السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كان رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- إذا وَدَّعَ رجلًا أَخَذَ بيدِهِ، فلا يَدعُهَا حتَّى يكونَ الرَّجلُ هو يَدعُ يدَ النبيَّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-، ويقولُ: «أستَوْدِعِ اللَّهَ دينَكَ وأمانَتكَ وآخِرَ عملِكَ».


رواه أحمد برقم: (4524)، وأبو داود برقم: (2600)، والترمذي برقم: (3442) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (8754)، وابن ماجه برقم: (2826)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد والباقين: «وخَواتيمَ عملِك».
وفي لفظ عند النسائي: «وخَواتمَ عملِك».
صحيح الجامع برقم: (4795)، مشكاة المصابيح برقم: (2435).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كان» تُفيد الاستمرار غالبًا لا دائمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 573).
وقال النووي -رحمه الله-:
المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين: أنَّ لفظة (كان) لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنَّما هي فعلٌ ماضٍ يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عُمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها. المنهاج (6/ 21).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«كان» هذا يدلُّ على الاستمرار؛ لأن التعبير بـ(كان) في الغالب يدلُّ على الاستمرار، وأنه كان هذا من هديه، وهذا من طريقتِه. شرح المحرر في الحديث (ص:64).

قوله: «إذا وَدَّع رجلًا أخذَ بيدهِ فلا يدعُها»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان إذا وَدَّع رجلًا» في سفره «أخذ» -صلى الله عليه وسلم- «بيده» أي: بيدِ الرجلِ. التنوير (8/ 459).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا ودَّع رجلًا» أي: مسافرًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
أصل الوَدعِ: التركُ والفراقُ. شرح سنن أبي داود (11/ 311).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أخذَ بيده فلا يدعُها» أي: فلا يتركُ يدَ ذلك الرجل؛ من غاية التواضع، وغاية إظهار المحبة والرحمة. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).

قوله: «حتى يكونَ الرَّجُلُ هو يدعُ يدَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«حتى يكون الرجُل هو الذي يدع يده» باختياره. التيسير (2/ 259).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
حتى يكون الرجل هو الذي ينزعُ يده؛ أدبًا منه -صلى الله عليه وسلم-، وإيناسًا للرجُل. التنوير (8/ 459).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يكون الرجُل هو الذي يدعُ يد النبي -صلى الله عليه وسلم-» وفيه: كمالُ الاستسلام والخُلق الحَسَن مع الأنامِ. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).

قوله: ويقول: «أَستوْدِعُ اللهَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«أستودع اللهَ» أي: أَسْتَحْفِظُ...، خاطب به من جاء يودعُهُ للسَّفَر، من الوَداع: بفتح الواو، وهو الاستحفاظ؛ وذلك لأن السفر محل الاشتغال عن الطاعات التي يزيد الدِّين بزيادتها، وينقص بنقصانها، وقوله «أستودعُ» بقرينة السبب والسِّياق خبرٌ لا أمرٌ، وإن كان معناه صحيحًا...، كان يقول ذلك وهو واضعٌ يده في يده فيتأكَّد ذلك. فيض القدير (1/ 501).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويقول» أي: للمودَّع «أستودع الله...» أي: أستحفظ وأطلب منه حفظ. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: أكِلُ كُلَّ ذلك منك إلى الله تعالى، وأتبرَّأُ من حفظه، وأتخلَّى من حراسته، وأتوكَّلُ عليه سبحانه، فإنّه وفيٌّ حفيظٌ؛ إذا استُودعَ شيئًا حفظَه، ومن توكَّل عليه كفَاه، ولا قوَّة إلا بالله. الشمائل الشريفة (ص:210).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أستودع الله» أي: أودعُه إيَّاه، والسين لتأكيد ذلك وتحقيقه. دليل الفالحين (5/ 202).
وقال ابن مودود الموصلي الحنفي -رحمه الله-:
«أستودع الله...» أي: أستحفظ الله، أي: أطلب منه حفظها، فكأن الوديعة تترك عند المودَع للحفظ؛ ولهذا لا يودعُ عادةً إلا عند من يُعرف بالأمانة والدّيانة. الاختيار لتعليل المختار (3/ 25).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أستودعُ الله» هو طلب حفظ الوديعة، وفيه نوع مشاكلة للتوديع. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1901).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أستودع الله» مضارع مبني للمتكلم...، والمراد: أسأل الله أن يجعل «دينك وأمانتك وخواتيم عملك» وديعةً لديه، أسأله أن يحفظها كما يحفظ الوديعة، وهو دعاءٌ له بالكلأَةِ في سفره، فلا يُضيعُ شيئًا من الثلاثة. التنوير (2/ 346).

قوله: «دِينَكَ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
جرى ذكر الدِّين مع الودائع؛ لأن السَّفر موضع خوف وخطر، وقد تصيبه فيه المشقة والتعب، فيكون سببًا لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدِّين؛ فدعا له بالمعونة والتوفيق. معالم السنن (2/ 259).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«دِينَك» قدَّم حفظ الدين على حفظ الأمانة...، أصل المادَّة من الدَّعة واليُسر وخفض العيش، فكأنه دعا أن يُيسِّر الله له دِينَه؛ ليأتي به في دَعةٍ وخفضٍ من غيرِ مشقةٍ. شرح سنن أبي داود (11/ 310 - 311).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أستودِعُ اللهَ دينَكَ» أي: أستحفظُ، وأطلب منه حفظ دِينك، والدِّين شاملٌ للإيمان والإسلام وتوابعهما، فإبقاؤه على حاله أولى من تفسيره بالإيمان؛ لأن السَّفر لمشقّته وخوفه قد يصير سببًا لإهمال بعض أمور الدين. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ذكر الدِّين؛ لأن السَّفر مظنةُ التساهلِ في أمره لمشقّته؛ ولذا رخّصَ للمسافر في أمور من العبادات. دليل الفالحين (5/ 202).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«دِينَكَ» أي: حفظَ دِينك عليك؛ بتوفيق امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 345).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «دِينَك» بدأ بالدِّين لأنه أهمّ شيءٍ وهو الأساس، وكل خير وسعادة تحصل للإنسان إنما تكون بسبب الدِّين، وبدون الدِّين يكونُ لا خير فيه، وذِكْر الدِّين هنا قيل: للإشارة إلى أنه قد خسر أو حصل منه بسبب العناء والنصب تقصيرٌ في بعض الأعمال، أو تقصيرٌ في العبادات؛ فيكون ذلك فيه سؤال لأنْ يحفظ في دينه بألا يحصل منه تقصيرٌ، ولا يحصل منه إخلالٌ في الشيء الذي هو واجبٌ عليه بسبب سفره والنَّصب والتعب الذي قد يحصل له بسببه. شرح سنن أبي داود (307/ 8).

قوله: «وأمانَتَكَ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: الأمانة ها هنا: أَهلُه، ومن يخلِّفهُ منهم، ومالُه الذي يودعُه ويستحفظهُ أمينه ووكيله، ومَن في معناهما. معالم السنن (2/ 258).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأمانتَكَ» أي: حِفظ أمانتِك فيما تزاولُه من الأخذ والإعطاء، ومعاشرة الناس في السفر؛ إذ قد يقع منه هناك خيانةٌ، وقيل: أريد بالأمانة: الأهل والأولاد الذين خلّفهم، وقيل: المراد بالأمانة التكاليف كلّها كما فُسّر بها قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب: 72. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).
وقال أبو الحسن السندي -رحمه الله-:
«أمانتك» أي: ما وُضع عندك من الأمانات من الله تعالى، أو من أحدٍ مِن خلقه، أو ما وضعتَ أنت من الأمانات عند أحد، أو ما يتعلق بك من الأمانات، فيشمل القسمين، والله تعالى أعلم. فتح الودود (3/ 81).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
لا يخلو الرجل في سفره ذلك من الاشتغال بما يحتاج فيه إلى الأخذِ والإعطاءِ والمعاشرةِ مع الناس، فدعا له بحفظِ الأمانةِ، والاجتناب عن الخِيانة، ثم إذا انقلب إلى أهله يكون مأمونَ العاقبةِ عمَّا يسوؤهُ في الدِّين والدنيا. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1901 - 1902).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
قوله: «وأمانتَكَ» يعني: كل ما هو مؤتمنٌ عليه، سواء كان لله أو للناس، سواء كان من حقوق الله عليه، أو من حقوق الناس عليه، أو الأمانات التي هي عنده للناسِ، فكلُّ ذلك داخلٌ تحت الأمانةِ. شرح سنن أبي داود (307/ 8).

قوله: «وآخرَ عملِكَ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وآخر عملك» حتى يختمَ عملُك بالخير، أي: حتى تموت بالإيمان والعمل الصالح. المفاتيح (3/ 226).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وآخرَ عملِك» أي: في سَفَرك، أو مطلقًا كذا قيل، والأظهر أن المراد به حُسنُ الخاتمة؛ لأن المدار عليها في أمر الآخرة، وأن التقصير فيما قبلها مجبورٌ بحسنها، ويؤيده قوله في رواية: «وخواتيمَ عملك» وهو جمعُ خاتَمٍ أي: ما يُختَمُ به عملُك، أي: أخيرُه، والجمع لإفادة عموم أعماله. مرقاة المفاتيح (4/ 1690).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وآخرَ عملك» أي: سفرك بالرُّجوع بالعافية والسلامة. لمعات التنقيح (5/ 225).

وفي رواية: «وخَواتيمَ عملِكَ» وفي رواية: «وخواتم عملِكَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» أستودعُ اللهَ حسنَ «خواتيمَ عملِك» أي: أطلب منه تعالى أن يُحسِّنَ أواخر أعمالك، وأواخرَ عمركَ، بتوفيقك حُسن الختام في كل أمورك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 345).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وخواتيم عملك» أي: عملك الصالح الذي جعلتَهُ آخرَ عملك في الإقامة؛ فإنه يُسنُّ للمسافر أن يختمَ إقامتهُ بعمل صالحٍ كتوبةٍ وقُربةٍ، وخروج عن المظالم، وصلاة وصدقة وصلة رحم، وقراءة آية الكرسي، ووصية واستبراء ذمة، ونحوها، فيُندب لكل من يودِّعُ أحدًا من المؤمنين أن يفارقه على هذه الكلمات، وأن يكررها بإخلاصٍ وتوجُّهٍ تامٍّ. فيض القدير (1/ 501)
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وخواتيمَ عملكَ» ذكره اهتمامًا بشأنه؛ لأن المدار عليه...؛ لعلّ إفراد الأوَّلين لأنهما مصدران، يقال: أمِنَ بكسر الميم أمانةً، والأصل فيه الإفراد والتذكير، بخلاف خاتمةٍ فإنه على صيغة الوصف الذي شأنه خلاف ذلك، ولعل في جمعه إيماءً إلى إكثار الأعمال الصالحة عند الوفاة؛ ليكون الختم بالكثير الطيب؛ فأوصى بجمع ذلك لذلك، والله أعلم. دليل الفالحين (5/ 202).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والخواتيم: جمع خاتَمٍ: وهو ما يُختم به الشيء، وأريد به هنا: ما يختمُ به العمل، دعا له -صلى الله عليه وسلم- أن يحفظ الله له خاتمةَ عمله فيُحسِّنها، واختصَّ هذا الموضع بهذه الدعوة؛ لأن السَّفَر مظنَّةُ العَطَبِ؛ لأنه يتعرض فيه المسافر للمَتَالِفِ والْمَهالك، فقد يكون في سفره هلاكُه. التنوير (2/ 346).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
إنَّ مما يؤسَف له حقًّا أن ترى هذا الأدب النبوي الكريم (التوديع بهذا اللفظ النبوي) قد صار مما لا أثر له ولا عين عند قُوَّاد جيوش زماننا، فإنهم يودعون الجيوش على أنغام الآلات الموسيقية التي يرى بعض الدعاة الإسلاميين اليوم أنه لا شيء فيها؛ تقليدًا منهم لظاهرية ابن حزم التي قد يسخرون منها عندما تخالف آراءهم، ولا أقول: أهواءهم، ولا يتبعون أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم الموافقة للأحاديث الصحيحة والصريحة في تحريم المعازف، تيسيرًا على الناس بزعمهم، فإلى الله المشتكى من غُربة الإسلام، وقلَّة من يعمل بأحكامه في هذا الزمان، ويشكِّك فيها بالخلاف الواقع في الكثير منها؛ ليأخذ منها ما يشتهي، دون أن يحكم فيه قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} النساء: 59، فكأن هذه الآية منسوخة عنده، والله المستعان. السلسلة الصحيحة (4/ 137 - 138).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
يقول للمسافر سفرًا مباحًا: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» و«زوَّدك الله التقوى»، وقال صالح لأبيه: المرأة تقول لأبيها: الله خليفتي عليك، قال: لو استودعَتْهُ الله كان أحب إليَّ، فأما خليفتي فما أدري. انتهى كلامه.
وفي حديث الدَّجال أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الله خليفتي على كل مسلم» في حواشي تعليق القاضي أبي يعلى: قال عيسى بن جعفر: ودَّعت أحمد بن حنبل حين أردت الخروج إلى بابل، فقال: لا جعله الله آخر العهد منا ومنك. الآداب الشرعية (1/ 420).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في الحديث: كمال فضله -صلى الله عليه وسلم-، وتوديعه لأصحابه مع علو مقامه. تطريز رياض الصالحين (ص:461).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
يُستفاد من هذا الحديث الصحيح جملة فوائد:
الأولى: مشروعية التوديع بالقول الوارد فيه «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك»، أو يقول: «أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه».
الثانية: الأخذ باليد الواحدة في المصافحة، وقد جاء ذكرها في أحاديث كثيرة...
الفائدة الثالثة: أن المصافحة تُشرع عند المفارقة أيضًا، ويؤيده عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من تمام التحية المصافحة» وهو حديث جيد باعتبار طُرقه. السلسلة الصحيحة (1/14- 15).


أحاديث ذات صلة

إبلاغ عن خطأ