الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

«رَحِمَ االله رجلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى».


رواه البخاري برقم: (2076)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
ورواه الترمذي برقم: (1319): من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: «سمح القضاء».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سمحًا»:
أي: سهلًا. كشف المشكل، لابن الجوزي (3/ 50).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
السماحة في البيع، أي: التسهيل. مشارق الأنوار (2/ 220).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «رحم الله رجلًا سمحًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«رحم الله» دعاء أو خبر «رجلًا» أي: شخصًا «‌سمحًا» بفتح فسكون أي: سهلًا وجوادًا، يتجاوز عن بعض حقه. مرقاة المفاتيح (5/ 1907)
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «رحم الله» فإن قلتَ: هذا إخبار أم دعاء؟ قلتُ: ظاهره الإخبار عن حال رجل كان ‌سمحًا، لكن قرينة الاستقبال المستفاد من «إذا» تجعله دعاء، وتقديره: رحم الله رجلًا يكون ‌سمحًا، وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط، والسمح -بسكون الميم-: الجواد والمتساهل، والموافق على ما طُلِب. الكواكب الدراري (9/ 200).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
السمح: السهل، رتَّب الدعاء عليه ليدل على أن السهولة، والتسامح في المعاملة سبب؛ لاستحقاق الدعاء، ولكونه أهلًا للرحمة. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 219).
وقال ابن الملك-رحمه الله-:
«رحم الله رجلًا ‌سمحًا» بفتح السين، أي: سهل البيع والشراء. شرح المصابيح (3/ 395).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وتقديره: يرحم الله رجلًا يكون ‌سمحًا، و«رحم» كلمة دعاء؛ فيا سعادة من دخل في دعوته الجامعة. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (8/ 125).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«رحم الله رجلًا ‌سمحًا» بإسكان الميم: من السماحة، وهي الجود. إرشاد الساري (4/ 21).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«سمحًا» بفتح فسكون: جوادًا، أو مساهلًا غير مضايق في الأمور، وهذا صفة مشبهة تدل على الثبوت. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 32).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «سمحًا» أي: سهلًا، وهو صفة مُشبَّهة تدل على الثبوت. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2115).
وقال محمد الخولي -رحمه الله-:
السمح: يُطلق على السهل، وعلى الجواد، والأول هو المناسب هنا...، يدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة، وإسباغ النعمة للرجل السمح السهل، ودعاؤه عند الله بمكانة عظيمة؛ لأنه صادر من النفس الطاهرة المخلصة، من اللسان الرطب بذكر الله، فتفتح له أبواب الإجابة {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} فاطر: 10. الأدب النبوي (ص: 34).

قوله: «إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إذا ‌اقتضى» أي: إذا طلب دينًا له على غريم يكون طلبه بالرفق، ولا يطلب بالعنف. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 402).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«رحم الله رجلًا ‌سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا ‌اقتضى» فيه: الحض على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك الْمُشاحَّة والدِّقَّة في البيع؛ وذلك سبب إلى وجود البركة فيه؛ لأن النبي -عليه السلام- لا يَحُضُّ أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة. شرح صحيح البخاري (6/ 210).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «وإذا اقتضى» جاء في رواية: «وإذا قضى»، وفي أخرى: «خذ حقك في عفاف وافيًا أو غير وافٍ»، وروي هذا عن ابن عمر وعائشة مرفوعًا، وفي رواية: «إذا اقتضي له»، وفيه: الحضُّ على المسامحة -كما ترجم له- وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة في البيع؛ وذلك سبب لوجود البركة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم دينًا ودنيا.
فأما فضله في الآخرة فقد دعا -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة والغفران لفاعله، فمن أحب أن تناله هذه الدعوة فَلْيَقْتَدِ به ويعمل به.
وفي قوله: «وإذا اقتضى» حضٌّ على ترك التضييق على الناس عند طلب الحقوق، وأخذ العفو منهم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (14/ 130).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن حبيب: تُستحب السهولة في البيع والشراء، وليس هي ترك المكايسة (أي: المغالبة في المساومة وعدم السماحة) فيه، إنما هي ترك المضاجرة ونحوها، والرضا بالإحسان وبيسير الربح، وحسن الطلب. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (14/ 131).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وإذا اقتضى» أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، في رواية حكاها ابن التين: «وإذا ‌قضى» أي: أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل، وللترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله يحب ‌سمح البيع ‌سمح الشراء ‌سمح القضاء»، وللنسائي من حديث عثمان رفعه: «أدخل الله الجنة رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا»، ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو نحوه.
وفيه: الحضُّ على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك الْمشاحَّة، والحضُّ على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم. فتح الباري (4/ 307).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإذا ‌اقتضى» أي: إذا طلب دينًا له على غريم يطلب بالرفق لا بالعنف. شرح المصابيح (3/ 395).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وإذا ‌اقتضى» أي: طلب قضاء حقه بسهولة، وهذا يحتمل الدعاء والخبر، ويؤيد الثاني قوله في حديث الترمذي: عن زيد بن عطاء بن السائب عن ابن المنكدر في هذا الحديث: «غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلًا إذا باع»، ولكن قرينة الاستقبال المستفاد من «إذا» تجعله دعاء، وتقديره: رجلًا يكون ‌سمحًا. إرشاد الساري (4/ 21).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا باع وإذا اشترى، وإذا اقتضى» أي: إذا طلب دينًا له على غريم يطلبه بالرفق واللطف لا بالخرق (أي: بالحمق) والعنف. مرقاة المفاتيح (5/ 1907).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌سمحًا ‌إذا ‌قضى» أي: وفَّى ما عليه، «‌سمحًا إذا اقتضى» أي: طلب قضاء حقه، ومقصود الحديث: الحث على المسامحة في المعاملة، وترك المشاحة فيتأكد الاعتناء بذلك؛ رجاء للفوز بدعوة المصطفى. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 32).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
أي: سهل إذا باع أحدًا شيئًا سهل إذا اشترى من غيره شيئًا، وسهل إذا ‌قضى ما عليه، سهل في مطالبته غيره بما له عليه، ولا يمطُلُ غريمه مع قدرته على الوفاء، ولا يُضَيِّقْ على الْمُقِل، ولا يُلْجِئه لبيع متاعه بدون ثمن المثل، ونحو ذلك. فيض القدير (2/ 49).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وإذا اقتضى» أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، وفي رواية حكاها ابن التين «وإذا ‌قضى» أي: أعطى الذي عليه بسهولة. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 453).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌سمح ‌القضاء» أي: التقاضي لشرف نفسه وحسن خلقه بما ظهر من قطع علاقة قلبه بالمال. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 271).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
فالسماحة في مباشرة المعاملة، وفي القضاء، والاقتضاء، يرجى لصاحبها كل خير: ديني ودنيوي؛ لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بد من قبولها.
وقد شوهد ذلك عيانًا؛ فإنك لا تجد تاجرًا بهذا الوصف إلا رأيت الله قد صب عليه الرزق صبًّا، وأنزل عليه البركة.
وعكسه صاحب المعاسرة والتعسير، وإرهاق المعاملين، والجزاء من جنس العمل، فجزاء التيسير التيسير. بهجة قلوب الأبرار (ص: 107).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فقوله -عليه الصلاة والسلام-: «رحم الله امرءًا» أو قال: «رجلًا» هذا خبر بمعنى الدعاء، يعني: يدعو له بالرحمة إذا كان ‌سمحًا في هذه المواضع الأربعة، «سمحًا إذا باع» لا يشتد على المشتري، ويكون سهلًا يواضعه ويضع عنه، ‌«سمحًا إذا ‌قضى» إذا ‌قضى غيره كان ‌سمحًا يعطيه في وقته، ولا يماطل، كذلك «‌سمحًا إذا اشترى»، وكذلك «‌سمحًا إذا اقتضى» إذا أخذ حقه؛ فهذه الأحوال الأربعة ينبغي للإنسان أن يكون ‌سمحًا فيها؛ حتى ينال دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح رياض الصالحين (5/ 407).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
يعني: سهلًا ليِّنًا، لا يؤذي صاحبه بطول المماكسة، وهذه أمور جِبِلِّيَّة نفسية، شخص يقول: إذا أردت سكينًا أو ملعقة يحتاج أن أنزل إلى السوق عشر مرات، ويأتي من طرف البلد ماشيًا، وينزل إلى السوق ليسعر، ينظر ارتفع السعر أو نقص، ويذكر عن نفسه أنه في عذاب، لكن ما دام تعرف أنك متعذب تتحسر من هذا الصنيع؛ لماذا لا تعدل من طبعك؟ لكن هذه غرائز معروفة في بعض النفوس، فلا يستطيع التخلي منها. شرح الموطأ (119/ 13).
وقال محمد الخولي -رحمه الله-:
وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- السماحة في أربعة أشياء:
في البيع والشراء والاقتضاء والقضاء.
فالسماحة في البيع: ألا يكون شحيحًا بسلعته، مستقصيًا في ثمنها، مغاليًا في الربح منها، مكثرًا من المساومة فيها، بل يكون كريم النفس، راضيًا بيسير الربح، مقلًّا من الكلام.
والسماحة في الشراء: أن يكون سهلًا في كياسة، فلا يدقق في الدانق (أي: سدس الدينار والدرهم)، والملّيم، خصوصًا إن كانت السلعة شيئًا هَيِّنًا كفِجْلة أو بصلة، والمشتري غنيًّا، والبائع فقيرًا معدمًا، ولا يسأم البائع بالأخذ والرَّدِّ، وتعطيله عن المشترين الآخرين، أو مصالحه الأخرى، ولا يكثر التقليب في البضاعة بعد أن سبر غورها، ووقف على حقيقتها.
والسماحة في الاقتضاء: أن يطلب حقه أو دينه في هوادة بلا عنف، وفي لين بلا شدة، ويراعي حال المدين فإن كان معسرًا أنظره وأخَّره، بل إن كانت حاله لا تسمح بالسداد تصدق عليه بحقه، أو من حقه {وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: 280، ومن السماحة في الاقتضاء: ألا يطالب المدين على مشهد من الناس ومسمع، خصوصًا إذا كانوا لا يعلمون بالدين، أو يتأذَّى المدين بالجهر، وألا يلحف في الطلب، أو يطالبه في أوقات راحته وهناءته؛ فيُنَغِّصُ عليه صفوه، وهو من أحرص الناس على قضاء الحقوق، وألا يرفع أمره إلى القضاء وهو مستعد للدفع في وقت قريب فيغرمه الرسوم، وأجر المحاماة، ويشغل باله، ويستنفذ من وقته من غير جدوى تعود عليه إلا الإضرار بأخيه، كل ذلك من حسن الاقتضاء.
وأما السماحة في القضاء: فأن يَرُدَّ الحق لصاحبه في الموعد المضروب، ولا يُكلِّفُه عناء المطالبة أو المقاضاة، ويشفع القضاء بالشكر والدعاء، أو الهدية إن كان لها مستطيعًا إلى غير ذلك مما ينطوي تحت المسامحة.
فالحديث يُرَغِّبُنَا في حسن المعاملة، وفي كرم النفس، وفي مراعاة المصلحة، وفي حفظ الوقت. الأدب النبوي (ص: 34-35).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحديث حثٌّ على السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق وترك المشاحَّة، وعلى عدم التضييق على الغرماء فيما له عندهم، وعلى حسن قضائهم، وإيفائهم فيما عنده لهم. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 453).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
(وفيه) فضل التجاوز والتساهل، ووجه هذا: أنَّ المشاحَّة في البيع والشراء أمارة على البخل، ودليل على الشُّحِّ، ولا سيما مع الإخوان من المسلمين؛ الذين ينبغي إيثارهم بالشيء، وتقتضي المروءة إعطاءهم بلا ثمن، فإذا باعهم بثمن، فلا أَيسر مِن أن يقف على أنه سيكون سمحًا بائعًا، وسمحًا مشتريًا، وسمحًا متقضيًا، فإنه إذا استبدل السماحة العسر في كل ذلك دالًّا من شيمه على أنه ليس تناله دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 327).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ