«أَهْدَى رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مَرَّةً إلى البيتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا».
رواه البخاري برقم: (1701)، ومسلم برقم: (1321) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (1703): «كنتُ أَفْتِلُ قلاَئِدَ الغَنَمِ للنبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَيَبْعَثُ بها، ثم يَمْكُثُ حَلاَلًا».
وفي لفظ لمسلم برقم: (1321): «كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ، فَنُرْسِلُ بها، ورسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حلالٌ، لم يَحْرُمْ عليه منه شيءٌ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَهْدَى»:
أي: بعث الهدي إلى مكة، شرَّفها الله تعالى. الكواكب الدراري، للكرماني (8/ 182).
«فقلَّدَها»:
التَّقليد: أَصله مِن القِلادة التي تكون في العُنقِ. النظم المستعذب(1/١٦).
وقال ابن أبي الفتح -رحمه الله-:
(التقليد) أنْ يعلِّق في العُنق شيء، ليعلم أنها هدي. المطالع على ألفاظ المنقع(ص: ٢٤٣)
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
فإنْ كانت شاة: قلَّدها عُرى القِرَب، ولا يشعرها (الإشعار: أنْ يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته، فيكون ذلك علامة على كونها هديًا، ويكون ذلك في صفحة سنامها الأيمن). الشافي (3/ 556).
«أَفْتِلُ»
بكسر المثناة الفوقية (أي: ألوي). إرشاد الساري، للقسطلاني (8/ 309).
«قَلاَئِدَ»:
جمع قلادة، وهي ما تُعلَّق بالعُنق. مرقاة المفاتيح، للقاري (5/ 1820).
«الشَّاءَ»:
أي: الغَنَم. المعين، لابن الملقن (ص: 117).
والشَّاء: جمع شاة، وأصل الشاة: شاهة؛ لأن تصغيرها شويهة، والجمع: شياه بالهاء في العدد، تقول: ثلاث شياه إلى العشرة، فإذا جاوَزْتَ فبالتاء، فإذا كثرت قيل: هذه شاءٌ كثيرة، وجمع الشاء: شوى. عمدة القاري للعيني (6/ 236).
شرح الحديث
قولها: «أَهْدَى رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مَرَّةً إلى البيتِ غَنَمًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» عائشة: «أهدى» وبعث «رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرةً» واحدةً «غنمًا» في غير حجَّة الوداع «إلى البيت». مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 230).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مرةً إلى البيت» أي: بيت الله «غنمًا» أي: قطعة من الغنم. مرقاة المفاتيح (5/ 1819).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
في قولها: «مرةً» إشعار بأنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان يهدي بالبُدْن؛ لكونها أفضل، وأهدى مرَّة بالغنم لبيان الجواز. مرعاة المفاتيح (9/ 199).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
المعروف أنَّ النبي -عليه السلام- إنَّما أهدى البُدْن، لكنَّ هديه الغنم إنَّما كان مرةً، كما قالت في حديث الأسود عنها، ولم يأتِ ذكر الغنم إلا في رواية الأسود عنها، وقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر الهدي ولم يذكر الغنم، وأكثر الروايات: «بُدْنَه» وفي بعضها: «وأشعرها وقلَّدها» وفي بعضها: «فلم يحرم عليه شيء حتى نحر الهدي» وإنَّما تُشعر وتُنحر البُدْنُ، وقد تأول بعضهم قول الأسود عنها: «أَفْتِلُ قلائد هدي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم من الغنم» أي: من صوف الغنم، كما قالت في الرواية الأخرى (في مسلم): «من عِهْنٍ» (أي صوف)، لكن قوله في بعض روايات حديث الأسود: «كنا نُقلِّد الشاة» يدفع هذا التأويل إنْ صحت هذه اللفظة، لكن للاختلاف في إثباتها عن الأسود، مع انفراده بها، ومخالفته سائر الرواة عن عائشة يُضعِّفها. إكمال المعلم (4/ 407).
وقال القسطلاني -رحمه الله- معلقًا:
قال المنذري: والإعلال بتفرُّد الأسود عن عائشة ليس بعلة؛ لأنَّه ثقةٌ حافظٌ، لا يضرُّه التفرُّد. إرشاد الساري (3/ 221).
قولها: «فقلَّدها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقلَّدها» أي: علَّق في أعناق تلك الأغنام خيوطًا؛ لتُعلم أنَّها من هدايا الحرم، فيردها واجدها إلى الحرم إذا ضاعت. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 230).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
اتفقوا على أنَّ الغنم لا تُشْعَر؛ لضعفها عن الجرح؛ ولأنه (الإشعار) يستتر بالصوف، وأما البقرة فيُستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل. المنهاج شرح مسلم (8/ 228).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ثبت أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلَّد الهدي، وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: يرون تقليد الهدي.
واختلفوا في تقليد الغنم، ورأت ذلك عائشة أم المؤمنين، وكان عطاء بن أبي رباح، وعبيد الله أبي يزيد، وعبيد الله بن عبيد بن عمير، ومحمد بن علي يقولون: رأينا الغنم تُقدَّم مُقلَّدة، وقال بعضهم: رأينا الكباش تُقلَّد، وكان الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون تقليد الغنم.
وأنكر مالك، وأصحاب الرأي: تقليد الغنم.
قال أبو بكر (ابن المنذر): بالقول الأول أقولُ؛ للثابت عن عائشة أنها قالت: «كنتُ أفتلُ قلائد الغنم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيبعث بها، ثم يمكثُ حلالًا». الإشراف (3/187- 188).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُسن تقليد الهدي، وهو أنْ يجعل في أعناقها النعال، وآذان القِرَب، وعُراها، أو علاقة إداوة (عَلَق القِرْبة هو حَبْلُها الذي تُعَلَّق به) وسواء كانت إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يُسن تقليد الغنم؛ لأنه لو كان سُنة لنُقل كما نُقل في الإبل.
ولنا: أنَّ عائشة قالت: «كنتُ أفتلُ القلائد للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقلِّد الغنم، ويُقيم في أهله حلالًا» وفي لفظ: «كنتُ أفتل قلائد الغنم للنبي -صلى الله عليه وسلم-» رواه البخاري؛ ولأنه هدي، فيُسن تقليده كالإبل؛ ولأنه إذا سُن تقليد الإبل مع إمكان تعريفها بالإشعار فالغنم أولى، وليس التساوي في النقل شرطًا لصحة الحديث؛ ولأنه كان يهدي الإبل أكثر، فكثر نقله. المغني (3/ 471).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قولها: «فَقَلَّدَهَا» فيه: استحباب تقليد الهدي، وهو أنْ يُجعل في عنقه ما يُستدل به على أنه هدي، وهو متفق عليه في الإبل والبقر، واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعي وأحمد والجمهور، ورواه ابن أبي شيبة عن عائشة وعن ابن عباس: «لقد رأيتُ الغنم يُؤتَى بها مقلدة»... وعن عطاء: «رأيتُ أناسًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يسوقون الغنم مقلَّدة» وحكاه ابن المنذر عن إسحاق وأبي ثور، قال: وبه أقولُ، وإليه ذهب ابن حبيب من المالكية.
وذهب آخرون إلى أنها لا تُقلَّد كما أنها لا تُشعر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر وسعيد بن جبير، ويوافقه كلام البخاري؛ فإنه بوب على هذا الحديث: "فتل القلائد للبُدْنِ والبقر"، فحمل الحديث عليهما ولم يذكر للغنم، وقال النووي في شرح مسلم: هو -أي تقليد الغنم- مذهبنا، وعلل العلماء كافة من السلف والخلف إلا مالكًا فإنه لا يقول بتقليدها، انتهى.
ويرد عليه ابن عمر وسعيد بن جبير وأبو حنيفة ومن وافقه من أصحاب الرأي، وقد نقله هو في موضع آخر من شرح مسلم عن أبي حنيفة، وظاهر هذا الحديث موافق للجمهور؛ لأنها لم تَخُصَّ بذلك هديًا دون هدي، وقد صَرحَتْ بالغنم في رواية الأسود عنها، فقالت: «كنتُ أفتل قلائد الغنم للنبي -صلى الله عليه وسلم-» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لقد رأيتني أفتل القلائد لهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الغنم» ولفظ الترمذي: «كنتُ أفتل قلائد هدي رسول -صلى الله عليه وسلم- كلها غنمًا» وقال: حسن صحيح، وقوله: «كلِّها» بالجر، كأنها تأكيد للقلائد أو للهدي باعتبار المعنى، وقولها: «غنمًا» نصب على الحال أو التمييز.
وحكى ابن حزم عن بعضهم أنه أوَّل هذا الحديث على أنَّ معناه: أنَّها فتلت قلائد الهدي من الغنم، أي: من صوف الغنم، ورده رواية الأسود عنها: «أهدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرة إلى البيت غنمًا، فقلدها» لفظ مسلم، وفي لفظ له: «كنا نقلد الشاة فيرسل بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حلال لم يحرم منه شيء» وفي لفظ للبخاري: «كنتُ أفتل قلائد النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقلد الغنم» ولفظ أبي داود: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهدى غنمًا مقلدة» وهذه الألفاظ لا تحتمل هذا التأويل الذي ذكره هذا القائل، وقال ابن حزم بعد ذكره: وهذا استسهال للكذب البحت، خلاف ما رواه الناس عنها من إهدائه -عليه السلام- الغنم المقلدة، وما ذكرته أولًا من الاتفاق على تقليد البقر قد نص عليه غير واحد، لكن ابن حزم الظاهري خالف فيه، فقال: إنها لا تُقلَّد؛ لعدم وروده، ولم أعتبره؛ لأني لم أرَ له فيه سلفًا، ثم إنَّ البقر داخلة في عموم الهدي المذكور في هذا الحديث وغيره، وتناولها أيضًا قولها -رضي الله عنها-: «فتلتُ قلائد بُدْنِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم أُشْعِرها، وقلَّدها» بناء على القول باندراج البقر في البُدن، واللفظ المذكور في الصحيحين من رواية أفلح عن القاسم عنها، فعزو الشيخ -رحمه الله- في النسخة الكبرى من الأحكام هذه الرواية لمسلم فقط فيه نظر.
(و) لم يتبيَّن في هذه الرواية جنس القلائد المفتولة، وفي الصحيحين من رواية ابن عون عن القاسم عن عائشة قالت: «فتلتُ قلائدها من عِهْنٍ كان عندي» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «أنا فتلتُ تلك القلائد مِن عِهْنٍ كان عندي» وقد اختلف في العهن بكسر العين المهملة، وإسكان الهاء، فقيل: هو الصوف، وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا، وقد ذكر أصحابنا الشافعية: أنَّ التقليد بالخيوط المفتولة يكون في الغنم، فيقلدها إما بذلك، وإما بخُرب القِرَب بضم الخاء المعجمة، وهي عُراها وآذانها، وأما الإبل والبقر فقالوا: يُستحب تقليدها نعلين من هذه النعال التي تُلبس في الرِّجْلين في الإحرام، ويُستحب أنْ يكون لها قيمة، ويُتصدق بهما عند ذبح الهدي، قال المالكية: ولو اقتصر على التقليد نعل واحد جاز، والأول أفضل، وقال أصحابنا: إنه لا تُقَلَّد الغنم النعل؛ لثقله عليها، بخلاف الإبل والبقر، ولم أرهم قالوا: إنه لا تُقَلَّد الإبل والبقر بالخُرب والخيوط بل استحبوا أن يكون بالنعال، وسكتوا عن نفي ما عداها، وهذا الحديث صريح في تقليد الإبل بالخيوط، ولا سيما الرواية المتقدمة «فَتَلْتُ قلائد بُدْنِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم أَشْعَرها وقلدها» ومن المعلوم أنَّ الإشعار لا يكون في الغنم، وتناول لفظ البُدْن للإبل متفق عليه، وإنَّما الخلاف في إطلاقه على غيرها، كما تقدَّم، والله أعلم.
وقال بعض المالكية بكراهة تقليد النعال والوبار، وقال ابن حبيب: أَحْبُل القلائد من مسد. طرح التثريب (5/ 150-152).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
تنبيهٌ: أخذ بعض المتأخرين (أي: العراقي) من اقتصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أنَّ الغنم لا تُقلَّد، وغفل هذا المتأخر عن أنَّ البخاري أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم. فتح الباري (3/ 544).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
ولم نجد لهم (أي: لمالك وأصحاب الرأي القائلين بعدم تقليد الغنم) حُجة، إلا قول بعضهم: إنها تضعُف عن التقليد، وهي حُجة ضعيفة؛ لأنَّ المقصود من التقليد العلامة، وقد اتفقوا على أنَّها لا تُشْعَر؛ لأنها تضعف عنه، فتقلَّد بما لا يضعفها. مرعاة المفاتيح (9/ 199).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
احتج مَن لم يرَ تقليد الغنم بأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنَّما حج حجة واحدة، لم يهدِ فيها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود عن عائشة في تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة. التمهيد (17/ 230).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
ما أدري ما وجه الحُجَّة منه؛ لأنَّ حديث الباب دالٌّ على أنه أرسل بها، وأقام، وكان ذلك قبل حجته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم مَن الذي صرَّح من الصحابة بأنَّه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك؟. فتح الباري (3/ 547).
وقال العراقي -رحمه الله-:
(و) هذا الذي ذكرناه من استحباب تقليد الهدي إنما رأيتُ أصحابنا الشافعية ذكروه في الهدي المتطوَّع به، والمنذور، وقسَّم المالكية دماء الحج إلى هدي ونُسك، وقالوا: إنَّ الهدي جزاء الصيد، وما وجب لنقص في حج أو عمرة، كدم القران والتمتع والفساد والفوات، وغيرها.
وقالوا: إنَّ النسك ما وجب لإلقاء التفث، وطلب الرفاهية من المحظور المنجبر، وجعلوا التقليد من سُنة الهدي.
وقال الحنفية: إنَّ التقليد إنما يكون في هدي المتعة والتطوع والقران، دون دم الإحصار والجماع والجنايات، وفرَّقوا بينها: بأنَّ الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره وتشهيره، فيليق به.
وأما الثاني: فإنَّ سببه الجناية والستر أليق بها، قالوا: ودم الإحصار جائز، فأُلحق بها، وذكر ابن حزم الظاهري هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك والشافعي: يُقلَّد كل هدي ويُشعر، قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- انتهى.
وفيما ذكره نظر، فإنه لا عموم في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والهدي الذي ساقه إنما كان متطوعًا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة، والدماء الواجبة لا تساق مع الحاج من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها أم لا؟ ولم أرَ أصحابنا تعرضوا لذلك كما تقدم، فينبغي تحقيقه، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 152).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا سؤال جيد يقول: يُحمل الهدي في السيارة وهي مغلقة لا يراها الفقراء، فهل نقول: إنَّ هذه السُّنة باقية أو لا؟ هذه لها نظر، مثلًا الميكرفون الآن يؤذِّن المؤذن فيه فهل يلتفت يمينًا وشمالًا كما لم يؤذن بدون ميكرفون أم نقول: هذه سنة فات محلها بمعنى لا يوجد لها محل؟ نقول: يلتفت ولو في الميكرفون؟ ما يلتفت؛ لأنه ربما لو التفت صار أخفض لصوته، لكن الهدي أرى أنه يقلدها ولو كانت في السيارة؛ لأنها لا بد أنْ تنزل يومًا ما ؟ شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 32).
قولها في رواية: «كنتُ أَفْتِلُ قَلاَئِدَ الغَنَمِ للنَّبِيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فَيَبْعَثُ بها، ثم يَمْكُثُ حَلاَلًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أفتلُ» أي: ألوي، من باب ضرب. الكوكب الوهاج (14/ 363).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
استحب مالك فتل القلائد بهذه الأحاديث؛ ولأن ذلك إبقاءً لها على طول السفر والمدة، مع تصرف الهدايا في الرعي وغيره. التوضيح(12/ 57).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيبعثُ بها» إلى مكة. إرشاد الساري(3/ 220).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قولها: «ثم يبعثُ بها» أي: مُقلَّدة. طرح التثريب(5/ 152-153).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم يمكث» بالمدينة «حلالًا». إرشاد الساري(3/ 220).
وقال المازري -رحمه الله-:
فيه: دلالة على ردِّ قول مَن يقول: إنَّ مَن قلَّد هديًا وبعث به حرُم عليه ما يحرم على الحاج، وإنْ لم يُحْرِمْ هو. المعلم (2/ 104).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ مَن أرسل هديًا إلى الكعبة، لا يصير محرمًا بمجرد ذلك، ولا يجري عليه حُكْم الإحرام، ولا يلزمه أنْ يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وسواء قلَّد هديه أم لم يقلده، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يقول: إنْ قلَّد هديه فقد أحرم، وبه قال النخعي والشعبي، وقال عطاء: سمعنا ذلك، وقال الثوري وأحمد وإسحاق: إذا قلَّد هديه فقد أحرم، وبه قال النخعي والشعبي، وقال عطاء: وجب عليه، وبه قال أصحاب الرأي، انتهى.
وحاصل كلامه قولان:
أحدهما: أنه يصير مُحْرِمًا.
والثاني: أنَّه يجب عليه الإحرام، وعدَّهما ابن المنذر قولًا واحدًا، فإنه قال بعد ذلك: وفيه قول ثانٍ، فحكى المذهب المشهور، وكأنَّ مراد الأخيرين وجب عليه حُكْم الإحرام؛ لأنه قد صار محرمًا، فتتحد المقالتان حينئذٍ، وقال الخطابي عن أصحاب الرأي تفريعًا على ما تقدم نقله عنهم: فإنْ لم تكن له نية فهو بالخيار بين حج وعمرة، وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلَّد هديه فقد أحرم عن ابن عمر وابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير وسعد بن قيس وميمون بن أبي شبيب، وأنه إذا قلَّد فقد وجب عليه الإحرام عن ابن عباس، وهذا يدل على التأويل الذي قدمته، وأنَّ المراد بالعبارتين شيء واحد؛ لكونهما معًا عن ابن عباس، وروى ابن أبي شيبة أنه إذا قلَّد وهو يريد الإحرام فقد أحرم عن ابن عباس وأبي الشعثاء وعطاء وطاوس ومجاهد، وأنَّه إذا قلَّد وهو يريد الإحرام فقد وجب عليه الإحرام عن إبراهيم النخعي، وكذا حكى الخطابي عن سفيان الثوري وأحمد وإسحاق أنه إذا أراد الحج وقلَّد فقد وجب عليه، وهذا المذكور آخرًا فيه التقييد بأنْ يكون يريد الإحرام، فإنْ لم يُحمل الإطلاق الأول على التقييد الثاني، وغايرنا بين الإحرام وإيجاب الإحرام حصل قولان آخران مع القولين الأوَّلين، ويدل على أنَّ ذلك لا يتقيد بإرادة الإحرام في قول ما رواه ابن أبي شيبة عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة متجردًا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أنْ يُقلَّد، فلذلك تجرَّد، فلقيتُ ابن الزبير فذكرتُ ذلك له فقال: بدعة ورب الكعبة.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء وابن الأسود قالا: ليس له أنْ يُقلِّد ولا يحرم إلا إنْ شاء يومًا أو يومين، وهذا مذهب خامس، حاصله: أنَّه بالتقليد يجب عليه الإحرام وله تأخيره يومًا أو يومين، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن البصري أنه إنْ فعل ذلك في أشهر الحج وجب عليه الحج، وإنْ كان في غير أشهره لم يجب، وهذا مذهب سادس، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن سعيد بن المسيب والحسن البصري: أنَّ مَن بعث بهديه لا يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم إلا ليلة جَمْع (مزدلفة) فإنه يمسك عن النساء، وهذا مذهب سابع، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر أنه إذا أرسل بدنته أمسك عما يمسك عنه المحرم غير أنه لا يلبي، وهذا مذهب ثامن؛ لأنه لم يقيد ذلك بالتقليد، ولم يقل: إنه مُحْرِم، ولا وجب عليه الإحرام، وإنما قال: يمسك عما يمسك عنه المحرم، وهو الذي في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: مَن أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي، وهذا أصح ما روي عن ابن عباس في هذا، والله أعلم.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن جعفر بن محمد أنه إذا أرسل بدنته واعدهم يومًا، فإذا كان ذلك اليوم الذي واعدهم أنْ يُشعر، أمسك عما يمسك عنه المحرم غير أنه لا يلبي، وهذا مثل الذي قبله في الإمساك خاصة، ويخالفه بأنه لا يرتبه على مجرد الإرسال، بل لا بد معه من الإشعار فهو مذهب تاسع، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن محمد بن سيرين قال: إذا بعث الرجل بالهدي أمر الذي يبعث به معه أنْ يُقلِّد يوم كذا وكذا من ذلك اليوم، ثم يمسك عن أشياء مما يمسك عنها المحرم، وهذا مذهب عاشر؛ لأنه لا يطَّرد المنع في كل ما يجتنبه المحرم، بل يثبت ذلك في بعضها دون جميعها.
واعلم أنَّ كل مَن رتَّب هذا الحكم على التقليد رتَّبه على الإشعار أيضًا فهو في معناه، فهذه عشرة مذاهب شاذة، إنْ لم تؤول وترد إلى مذهب واحد، وكلام النووي يقتضي التأويل، فقال في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: فيه أنَّ مَن بعث هديه لا يصير مُحْرمًا، ولا يَحْرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا روايةً حُكيت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابي عن أهل الرأي أيضًا أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرمًا من غير نية الإحرام، وقال في شرح المهذب: إذا قلَّد هديه أو أشعره لا يصير مُحْرِمًا بذلك، وإنما يصير محرمًا بنية الإحرام، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، ونقل الشيخ أبو حامد (الإسفراييني) عن ابن عباس وابن عمر أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وهذا فيه تساهل، وإنَّما مذهب ابن عباس أنه إذا قلَّد هديه حرم عليه ما يحرم على المحرم، حتى ينحر هديه، وكذا مذهب ابن عمر إنْ صح عنه في هذه المسألة شيء، انتهى.
فذكر في شرح مسلم بعث الهدي، وفي شرح المهذب تقليده، ومما يدل للجمهور ما رواه النسائي من رواية الليث عن ابن الزبير عن جابر «أنهم كانوا إذا كانوا حاضرين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة بعث الهدي، فمَن شاء أحرم، ومَن شاء ترك»... وهو صريح في أنه لم يكن يلزمهم حكم الإحرام ببعث الهدي، ولعله إنما ورد فيمن عزمه الحج تلك السَّنة، وإنَّ الذين يصحبون الهدي معهم، منهم مَن يُحْرِم بمجرد بعثه، ومنهم من يترك الإحرام في ذلك الوقت، ويؤخره إلى الميقات؛ ويدل لذلك أنَّ ابن حبان لما أخرجه في صحيحه بوب عليه "ذكر الإباحة للحاج، بعث الهدي وسوقها من المدينة" فلما عبَّر في تبويبه بالحاج علمنا أنه فهم أنَّ بعث الهدي المذكور كان ممن عزمه الحج، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 153-155).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
المذهب القوي هو أنَّ باعث الهدي لا يصير مُحرمًا؛ لثبوته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأسانيد صحيحة، وما ذهب إليه بن عباس وغيره لم يثبت عنه بسند صحيح، والله تعالى أعلم. تحفة الأحوذي (3/ 559).
قولها في رواية: «كُنَّا نُقلِّدُ الشَّاءَ فنرسل بها، ورسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حلالٌ، لم يَحْرُمْ عليه منه شيءٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قولها: «كُنا نُقلِّد الشاء» بالهمزة، وفي رواية النسائي: «الشاة» بالتاء، وهي واحد الشاء. البحر المحيط الثجاج (24/ 80).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» عائشة «كُنا» معاشر أهل البيت «نُقلِّد الشاء» جمع شاة «فنرسل بها» إلى الكعبة «ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- حلال لم يحرم عليه منه» أي: مما يحرم على المحرم «شيء» من محظورات الإحرام، وقولها: «منه» بيان مقدم لشيء، وضميره يعود على غيره مذكور معلوم من السياق، والله أعلم. الكوكب الوهاج (14/ 369).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قولها: «فنرسل بها» هكذا رواية المصنف بنون المتكلم، وفي رواية النسائي: «فيُرسل بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» بالياء، وعليها فـ «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» مرفوع على الفاعلية، فتنبه.
وقوله: «لم يَحْرُم عليه منه شيء» هذا بيان لمعنى قولها: «حلال» وضمير «عليه» له -صلى الله عليه وسلم-، وضمير «منه» للحلال، فيكون فيه استخدام، وهو نوع من أنواع البديع، وهو أنْ يذكر لفظ له معنيان، فيراد به أحدهما، ثم يراد بالضمير الراجع إليه معناه الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحد معنييه، ثم بالآخر معناه الآخر، فالأول كقوله (من الوافر):
إذا نزل السماء بأرض قوم *** رعيناه وإنْ كانوا غضابا.
أراد: بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من "رعيناه" النبت، والسماء يطلق عليهما.
والثاني: كقوله (من الكامل):
فسقى الغضا والساكنيه وإنْ هم *** شبُّوه بين جوانحي وضلوعي
أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى "الغضا"، وهو المجرور في "الساكنيه" المكان، وبالآخر، وهو المنصوب في "شبوه" النار، أي: أوقدوا بين جوانحي نار الغضا، يعني نار الهوى التي تشبه نار الغضا، قاله الجرجاني.
ومعنى الاستخدام في هذا الحديث: أنَّ قولها: «حلال» خبر قولها: «ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فهو بمعنى غير محرم بالحج، أو العمرة، والضمير في قولها: «منه» راجع إلى «حلال» بمعنى: ضد الحرام، تعني: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يحرم عليه بسبب إرسال الشاء شيء مما هو حلال له قبل ذلك، والله تعالى أعلم.
ووقع في رواية النسائي بلفظ: «كنا نقلد الشاة، فيرسل بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حلالًا، لم يحرم من شيء» فـ«لم يحرم» بضم حرف المضارعة، أي: لم يصر -صلى الله عليه وسلم- محرمًا من شيء كان حلالًا له. البحر المحيط الثجاج (24/ 80-81).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فقلَّدها» فيه: دلالة لمذهبنا ومذهب الكثيرين أنَّه يُستحب تقليد الغنم، وقال مالك وأبو حنيفة لا يُستحب، بل خَصَّا التقليد بالإبل والبقر، وهذا الحديث صريح في الدلالة عليهما. المنهاج شرح مسلم (9/ 72).
وقال المازري -رحمه الله-:
فيه: دَلالة على تقليد الغنم، وهو مذهب ابن حبيب والشافعي والمشهور عندنا (المالكية) أنَّها لا تُقلَّد. المعلم (2/ 104).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على جواز أنْ يكون الهدي من الغنم، وهو يرد على الحنفية، ومن وافقهم أنَّ الهدي لا يجزئ من الغنم.
ويرد على مالك ومَن وافقه حيث قال: إنَّ الغنم لا تُقلَّد. نيل الأوطار (5/ 118).