«مَن يدخلُ الجنةَ ينعَمُ لا يبأَس، لا تَبلى ثيابُه، ولا يَفنى شبابُه».
رواه مسلم برقم: (2836)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ينعَمُ»:
يقال: نعِم ينعَم إذا تنعَّم، وأنعم أصار أوصل نعمةً إلى غيره، وأنعم دخل في النَّعيم. الغريبين في القرآن والحديث، الهروي (6/ 1863).
«يبأس»:
يقال: بئِس يبأَس بؤسًا وبأسًا: افتقر واشتدَّت حاجته، والاسم منه بائس. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 89).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
البؤس: الشَّقاء وسوء العيش. كشف المشكل (10/310).
«تَبلى»:
بَلِيَ الثَّوب بِلىً وبَلَاءً، أي: خَلِق. المفردات في غريب القرآن (ص: 145).
وقال المظهري -رحمه الله-:
بَلِيَ الثوبُ يَبْلَى بلاء: إذا خَلُقَ واندرس. المفاتيح (6/ 14).
«يَفنى»:
أي: يهرم، ومنه قيل للشيخ الكبير: فانٍ، أي: هرم. غريب الحديث، لأبي عبيد (3/ 294).
شرح الحديث
قوله: «مَن يدخل الجنة ينعَم لا يبأس»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَن» موصولة مبتدأ، خبرها «ينعَم» أي: الذي «يدخل الجنة ينعَم» بفتح المثنَّاة التحتيَّة، والعين، أي: يصيب نعمة، أو يدوم نعيمه، ويحتمل أن تكون «مَن» شرطيَّة، ويجزم الفعلان بعدها بها.
«لا يبأس» بسكون الموحدة، فهمزة مفتوحة، أي: لا يفقر، ولا يغتم. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (43/ 622).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي رواية: «إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا» أي: لا يصيبكم بأس، وهو شدَّة الحال، والبأس والبؤس والبأساء والبؤساء بمعنى، وينعَم وتنعَم -بفتح أوَّله والعين- أي: يدوم لكم النَّعيم. شرح صحيح مسلم (17/ 174).
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يرضَ أن يصف أهل الجنة بالنَّعيم فحسب حتى نفى عنهم البؤس؛ لأن الإنسان قد ينعم ثم يبؤُس، فأخبر بنفي ما يؤذي لو عرض مع حصول النعيم، والبؤس: هو الشَّقاء وسوء العيش. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 389).
وقال التوربتشي -رحمه الله-:
«ينعَم لا يبأس» يريد: أنَّ نعيم الجنة لا يشوبها بؤس، ولا يتعقَّبها شدَّةٌ فتكدِّرها، يقال: بئس يبأس بؤسًا وبئيسًا: إذا اشتدَّت حاجته؛ فهو بائس. الميسر في شرح مصابيح السنة (4/ 1216).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«مَن يدخل الجنة ينعَم لا يبأس» معناه: أنَّ الجنة دار الثَّبات والقرار، وأنَّ التَّغيُّر لا يتطرق إليها، فلا يشوب نعيمها بؤس، ولا يعتريه فساد، ولا يتغير، فإنها ليست دار الأضداد. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 422).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لا يبأس» تأكيد لقوله: «ينعم»، والأصل أن الإيحاء بالواو، لكن أراد به التَّقرير على الطَّرد والعكس، كقوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم: 6. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3558).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا يبأس» بفتح الهمزة، أي: لا يفتقر، وفي رواية بضمِّها، أي: لا يحزن، ولا يرى بأسًا، قيل: والصَّواب الأَوَّل. فيض القدير (6/ 241).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن يدخل الجنَّة ينعَم» مِنْ باب فرِح أي: يتفرَّح ويتلذَّذ بنعيمها أبدًا «لا يبأس» أي: لا يأخذه البأس والشِدَّة والجوع والعطش، وقوله: «ينعَم» بفتح الياء والعين، أي: يتنعَّم في النعيم المقيم الدَّائم «لا يبأس» بسكون الموحَّدة وفتح الهمزة، أي: لا يفقر ولا يغتمَّ، ولا يصيبه بؤس، والبؤس والبأس والبأساء والبؤوس بمعنى شِدَّة الحال. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (25/ 501).
قوله: «لا تَبلى ثيابُه»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
يعني: أنّ ثيابهم ليست قابلة للبلاء. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 389).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وقوله: «لا تبلى ثيابه» الظَّاهر: أنَّ المراد به الثِّياب المعهودة، لا يلحقها البلى، ويُحتمل: أن يراد به الجنس، بل لا يزال عليه الثِّياب الجدد، كما أنها لا ينقطع أُكلُها في جنسه، بل كُلُّ مأكول يخلفه آخر، والله أعلم. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 138).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وفي حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: جاء أعرابي .. فذكر الحديث إلى أن قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن ثياب الجنة أتُخلق خلقًا أم تُنسَج نسجًا؟ قال: فضحك بعض القوم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تضحكون من جاهل سأل عالمًا؟» فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- ساعة، ثم قال: «أين السَّائل عن ثياب الجنة؟» قال: ها هو ذا يا رسول الله، قال: «لا، بل تُشقَّق عنها ثمار الجنة» ثلاث مرَّات، والله أعلم. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (15/ 45).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وليس المراد بأنها لا تبلى، وإنما الإخبار أنها لا تزال جديدة لا يؤثر فيها اللُّبس كثياب الدُّنيا. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 430).
وقال المباركفوري -رحمه الله-:
«ثيابهم» وكذا أثاثهم. تحفة الأحوذي (7/194).
وقال الشيخ محمد آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا تبلى ثيابه» هكذا في النُّسخ بلا واو أيضًا، وهو بفتح حرف المضارعة، واللَّام، أي: لا تخلق ثيابه التي يلبسها؛ لأنها غير مركَّبة من العناصر. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (43/ 622).
وقوله: «ولا يَفنى شبابُه»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
إن شبابهم ليس له غائلة ينتهي إليها؛ لأنه أحسن عمر الإنسان، فعمرهم كُلُّه من أوَّلِه إلى ما لا نهاية له شبابٌ كُلُّه. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 389).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ولا يفنى شبابه» إذ لا هرم ثَمَّ ولا موت. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 448).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا يفنى شبابه» إذ لا هرم فيها بل أهلُها على سنٍّ واحدة أبناء ثلاث وثلاثين سَنَة. التنوير شرح الجامع الصغير (10/430).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
معناه: أنَّ الجنة دار الثَّبات والقرار، وأنَّ التَّغيُّر لا يتطرق إليها، فلا يشوب نعيمها بؤس، ولا يعتريه فساد، ولا يتغير، فإنها ليست دار الأضداد، ومحلَّ الهوان والفساد. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (3/ 422-423).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولا يفنى شبابه» أي: لا يشيخ، ولا يهرم، ولا يعجز. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (25/ 502).
وقال الشيخ محمد آدم الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولا يَفنى شبابه» أي: لا يذهب شبابه...، وهذا الحديث صريح في أن الجنة أبديَّة، لا تفنى، والنار مثلها، وزعم جهم بن صفوان أنهما فانيتان؛ لأنهما حادثتان، ولم يتابعه أحد من أهل الإسلام، بل كفَّروه به، وذهب بعضهم إلى فناء النار دون الجنة، وأطال ابن القيم كشيخه ابن تيمية في الانتصار له، في عِدَّة كراريس، ورُدَّ عليهما، فالصَّواب ما عليه الجمهور: من أن النار لا تفنى كالجنة. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (43/ 622).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)