيار السَّلف والتَّابعين سهلة رسلة، لو أراد السَّامع أن يعدَّها حرفًا حرفًا لعدَّها، وقد أقرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل كُلِّ لسان على قراءتهم الجِبِلَّية التي طبعهم الله تعالى عليها، ولم يُكلِّفْ أحدًا منهم بأن يجتهد في إصلاح لسانه وتَردُّده إلى المعلمين، كما في هذا الزَّمان، حتى أن بعضهم يستمِرُّ يقرأ في فاتحة الكتاب شهرًا، أو نحوه، ويلازم التَّلفُّظ بالضَّادِ المعجمتين في {‌الْمَغْضُوبِ ‌عَلَيْهِمْ ‌وَلَا ‌الضَّالِّينَ} الفاتحة: 7. أيَّامًا...
والمقصود: أنَّ السَّلف الصَّالح والأئمَّة كرهوا التَّنطُّع في مخارج الحروف والغلوِّ في النُّطق بها -فنسأل الله العافية من ذلك-. ومَنْ تأمَّل هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وإقراره أهل البوادي وجُلْف الأعراب، ومَنْ أسلم من الأعاجم على قراءتهم التي يألفونها، ووصف قراءتهم مع قراءة فصحاء العرب بالحسن.
قوله: «اقرؤوا» كما أنتم تقرؤون، ودوموا عليها «فكُلُّ» هذا «حسن»، وفيه فضيلة وأجر وثواب. شرح سنن أبي داود (4/ 581- 583).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«اقرؤوا القرآن، وابتغوا به وجه الله» فإن المراد من تلاوته المأمور بها بأن يقرأه لتدبُّر معانيه؛ ولِمَا أعدَّ الله من الأجر لتاليه. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 611).

قوله: «من قبلِ أَن يأْتي قوم يُقِيمُونَهُ إِقامةَ القِدْحِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وسيجيء أقوام» يشبه أن يكون الأقوام في قرون متوالية، في كُلِّ قرن قوم «يقيمونه» بألسنتهم «كما يُقام القِدْح» بكسر القاف، وسكون الدَّال، هو السَّهم كما يأتي في الرِّواية الآتية، وهو الذي يُرمى به من القوس، والقدَّاح صانعه، وفي حديث عمر: «كان يُقوِّمهم في الصَّفِّ كما يقوم القَدَّاح القِدْح». شرح سنن أبي داود (4/ 583).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يقيمونه» أي: يقيمون القرآن كمال يقام القِدْح، القِدْح: بكسر القاف وسكون الدَّال، السَّهم إذا قوِّم واستوى قبل أن ينصل ويراش، فإذا رُكِّب فيه النَّصل والرِّيش فهو سهم. شرح سنن أبي داود (4/ 12).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقيمونه» أي: يصلحون ألفاظه وكلماته، ويتكلَّفُون في مراعاة مخارجه وصفاته «كما يقام القِدْح» أي: يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة؛ لأجل الرِّياء والسُّمعة والمباهاة والشُّهرة. مرقاة المفاتيح (4/ 1505).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من قبل أن يأتي قوم» أي: قرون متتالية «يقيمونه إقامة القِدْح» بكسر القاف: السَّهم الذي يرمي به. فيض القدير (2/ 66).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«يقيمونه» أي: يبالغون في تحقيق حروفه، وإخراجها من مخارجها، كما يقام القِدْح، أي: السَّهم، ومع ذلك هم مذمومون غاية الذَّمِّ، وملامون أقبح اللَّوم؛ لأنهم راعوا هذا الأمر السَّهل التَّابع، مع بناء الأمر فيه على دفع الحرج والمساهلة في مخارج الحروف، بحيث يصدق على الحرف أنه خرج من أدنى مخرجه من غير مبالغة، ولا إعمال فكر يشوِّش الخشوع، ويمنع الفهم، وغفلوا عن الأمر المهم، المقصود من القارئ بالذَّات، وهو الإخلاص في القراءة، والتَّفكُّر في معانيها، والخوض في عجائبها، وزادوا في القبح أنهم ضمُّوا إلى هذه الغفلة أنهم إنما يقرؤونه لأجل الحطام الفاني. فتح الإله (7/219).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقِّبًا:
وأمَّا قول ابن حجر (الهيتمي): ومع ذلك هم مذمومون؛ لأنهم راعوا هذا الأمر السَّهل، وزادوا في القبح أنهم ضمُّوا إلى هذه الغفلة أنهم يقرؤونه لأجل حطام الدُّنيا، فغير محمود؛ إذ ليس الذَّمُّ على مبالغتهم في مراعاة الأمر السَّهل، بل الذَّمُّ من جهة ترك الأمر المهم. مرقاة المفاتيح (4/ 1505).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«يقيمونه» أي: يصلحونه ويسوُّونه «كما يقام القِدْح» بالكسر: وهو السَّهم قبل أن يُراش ويُنصل. لمعات التنقيح (4/ 599).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح» بكسر القاف، وسكون الدَّال، أي: السَّهم، أي: يُسرِعُون في تلاوته إسراع السَّهم إذا خرج من القوس. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 272).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من قبل أنْ يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح» بكسر القاف، وسكون الدَّال المهملة، وحاء مهملة هو السَّهم، الذي كان يستقسمون به، وهو أحد الأزلام، أو الذي يُرمى به عن القوس، يقال له: أوَّل ما تقطع قطع، ثم نحت، ثم يبري وينتهي بريًا، ثم يُقوَّم فيسمى قِدحًا، ثم يراش، ثم يُركَّب نصله، فيُسمَّى سهمًا، أي: يقيمون ألفاظه طلبًا للعاجل من الجاه والمال. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 611).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
أي: يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة، ويجهدون كمال الجهد في إصلاح الألفاظ، ومراعاة القواعد، ومراعاة صفات ألفاظه، وليس غرضهم بهذا إلَّا طلب الدُّنيا رياء وسمعة ومباهاة وشهرة «كما يقام القِدْح» وهو السَّهم قبل أن يُراش. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (4/ 263).

قوله: «يتعجَّلونه، ولا يتأَجَّلونه»:
قال الكلاباذي -رحمه الله-:
معناه -والله أعلم-: يريدون به العاجلة عرض الدُّنيا وحطامها، والرِّفعة فيها «ولا يتأجلونه» أي: لا يريدون به الدَّار الآخرة، وما عند الله، فمعناه: أنهم لا يقرؤون القرآن للآجلة، بل يقرؤونه للعاجلة، فمَنْ أراد به الدُّنيا، وترسَّل في قراءته، ورتَّله، فهو متعجِّل، ومَنْ أراد به الآخرة، ومَرَّ فيه متعجِّلًا قراءته بعد أداء الحروف حقِّها، فهو متأجِّل. معاني الأخبار (ص:61).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يتعجَّلونه ولا يتأجَّلونه» أي: يطلبون بقراءتهم الأجر عاجلًا، ولا يلتفتون إلى الأجر الآجل في الدَّار الآخرة، ولا يطلبونه. شرح سنن أبي داود (4/ 583).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يتعجَّلُونه» يقال: أعجله وتعجَّله وعجَّله تعجيلًا، إذا استحثَّه، والمراد يتعجَّلُون أجره في الدُّنيا، ويطلبون على قراءتهم أجرة من الأعراض الدُّنياوية، ولا يصبرون إلى الأجر والثَّواب الذي يحصل لهم في دار الآخرة، وقد وقع مثل ما قال- عليه السلام-. شرح سنن أبي داود (4/ 12).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يتعجَّلونه» أي: ثوابه في الدُّنيا «ولا يتأجَّلونه» بطلب الأجر في العقبى، بل الذَّمُّ يُؤثرون العاجلة على الآجلة. مرقاة المفاتيح (4/ 1505).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌يتعجَّلونه» أي: يطلبون بقراءته العاجلة من عرض الدُّنيا والرِّفعة فيه. ولفظ رواية أحمد: «يتعجلان أجره»، «ولا يتأجَّلونه» أي: لا يريدون به الآجلة، وهو جزاء الآخرة، فمَنْ أراد بها الدُّنيا فهو متعجِّل، وإن ترسَّل في قراءته، ومَنْ أراد به الآخرة فهو متأجِّل، وإنْ أسرع في قراءته بعد إعطاء الحروف حقِّها. فيض القدير (2/ 66).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «‌يتعجَّلونه» أي: أجره، كما في الرِّواية الآتية، أو يسرعون في قراءته، فيقرؤون بلا فهم وتدبُّر. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (1/ 499).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: يقيمون ألفاظه طلبًا للعاجل من الجاه والمال، «‌يتعجَّلونه ولا يتأجَّلونه» يأخذون به حظَّ العاجلة دون الآجلة. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 611).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«يتعجَّلونه» أي: ثوابه في الدُّنيا «ولا يتأجَّلونه» بطلب الأجر في العقبى، بل يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويتأكَّلون، ولا يتوكَّلون. عون المعبود (3/ 42).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «‌يتعجَّلونه، ولا يتأجلونه» أي: يتعجَّلون أجره في الدُّنيا، ويطلبون على قراءتهم الأعراض الدُّنيوية، ولا يؤخِّرونه إلى الجزاء والثَّواب الذي يكون لهم في الدَّار الآخرة، فيتَّخِذون القراءة مَتجرًا لتحصيل حُطام الدُّنيا، والقرآن أُنزل للتَّعبُّد بتلاوته، والعمل بأحكامه. المنهل العذب المورود (5/ 263).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «ولا يتأجَّلونه» كأن المراد يتعجَّلون أجر تلاوة سؤال الناس تعجيل شيء من الدُّنيا، ولا يتأجَّلونه، لا يدَّخِرون أجره. التحبير لإيضاح معاني التيسير (2/ 474).
وقال محمد رشيد رضا -رحمه الله-:
ومعنى «يتعجَّلونه ولا يتأجَّلونه» يطلبون الانتفاع به، والأجر عليه في الدُّنيا، لا في الآخرة، وهذا الحديث يصدق على القُرَّاء لأجل الكسب في هذا الزَّمان. مجلة المنار (8/ 258).
وقال محمد رشيد رضا -رحمه الله- أيضًا:
وله ألفاظ أخرى، ومعناه: أنهم يقيمون ألفاظه، ويضيّعون أحكامه، ويتعجلون أجره في الدُّنيا، ولا يدَّخِرون ثوابه الآجل عند الله في الآخرة. مجلة المنار (24/ 423).
وقال ابن قاسم -رحمه الله-:
أي: يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة للرِّياء والمباهاة، والشُّهرة والتَّأكُّل، ويذهب الخشوع. حاشية الروض المربع (2/ 206).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«يتعجَّلونه» أي: يطلبون جزاءه وثوابه في الدُّنيا، فهو على حذف مضاف، وقيل: أي: يشترون بآياته ثمنًا قليلًا. مرعاة المفاتيح (7/ 291).
وقال عبد الله المباركفوري -رحمه الله- أيضًا:
والحاصل: إنهم يبالغون في التَّحسين والتَّطريب، ويجهدون غاية جهدهم في إصلاح الألفاظ، ومراعاة صفاتها، ومراعاة قواعد الفن؛ رياء وسمعة ومباهاة وشهرة، فليس غرضهم بهذا إلَّا طلب الدُّنيا.
وفي الحديث: رفع الحرج، وبناء الآمر على المساهلة فيما يتعلق بقراءة الألفاظ والحروف على السَّجيَّة والفطرة، والحرص كُلُّ الحرص على فهم المعاني، والعلم بالمقاصد، والاتِّباع لشرائعه وأحكامه. مرعاة المفاتيح (7/ 290-291).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
فهذه الأدِلَّة ونحوها تدلُّ على أن تعليم القرآن والمسائل الدِّينيَّة لا يجوز أخذ الأجرة عليها.
وممن قال بهذا: الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وأَبو حنيفة، والضحاك بنُ قيس، وعطاء. وكره الزُّهْريُّ وإسحاق تعليم القرآن بأجر. أضواء البيان (3/ 28).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفيه ‌رفع ‌الحرج، وبناء الأمر على المساهلة في الظَّاهر، وتحري الحسنة والإخلاص في العمل، والتَّفكُّر في معاني القرآن، والغوص في عجائب أمره. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1691).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
وهذا من معجزاته -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه إخبار عن غيب قبل مجيئه. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 272).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ