الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«‌لا ‌تصوموا ‌يومَ ‌السبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم، وإنْ لم يجدْ أحدُكم إلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أو عُودَ شجرةٍ فلْيَمْضَغْهُ».


رواه أحمد برقم: (27075)، وأبو داود برقم: (2421) واللفظ له، والترمذي برقم: (744)، والنسائي في الكبرى برقم: (2775)، وابن ماجه برقم: (1726)، من حديث الصَّماء بنت بُسْر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7358)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1049).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لِحَاءَ عِنَبَة»:
أراد قشر العنبة. النهاية، لابن الأثير (4/ 243).


شرح الحديث


قوله: «لا ‌تصوموا ‌يومَ ‌السبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «‌لا ‌تصوموا...» إلخ، «لا» ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل: حذف النون في «لا ‌تصوموا»، وقوله: «إلا فيما افتُرض عليكم» يعني: إلا فيما كان فرضًا كرمضان، وقضاء رمضان، والكفارة والنذر إذا لم يقل: أصوم ‌يوم ‌السبت؛ لأنه إذا نذر صوم ‌يوم ‌السبت فقد نذر مكروهًا، لكن إذا نذر أن يصوم يومًا فصام ‌يوم ‌السبت فهذا يدخل فيه.
وقوله: «إلا فيما افترض عليكم» استثناء يدل على أن ما قبله عام؛ لأن لدى أهل العلم قاعدة يقولون: "إن الاستثناء معيار العموم"، "معيار" يعني: ميزانًا، يعني: أنه إذا جاء اللفظ فيه استثناء فما قبل المستثنى عام، وإلا لم يكن للاستثناء فائدة، فإذا جاء شيء عامٌّ واستُثني منه شيء فاعلم أنه عام فيما عدا المستثنى. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌لا ‌تصوموا يوم السبت» وحده إلا أن تصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا...، «إلا» أن تصوموه «فيما افتُرض عليكم» بالبناء للمجهول، والتاء فيه لمبالغة معنى الثلاثي؛ كما هو مقرر في محله؛ يعني: عند الصرفيين؛ أي: إلا أن تصوموه فيما فرض عليكم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 239).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌لا ‌تصوموا ‌يوم ‌السبت إلا في فريضة»:
أي: لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإنْ قصد صومه بعينه بحيث لم يجب عليه إلا ‌يوم ‌السبت كمَن أسلم ولم يبق من الشهر إلا ‌يوم ‌السبت فإنه يصومه وحده. فيض القدير (6/ 408).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌لا ‌تصوموا ‌يوم ‌السبت» أي: وحده «إلا فيما افتُرض» بصيغة المجهول «عليكم» أي: ولو بالنذر. مرقاة المفاتيح (4/ 1424).

قوله: «وإنْ لم يجدْ أحدُكم إلا لِحَاءَ عِنَبَة، أو عُودَ شجرةٍ فلْيَمْضَغْهُ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فإنْ لم يجد أحدكم» يعني: إذا صامه وأراد أن يفطر «فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب»، «اللِّحَاء»: القِشْر؛ لأنه ُيْلَحى بالمِظْلَاف «أو عود شجرة فليمضغها» يعني: إن لم يجد ما يفطر إلا هذا فليفطر به، وهذا تأكيد لفطر ‌يوم ‌السبت إذا صامه الإنسان. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
لعل المراد بعود عنب: الشماريخ التي تتعلق بها الحبوب كل حبة على حِدَتها؛ لأنها المناسبة للِّحَاء. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 240).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فيه: «إلا لِحَاء عنبة» اللِّحَاء ممدود: وهو قِشْرُ الشجر، والعِنَبة: هي الحبة من العنب، وبناؤها من نوادر الأبنية، وأُريد بالعنبة ها هنا الحبة أو القضابة منها على الاتساع (القضابة: ما يتساقط من أطرافها إذا قُضبت). الميسر (2/ 478).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإن لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحاءَ» بكسر اللام وبالحاء المهملة والمد: هو قِشْرُ الشجرة، ومنه الْمَثَل: بين العصا ولحائها، يُضرب للأخوين يتفقان.
«أو عودَ شجرة» الإضافة بمعنى (من) أي: عودًا من شجرة «فليمضغْه» بضم الضاد المعجمة وفتحها لغة، رواية: «فليمضغها». شرح سنن أبي داود (10/ 513).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإن لم يجد أحدكم إلا عود كَرْمٍ أو لِحَاء» بكسر اللام وحاء مهملة وبالمد، «شجرة» أي: قِشْرَها، وفي رواية: «عِنَبَة فليفطر عليه» وفي رواية: «فليمضغه»، وفي أخرى: «فليمصَّه» قال الحافظ العراقي: هذا من المبالغة في النهي عن صومه؛ لأن قِشر شجر العنب جاف لا رطوبة فيه ألبتة، بخلاف غيره من الأشجار، وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم، والمعنى فيه: إفراده كما في الجمعة بدليل حديث: «صيام ‌يوم ‌السبت لا لك ولا عليك» وهذا شأن المباح، والدليل على أن المراد إفراده بالصوم: حديث عائشة: «أنه كان يصوم شعبان كله»... وقال أحمد: هذا الحديث على ما فيه يعارضه حديث أم سلمة حين سُئلت أي الأيام كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر صيامًا لها؟ قالت: السبت والأحد، وحديث: «نهى عن صوم الجمعة إلا بيوم قبله أو يوم بعده» فالذي بعده السبت، وأمر بصوم المحرم وفيه السبت، ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن الاستثناء هنا دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عمّ صومه كل وجه، وإلا لما دخل الصوم المفروض ليُستثنى؛ فإنه لا إفراد فيه، والأكثر على عدم الكراهة ذكره الأثرم، وقيل: قصده بعينه في الفرض لا يُكره، وفي النفل يُكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره له، أو موافقته عادة، وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل.
ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة فقيل: هو يومٌ يُمْسِك فيه اليهود ويخصُّونه بالصوم وترك العمل، ففي صومه تشبُّه بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد، وقيل: هو يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، ونُقِضَ بالأحد، وقد يقال: إذا كان يوم عيد فمخالفتهم فيه بالصوم لا الفطر. فيض القدير (6/ 408).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
معنى المنهي عنه قد أشير إليه، وهو كون الصوم فيه راجعًا إلى تعظيم السبت، وفي ذلك اتباع اليهود، وقد نُهينا عنه، ويحمل النهي فيه على تخصيصه بالصوم منفردًا؛ وذلك في التطوع الذي لا نجد له نظيرًا في السُّنة، فأما ما وردت به السُّنة، كصوم داود وصوم عاشوراء، وصوم يوم عرفة إذا اتَّفق في يوم سبت، فإنه غير داخل في جملة المنهي عنه؛ لثبوت ذلك بالأحاديث الصحاح التي لا تُقاوم بأمثال هذا الحديث، ويجعل قوله: «في غير ما افتُرض عليكم» على قضاء الفرض أو الصوم الذي وجب عليه بالنذر.
وقد ذهب قوم إلى ظاهر هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت على الإطلاق، إلا في القسم المستثنى عنه، وليس لهم أن يتركوا ما سبق إليه الإشارة من أحاديث الصحاح لهذا الحديث الشاذ، مع ما بلغنا فيه عن الزهري، وهو أنه سُئل عن هذا الحديث، فقال: ذاك حديث حمصي، يشير إلى ضعفه، والذي ذهبنا إليه في تأويله قول لا محيد عنه؛ لموافقته السنن الثابتة، فتقرر كل في فضائه. الميسر (2/ 477).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد بالنهي: إفراد السبت بالصوم، لا الصوم فيه مطلقًا؛ لما سبق من حديث أبي هريرة في الجمعة، والداعي إليه: مخالفة اليهود، وفي معنى المستثنى ما وافق سُنة مؤكدة، كما إذا كان السبت يوم عرفة أو عاشوراء؛ للأحاديث الصحاح التي وردت فيها.
وقوله: «فيما افتُرض عليكم» يتناول: المكتوبة والمنذورة وقضاء الفائت الواجب وصوم الكفارة، واتفق الجمهور على أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه وكراهة، لا تحريم. تحفة الأبرار (1/ 508).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
سبب النهي: لُزوم تعظيمه بالصوم فيه، ففيه مخالفة لليهود، وإن كانوا لا يصومونه لأجل أنه عيد لهم، فهم يعظمونه لوجه آخر، وفي حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصوم ‌يوم ‌السبت ويوم الأحد؛ قصدًا لمخالفة اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يصومونهما لكونهما عيدين لهم، فحينًا ترك صوم يومهما؛ لئلا يلزم تعظيمهما، ووقتًا صامهما لمخالفتهم، ولعل الأول قبل أن يؤمر بمخالفتهم، كذا قيل، فتدبر، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (4/ 489).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
معنى كراهته في هذا: أنْ يَخُصَّ الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود تعظِّم يوم السبت. الجامع الكبير (3/ 111).
قال النووي -رحمه الله-:
يُكره إفراد يومِ السَّبتِ بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يُكرَه، لحديث عبدِ الله بن بُسْر عن أُخته الصَّمَّاء -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «لا تصوموا يومَ السَّبْتِ إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدُكم إلا لِحاءَ عنبةٍ أو عودَ شجرةٍ، فليمضغه» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم. وقال الترمذي: هو حديث حسن. قال: ومعنى النَّهي: أن يختصَّه الرَّجلُ بالصيام؛ لأنَّ اليهود يُعظِّمونه...
والصَّواب عند أصحابنا: أنَّه يُكره إفراد السَّبت بالصّيام، إذا لم يُوافق عادةً له، لحديث الصَّمَّاء..المجموع(6/٤٣٩).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
يمكن حمل النصوص الدالة على صومه (أي: السبت) على ما إذا صامه مع غيره، وحديث النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص، وهذه طريقة جيدة، لولا أن قوله في الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرض عليكم» دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردًا أو مضافًا؛ لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض، ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعة، فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية عُلم تناول النهي لما قابلها.
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة: «إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ.
وقد قال أبو داود: قال مالك: هذا كذب، وذكر بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذُكر له النهي عن صيام يوم السبت يقول: هذا حديث حِمصي، وعن الأوزاعي قال: ما زلتُ كاتمًا له حتى رأيتُه انتشر، يعني: حديث ابن بُسْرٍ هذا.
وقالت طائفة منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ.
وقالت طائفة وهم أكثر أصحاب أحمد: الحديث محكم، وأخذوا به في كراهة إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه، قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سُئل في رواية الأثرم عنه: فأجاب بالحديث، وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنصّ يدل عليه أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به؛ لأنه ذكره في معرض الجواب، فهو متضمن للجواب والاستدلال معًا.
قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث.
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متّهمين؛ وذلك يوجِب العمل به، وسائرُ الأحاديث ليس فيها ما يعارضه؛ لأنها تدل على صومه مضافًا، فيُحمل النهي على صومه مفردًا، كما ثبت في يوم الجمعة... قالوا: وقد جاء هذا مصرّحًا به في صوم يوم السبت، ففي مسند الإمام أحمد، من حديث ابن لَهِيعة: نا موسى بن وَرْدان، عن عُبيد الأعرج: حدثتني جدتي -يعني الصمّاء- أنها دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم السبت، وهو يتغدى، فقال: «تعالي تغدَّي» فقالت: إني صائمة، فقال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «كُلِي؛ فإن صيام يوم السبت لا لكِ، ولا عليكِ».
وهذا، وإن كان في إسناده مَن لا يُحتج به إذا انفرد، لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث، وعلى هذا، فيكون معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تصوموا يوم السبت» أي: لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإنَّ الرَّجُل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمَن أسلم ولم يبقَ من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده.
وأيضًا فقصده بعينه في الفرض لا يُكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يُكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضًا، لا المقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة، ونحو ذلك.
قالوا: وأما قولكم: إن الاستثناء دليل التناول... إلى آخره، فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وصورةُ الاقتران بما قبله أو بما بعده أُخرِجت بالدليل الذي تقدم، فكلا الصورتين مُخرَج، أما الفرض فبالمُخرِج المتصل، وأما صومه مضافًا فبالمُخرِج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد، واللفظ متناول لها، ولا مُخرِجَ لها من عمومه، فيتعين حمله عليها.
ثم اختَلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فعلّلها ابنُ عَقيل بأنه يوم يُمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبُّهًا بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد، ولا يقال: فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره، ومع هذا فإنه لا يُكره؛ لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدًا إلى تخصيصه المقتضي للتشبّه، وشاهدُه استحباب ضمّ يومٍ قبلَ عاشوراء وبعده إليه؛ لتنتفي صورة الموافقة، وعلّله طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظّمونه، فقَصْده بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له فكُرِه ذلك، كما كُره إفراد عاشوراء بالتعظيم لمّا عظّمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضًا لَمَّا عظمه المشركون.
وهذا التعليل قد يعارَض بيوم الأحد، فإنه يوم عيدٍ للنصارى، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى» ومع ذلك فلا يكره صومه.
وأيضًا فإذا كان يوم عيدٍ فقد يقال: مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر، فالصوم فيه تحقيق للمخالفة، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كُرَيب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثرها صيامًا؟ قالت: كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم» وصححه بعض الحفاظ، فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم؛ لأجل مخالفتهم، فكيف تُعلَّل كراهة صومه بكونه عيدًا لهم؟!
وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، قال الترمذي: حديث حسن، وقد روى ابنُ مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه.
وهذان الحديثان ليسا بحجة على مَن كره إفراد السبت بالصوم وعلَّله بأنهم يتركون العمل فيه والصومُ مظنَّةُ ذلك، فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم، وزال صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المُؤْذِن بالتعظيم، فاتفقت بحمد الله الأحاديث، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وتبيّن تصديق بعضها بعضًا. تهذيب سنن أبي داود (2/ 116- 121).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- بعد إيراد الأقوال السابقة:
قد تبيّن بما سبق أن الذي يترجّح جواز صوم السبت؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وأما حديث الصمّاء فالظاهر عدم صحّته؛ للاضطراب المذكور، كما مال إليه الحافظ في آخر كلامه، وقد أنكره الأئمة: الزهريّ ومالك والأوزاعيّ ويحيى القطّان وأحمد وأبو داود وغيرهم.
وعلى تقدير صحّته، فلا يَقْوَى لمعارضة أحاديث الجواز؛ إذ هي أكثر، وأقوى صحّة منه، ولا سيّما حديث جابر وأبي هريرة المذكوران في الباب، وهما في الصحيحين، وحديث جويرة المتقدّم، وهو في صحيح البخاريّ.
أو يُحمَل النهي فيه على إفراده، كما سلكه ابن حبّان حيث ترجم بقوله: "ذكرُ العلّة التي من أجلها نُهي عن صيام يوم السبت، مع البيان بأنه إذا قُرن بيوم آخر جاز صومه" فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (21/ 279).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
حديث: «‌لا ‌تصوموا ‌يوم ‌السبت...» شاذٌّ ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة. الحلل الإبريزية (2/ 159).
وقال الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ :
والصحيح أنه يجوز بدون إفراد، أي: إذا صمت معه الأحد، أو صمت معه الجمعة، فلا بأس، والدليل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم لزوجته «أتصومين غداً؟» أي: السبت.
وأما الحديث الذي رواه أبو داود: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجر» يعني: فليأكله، فهذا الحديث مختلف فيه هل هو صحيح أو ضعيف؟ وهل هو منسوخ أو غير منسوخ ؟ وهل هو شاذ أو غير شاذ؟ وهل المراد بذلك إفراده دون جَمْعِهِ إلى الجمعة أو الأحد؟
والقول الصحيح: أن المكروه إفراده، لكن إن أفرده لسبب فلا كراهة، مثل أن يُصادف يوم عرفة أو يوم عاشوراء، إذا لم نقل بكراهة إفراد يوم عاشوراء.الشرح الممتع.
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله- بعد إيراد الأقوال السابقة:
فالذي يظهر أنَّ الحديث لا يصح، وأنه غير محفوظ؛ لأنه عارضه أحاديث أصح منه وأشهر، والعلم عند الله تعالى. منحة العلام (5/ 110).
وقال أبو داود -رحمه الله- بعد إيراد هذا الحديث:
وهذا حديث منسوخ. سنن أبي داود (2/ 321).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قول أبي داود: إنه منسوخ غير مقبول، كقول مالك: إنه كذب.
وقول بعض أئمتنا: هما لا يقولان ذلك إلا عن ثبت، فلا يُرَدُّ قولُهما بالهوينا، لا يجدي؛ لأن مِن البَيِّن أنَّ مدعي النسخ لا بد له من بيانِ سندٍ لدعواه، وإنْ جلَّ، وكذا مدعي كذب حديثٍ صححه الأئمة، فلم يرد قولهما بالهوينا، بل بالقواعد الأصولية والحديثية، وقول: إنَّ هذين الإمامين لا يعارضان تصحيح الحاكم، أي: لتساهله في التصحيح كثيرًا، ليس في محله؛ لأن النسخ لا ارتباط له بالتصحيح؛ ولأنه لم نعتمد تصحيح الحاكم فقط، وإنَّما اعتمدنا قول النووي وهو أجل حُفاظ المتأخرين المطلعين على ما صححه الأئمة غيره. فتح الإله (7/33-34).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على دعوى النسخ:
وادَّعى أبو داود أنَّ هذا (الحديث) منسوخ، ولا يتبين وجه النسخ فيه، قلتُ: يمكن أن يكون أخَذَه من كونه -صلى الله عليه وسلم- ‌كان ‌يحب ‌موافقة ‌أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر أمره قال: «خالفوهم»، فالنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ، والله أعلم. التلخيص الحبير (2/ 470).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قلتُ: قد جُمع بين هذه الأحاديث بأن النهي متوجه إلى الإفراد، والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو ما بعده، ويؤيده أنه -صلى الله عليه وسلم- قد أَذِنَ لمن صام الجمعة أن يصوم يوم السبت بعدها، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ، وأما علة الاضطراب فيمكن أن تُدفع بما ذكره الحافظ في التلخيص، وأما قول مالك: إن هذا الحديث كذب، فلم يتبين لي وجه كذبه، والله تعالى أعلم.
قلتُ: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده مع أن له شواهد كما بيَّناها، وإن انفرد به المؤلف (ابن ماجه). مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 240).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ