«مَن فَرَّق بينَ والدةٍ وولدِها، فَرَّقَ اللهُ بينهُ وبينَ أحبتِهِ يومَ القيامةِ».
رواه أحمد برقم: (23513) والترمذي برقم (1566) واللفظ له، من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6412)، مشكاة المصابيح برقم: (3361).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «مَن فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مَن فَرَّق» بتشديد الراء، أي: قطعَ وفَصَلَ «بين والدةٍ وولدِها» أي: ببيعٍ أو هبةٍ أو خدعةٍ بقطيعةٍ وأمثالها، وفي معنى الوالدةِ الوالدُ، بل وكل ذي رحِمٍ مَحرمٍ. مرقاة المفاتيح (6/ 2201).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن فَرَّق بين والدةٍ وولدِها» بما يُزيلُ ملك أحدهما عن يدهِ ببيعٍ أو هبةٍ أو نحوهما، وإنْ رضيت الأمُّ والولدُ، وظاهره تحريمُ التَّفريق للوعيد بقوله: «فَرَّق الله بينه وبين أحبتهِ يومَ القيامةِ». التنوير (10/ 328).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «مَن فَرَّق بين والدةٍ وولدِها» يعني: التَّفريق بين جاريةٍ وولدها بالبيع والهبة قبل سبعِ سنين لا يجوز؛ لأنه تفريقٌ محرَّمٌ، فأفسد البيعَ والهبةِ، كالتفريقِ بين الجارية وحملِها، وبعد سبع سنين قولان، الأظهرُ أنه جائزٌ. المفاتيح (4/ 146).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «مَن فَرَّق بين والدةٍ» أراد به التَّفريق بين الجارية وولدها بالبيع والهبة وغيرهما...، قال (الأشرف البقاعي): لم يفَرَّق النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث بين الوالدة والولد بلفظة «بين» وفَرَّق في جزائه حيثُ كرَّرَ «بين» في الثاني؛ ليدل على عظمِ هذا الأمر، وأنه كما لا يجوزُ التفريقُ بينهما في اللفظ بـ(البَيْنِ) فكيف التفريقُ بين ذواتهما؟. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2385 - 2386).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«مَن فَرَّق بين والدةٍ وولدِها» ليس فيهما ذكر الجارية، ولا فَرق بين أن يفَرَّق ببيعٍ أو هبةٍ أو قِسمةٍ، فقد يكون التفريقُ بغير البيع في الأحرار وهو حرامٌ، فهذا الحديث جاء في الأمَة إذا كان ولدها صغيرًا، فلا يحلُّ له أن يفَرِّق بينه وبين أمِّه بالبيع قبل سبع سنين، المراد قبل التَّميزِ، وإنما ذكر السبع سنين؛ لأنه سنُّ التمييز، ويدخل في هذا أيضًا قوله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} البقرة : 233...، قال العلماء في كتب الفقه: وإن فَرَّق بين الجارية وولدها المملوك له بالبيع بطلَ...، وسواءٌ رضيت الأمُّ بالتفرقة أم لا، على الصحيح وفي وجهٍ: إن رضيت الأمُّ جازَ. فتح القريب المجيب (8/ 249 - 250).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«من فَرَّق بين والدة وولدها» يعني من الأرقَّاء في البيع...، وهو ظاهرٌ في ملك اليمينِ، لا يبيع الأمَ على أسرةٍ، ويبيع الولدَ على أسرة أخرى، أو هذه في بلد، وولدها في بلد، ويسعى في التفريق بينهما؛ ليحرمَ كلَّ واحد منهما من الآخر، وهل يشمل مثل هذا الحديث المُطلَّقة التي لها حق الحضانة شرعًا ما لم تتزوج، فيسعى جاهدًا ليُفَرَّق بين الولد وأمه، فيجلب على هذه المسألة بما أوتي من وسائطَ ومن بيانٍ؛ وليبين للجهات أن الأم ليست أهلًا للحضانة، فيفَرِّق بينها وبين ولدها، والأصل أن الحضانة حقٌّ شرعيٌّ لها...، يدخل في عموم الحديث؟ يدخل، وإن كان الأصل في ملك اليمين...، والولدُ يشمل الذكرَ والأنثى. شرح بلوغ المرام (78/ 32).
وقال البغوي -رحمه الله-:
فإن اجتمع في ملكِ رجلٍ أمٌّ وولدها الصَّغير، ففَرَّق بينهما في العتق، فجائزٌ...، أما إذا باع أحدهما دون الآخر، فإن كان بعد بلوغ المولود بسبعِ سنين، فجائزٌ؛ لأن الولد يستغني عن الأم في هذا السنِّ، والأولى أن لا يفعل، وإن كان دُون سبع سنين، فلا يجوز، والبيع مردودٌ عند بعض أهل العلم، وبه قال الشافعي؛ لما روي عن أبي أيوب، قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من فَرَّق بين والدةٍ وولدها، فَرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» وكذلك حكم الجدَّة، وحكم الأب والجد، وأجاز بعضهم البيعَ مع الكراهية، وإليه ذهب أصحابُ الرأي كما يجوز التفريق في البهائم بين الأمهات وأولادها...، وإذا وقع في السبيِ ولدٌ مع أحد أبويه يجتهدُ الإمام حتى لا يفَرِّق بينهما في القِسمة، وكذلك الإخوة والمحارم، فإن فَرَّق لغير ضرورةٍ، كرهه جماعة من أهل العلم، وذهب قومٌ إلى أنه يجوز إلا بين الولد الصغيرِ والوالدين، ثم اختلفوا في حدِّ الكِبَر الذي يُبيح التفريق، قال الشافعي: هو أن يبلغَ سبعَ سنين، أو ثمان سنين، وقال الأوزاعي: حتى يستغنيَ عن أمه، وقال مالك: حتى يُثَغِّر (تسقُط أسنانه) وقال أصحاب الرأي: حتى يحتلمَ، وقال أحمد: لا يُفَرَّق بينهما وإن كبر واحتلم، وجوَّزَ أصحاب الرأي التفريق بين الأخوين الصغيرين، فإن كان أحدهما كبيرًا لا يجوز. شرح السنة (9/ 335 - 336).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
رحمةُ الله -عزَّ وجلَّ- بعباده؛ حيث حرَّم التفريقَ بين ذوي الرحم؛ لأنه لا شكَّ أنه يلحق ذوي الرَّحم بهذا التفريقِ من التعب والمشقَّة ولا سيِّما بين الأم وولدها ما لا يحتملُ أحيانًا، فمَن رحمة الله أنْ حرَّم التفريق بينهما. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 591).
قوله: «فَرَّق الله بينهُ وبينَ أحبتهِ يومَ القيامةِ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فَرَّق الله بينهُ وبين أحبتهِ» قالوا: يجوز إدخال «بين» بين المُظهرين، وتركه، وأما بين المُضمرِ والمُظهرِ فواجبٌ، فتدبَّر. لمعات التنقيح (6/ 204).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فَرَّق الله بينه وبين أحبتهِ» أي: من أولاده ووالديه وغيرهما «يوم القيامة» أي: في موقف يجتمع فيه الأحبابُ، ويشفع بعضهم بعضًا عند ربِّ الأرباب، فلا يرد عليه قوله تعالى جل شأنه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} عبس: 34 - 36...، وروى الطبراني عن معقل بن يسار «من فَرَّق فليس منا». مرقاة المفاتيح (6/ 2201).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَرَّق الله بينه وبين أحبتهِ يوم القيامةِ» الظاهر أنه خبرٌ لا دعاءٌ، والمراد: يوم القيامةِ لا في الجنةِ، وليس المراد بهذا التفريق أن يكون هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النارِ؛ لأنه لا يخرجُ بذلك من الإسلام كما هو مذهبُ أهل السنة، ويحتملُ أن يكون في الجنة دُون درجتهم بحيث يحصلُ أصلُ التَّفريق...، ولكن بحيث يرضى كلٌّ منهما بما أُعطيَ، ولا يتمنَّى درجةَ الآخرِ. فتح القريب المجيب (8/ 250).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
«فَرَّق اللهُ بينه وبين أحبتهِ يومَ القيامةِ» هذا حديثٌ ينذرُ بعذابٍ شديدٍ؛ لأنه لا يليقُ أن يكون المراد بالتَّفريق بينه وبين أحبتهِ أنه يفَرَّق بينهم في مساكنِ الجنةِ؛ لأن التفريق إذا كان عذابًا، فأهل الجنة لا يكونون مُعذَّبين؛ ولا يليق أن يكون المراد به التَّفريق في الموقفِ والحسابِ؛ فإنه ذلك ليس بموضعٍ لاستيئاس الأحبَّة بعضهم ببعض، وإنما هو تفرقة المرء من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبتهِ وبنيه {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} عبس : 37، فلم يبق أن يكون هذا التَّفريقُ إلا أنَّ أحبَّتهُ يُصارون إلى الجنةِ وهو إلى النار، ولولا تفريقهُ بين الوالدةِ وولدِها لكان معهم، فإن قيل: فأولئك الأحبّة لا يألمون بالتفريق بينه وبينهم، قيل: لا؛ لأن التألُّم عذابٌ، ولا عذابَ عليهم. المنهاج في شُعب الإيمان (3/ 420 - 421).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
عدُّ هذا كبيرة هو ظاهر ما في هذه الأحاديث...، ففيه الوعيدُ الشديدُ أيضًا؛ لأن التفريق بين الإنسان وأحبته ذلك اليوم أمرٌ مُشقٌّ على النفس جدًّا، قلتُ: وكما أخذوا من هذا حرمة التفريق المذكور؛ لأنهم فهموا منه الوعيد، كذلك نأخذ منه كونه كبيرةً؛ لأنه حيث سلِّم أنه يفهم الوعيد فذلك الوعيد الذي دلَّ عليها ظاهره وعيدٌ شديدٌ، فإن قلتَ: ما وجه الوعيد فيه، والله تعالى يقول: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} عبس : 34 - 38، الآيات، فظاهرها أن هذا أمرٌ واقعٌ لكل أحد فكيف يُفهم منه الوعيدُ؟
قلتُ: سياق الحديث نصٌّ في أنه وعيد، وحينئذٍ فهو على حد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسهُ في الآخرة، ومَن شربَ الخمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة» جزاءً وفاقًا، والمراد بيوم القيامة: ما يشملُ الجنة، فما في الآية يكونُ في الموقف، وما في الحديث يكونُ في الجنة، وكما أخذوا من حديث الحرير أن لبسَهُ كبيرة كما مرَّ، كذلك أخذنا من خبر التفريقِ أنه كبيرةٌ، بجامع أن في كلٍّ منهما الجزاء على العملِ بنظيره، وكما أن خبر الحريرِ مخصِّصٌ لقوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} الحج : 23، كذلك خبر التَّفريقِ مخصِّص لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الطور : 21. الزواجر (1/ 390 - 391).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الوعيدُ يدلُّ على التحريم، وأن هذا من كبائرِ الذُّنوب، مثاله: رجلٌ عنده أمةٌ مملوكةٌ ولها ولدٌ مملوكٌ، وكيف يمكن أن يكون ولدها مملوكًا؟ بأن يزوِّجها من عبدٍ أو من حُرٍّ يعلم أنها مملوكةٌ، فإذا زوَّجها من عبدٍ فأولادها مماليك لسيِّد الأمَة، وإذا زوَّجها من حُرٍّ وأخبره بأنها أمَةٌ فكذلك يكونون أولادُها مماليك لسيِّدِها، المهم أن عنده والدةٌ وولدها كلاهما رقيقٌ له فباع الوالدة دون الولد، فإن ذلك لا يجوز، والبيع حرامٌ بل من كبائر الذنوب، ولكن هل يقع البيع صحيحًا؟
الجواب: لا، بل يقع البيع فاسدًا، ويجب عليه أن يرده...، وهو مقتضى القاعدة...، وهو إذا عاد النهي إلى نفس العقد أو نفس العبادة، فإنه لا يمكن أن يكون صحيحًا للتَّضاد؛ لأن النهي يقتضي الفساد، فكيف يصح المنهيُّ عنه مع نهي الشَّارع عنه؟ فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 590 - 591).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
عمومُ الحديثِ يُفيد تحريمَ التفريقِ بينهما، ولو بعدَ البلوغ...
ومِثلُ هذه الأحكامِ الإسلاميّةِ الحكيمةِ الرّحيمة، يُستدلُّ بها على ما في الإسلامِ من رَحمةٍ ورأفةٍ ونظراتٍ كريمةٍ لهذا الإنسان، الذي حتمت عليه ظروفُه أن يكونَ التصرُّفُ فيه بأيدي المسلمين.
فلم تَحُلْ عداوتُه للإسلامِ وأهلِه، ووقوفُه في وجهِ دعوتِهم، أن يَقْسُوا عليه، ويُعذِّبوه، ويُهينوه، كما تفعلُ كثيرٌ من الدولِ بأسرَاهم؛
وإنّما الإسلامُ يُعامِلُهم بكلِّ معاني الرحمةِ واللُّطفِ، واحترامِ الشعور. توضيح الأحكام (4/ 323 - 324).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وشَرطُ حُرمةِ التفريقِ أن يكون بين أمَةٍ وولدِها غيرِ المُميِّز لصِغرٍ أو جُنون، بنحو بيعٍ لغيرِ مَن يَعتِقُ عليه، أو قِسمة، أو فَسخٍ، وإن رَضِيَتِ الأم؛ لأنَّ للولدِ حقًّا أيضًا، ويَبطُلُ ذلك التصرُّف.
والأبُ والجدُّ، والجدّةُ للأبِ أو الأمِّ، وإن بَعُدَا، كالأمِّ عندَ فقدِها.
ويجوزُ بيعُ الولدِ مع الأبِ أو الجدِّ.
وكذا إن مَيَّزَ، بأن صار يأكلُ وحدَه، ويشربُ وحدَه، ويستنجي وحدَه، ولا يُتَقيَّدُ بسِنٍّ؛ فقد يحصلُ في نحو الخَمس، وقد يتأخّر عن السّبع.
ويُكرَه التفريقُ ولو بعد البُلوغ، وكذا إن كان أحدُهما حرًّا.
ويَحرُمُ التفريقُ بالسَّفرِ أيضًا، بين الأمَةِ وولدِها غيرِ المُميِّز، وبين الزوجةِ وولدِها، بخلافِ المُطلَّقة.
ونحو بيعِ ولدِ البهيمة، إنِ استغنى عن اللّبنِ، أو لم يستغنِ، لكن اشتراه للذّبح، فإن لم يستغنِ، ولا قَصَدَ الذّبح، حَرُمَ، وبَطَلَ نحو البيع. الزواجر (1/ 391).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
(الحديث) دليلٌ على تحريمِ التفريقِ بين الوالدةِ وولدِها في البيع، ونحوِه كالهِبة، والقِسمة، وغيرِهما، وأنَّ الأرقّاء لا يُفرَّقُ بينهم، بل يُباعون جميعًا أو يُبقَون جميعًا؛ حرصًا على بقاءِ الرَّحمِ والتعاطفِ بينهما. وحديث الباب فيه وعيدٌ شديدٌ، وهو يدلُّ على تحريمِ ذلك.
ولا فَرْقَ بين البيعِ وغيرِه؛ لأن الحديث عامٌّ في التفريقِ بأيِّ وجهٍ من الوجوه، لقولِه: «مَن فرَّق».
وظاهرُ الحديثِ أنه لا فرقَ بين حالةِ البلوغِ وما قبلَها، ولو صحَّ حديثُ عُبادة - المتقدِّم - لكان صالحًا لتقييدِ الإطلاقِ في حديثِ أبي أيوب - رضي الله عنه - ويكونُ النهيُ خاصًّا بما قبلَ البلوغ.
وهذا روايةٌ عن الإمامِ أحمد.
والقولُ الثاني: جوازُ التفريقِ بعدَ البلوغ، وهي الروايةُ الصحيحةُ عن الإمامِ أحمد، وهو قولُ الشافعي؛ لما ورد أنَّ سَلَمة بن الأكوع أتى أبا بكرٍ بامرأةٍ وابنتِها، فنفَّله أبو بكرٍ ابنتَها. الحديث.
قال النووي: فيه جوازُ التفريقِ بين الأمِّ وولدِها البالغ، ولا خلافَ في جوازِه عندَنا؛ ولأنَّ الولدَ بعد البلوغِ يصيرُ مستقلًّا بنفسِه، ولعادةِ التفريقِ بين الأحرار؛ فإنَّ المرأةَ تُزوِّجُ ابنتَها، ويُفرَّقُ بين الحُرَّة وولدِها إذا افترقَ الأبوان. منحة العلام (6/ 108).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل يُقاسُ على الوالدةِ العمّةُ والخالةُ؟
إذا نظرنا إلى حديثِ عليٍّ، قُلنا: إنَّه تُقاس العمةُ والخالةُ؛ لأنَّ في حديث عليٍّ تحريمَ التفريقِ بين الأخوَين.
وأخذ العلماءُ من هذا، والذي قبله، قاعدةً، وقالوا: لا يجوز التفريقُ بين ذوي الرَّحمِ في البيع.
فإذا قلنا: ما هو الضابط؟
فالضابط: أنَّه لو قُدِّر أنَّ أحدهما ذكر، لم يحِلَّ أن يتزوَّج الآخر لقرابتِه منه، فإنَّه لا يجوز التفريقُ بينهما.
فالعَمّةُ وابنُ أخيها: لا يجوز التفريقُ بينهما، لأنَّه لا يَحلّ التناكحُ بينهما.
وأمّا ابنُ العمّ وابنُ عمّه: فيجوز التفريقُ بينهما؛ لماذا؟ لأنَّه لو كان أحدُهما أنثى، لَجاز أن يتزوّجه الآخر.
أمٌّ وابنتُها من رِضاع: يجوز؛ لأنَّ العِلّة ليست الرَّحم، ولكن الرّضاع.
نعود إلى القاعدة فنقول:
كلُّ مملوكَين، لو قُدّر أنَّ أحدَهما ذكرٌ لم يَحلَّ للآخر أن يتزوجَه لقرابتِه، فإنّه لا يجوز التفريقُ بينهما.
فإن وقعَ التفريقُ، فالواجبُ رَدُّ البيع. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 591).