السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مَن رَحِمَ ولو ذَبيحَةَ عُصفُورٍ رحمَهُ اللهُ يومَ الِقيامةِ».


رواه الطبراني في الكبير برقم: (7915)، والبيهقي في الشُّعب برقم: (10559)، من حديث أبي أُمَامَة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم: (381) ولفظه: «مَن ‌رَحِمَ ولو ذَبيحَةً رحمه الله يومَ القيامة».
صحيح الجامع برقم: (6261)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (27).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ذَبيحَة»:
الذَبيحَةُ: اسمٌ لما يُذبح من الحيوان، وأُنِّث لأنه ذهبَ به مذهبَ الأسماءِ لا مذهبَ النَّعتِ، فإذا قلتَ: شاةٌ ذبيحٌ، أو كبشٌ ذبيحٌ، أو نعجةٌ ذبيحٌ، لم تدخل فيه الهاء؛ لأنَّ فعيلًا إذا كان نعتًا بمعنى مفعول يُذكَّرُ، يقال: امرأة قتيلٌ وكفٌّ خَضيبٌ. تهذيب اللغة، للأزهري (4/ 271).


شرح الحديث


قوله: «مَنْ رَحِمَ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«مَن رَحِمَ» حيوانًا ذَبَحهُ بنحو إسراعٍ، وسنِّ حديدةٍ. السراج المنير (4/ 296).

قوله: «ولو ذَبيحَةَ عُصفُورٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«عُصفُور» بضم أوله، وحكي فتحه...، وخُصَّ العُصفُورُ بالذِّكر؛ لكونه أصغر مأكول ينذبحُ، وإذا استلزمت رحمتهُ رحمة الله مع حقارتهِ وهوانِهِ على الناس فرحمةُ ما فوقه سِيَّما الآدمي أولى، وأفاد معاملةَ الذَبيحَةِ حال الذبح بالشَّفقةِ والرحمةِ، وإحسان الذبحةِ، كما ورد مُصرحًا به في عدة أخبار وخرَّج أحمد خبر قيل: يا رسول الله، إني أذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: «إنْ رَحِمْتَهَا رحمك الله»، وخرج عبد الرزاق: أن شاة انفلتت من جزارٍ حتى جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتّبعها، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اصبري لأمر الله، وأنت يا جزار فسُقْها للموت سَوقًا رفيقًا» (وهو ضعيف).
ومن الرفق بها، والرحمة بها ألا يذبحَ أخرى عندها، ولا يحدَّ السّكينَ وهي تنظرُ، فقد مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- برَجُل واضعٍ رِجله على صفحة شاة، وهو يحدُّ شفرته، وهي تلحظه، فقال: «أفلا قبلَ هذا؟ تريدُ أن تُميتها موتاتٍ؟» رواه الطبراني وغيره. فيض القدير (6/ 135).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الرفق بالدواب في ركوبها، والحمل عليها واجب سنة، فإنها عجم لا تشكو، وهي مِن ملك اليمين، وفي كل كبد رطبة آجر، هذا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كان في الإحسان إليها أجر فكذلك في الإساءة إليها وزر، وقد شكا الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جملٌ أنَّ صاحبه يجيعه، فأمره بالإحسان إليه، أو يبيعه، ولا يحمل على الدواب أكثر من طاقتها، ولا يضرب وجوهها، ولا تتخذ ظهورها كراسي، ولا تقلَّد الأجراس إلا أنْ تكون بدار الحرب تهيبًا للعدو، ولا تُستعمل ليلًا إلا أنْ يروح عنها نهارًا، ولا يحل حبس بهيمة مربوطة عن السرج، والتحريش بين البهائم مكروه. الكافي (2/ 1143).

قوله: «رحِمهُ اللهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«رحِمهُ اللهُ» وذلك «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»، وفيه: أنَّه يحسنُ رحمة ما أُبيحَ لنا ذبحُهُ. التنوير (10/ 232).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله، دل عليها اسم الرحيم، وليست إرادة الإحسان، ولا الإحسان نفسه، وإنَّما إرادة الإحسان، والإحسان نفسه من آثار هذه الرحمة. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (5/ 154).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الرحمة التامّة للَّه لا لغيره، وقرّر بعض المُتكلّمين هذا المعنى بأن قال: كلُّ من رحِم أحدًا فرحمتهُ له بسبب ما حصل له من الرقّة عليه، وهو برحمته دافعٌ لألم الرقّة عن نفسه، بخلاف رحمة اللَّه تعالى، فإنها لمجرّد إيصال النفع إلى العبد. البحر المحيط الثجاج (9/ 358).
وقال محمود محمد الخزندار -رحمه الله-:
حتى الرَّحمة بالمخلوقات من أسباب استحقاقِ رحمةِ الله في الآخرة، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن رحمَ ولو ذَبيحَةَ عُصفُور، رحمهُ الله يومَ القيامةِ». هذه أخلاقنا (ص: 465).

قوله: «يومَ القيامةِ»:
قال الطبري -رحمه الله-:
أما «القيامة» فهي مصدر من قول القائل: قمتُ قيامًا وقِيامةً، كما يقال: عدتُّ فلانًا عيادةً، وصُنتُ هذا الأمرَ صيانةً... فمعنى «يوم القيامة» يوم قيامِ الخلائق من قبورهم لمحشرهم. جامع البيان (2/ 518).
قال المناوي -رحمه الله-:
«يوم القيامة» ومَن أدركتهُ الرحمة يومئذٍ فهو من السَّابقين إلى دار النَّعيمِ. فيض القدير (6/ 135).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«يوم القيامة»: هو اليوم الذي يُبعث فيه الناس، وسُمِّي يومَ القيامةِ لأمور ثلاثة:
أولًا: لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} المطففين: 6.
والثاني: أنه يُقام فيه العدلُ، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} الأنبياء: 47.
والثالث: لأنه يقوم فيه الأشهاد، كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} غافر: 51. تفسير الزمر (ص: 342).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
«يوم القيامة» يعني: يوم الجزاءِ والحسابِ، وهذا اليوم له أسماءٌ كثيرةٌ: اليومُ الآخرِ، ويومُ الحساب، ويوم الحَشْر، ويوم المَعَاد، وأسماءٌ كثيرة؛ وذلك لأنه يتضمَّنُ هذه الأوصاف التي سُمِّي بها. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 204).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ