أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رأى رجلًا يسوقُ بَدَنَةً، فقال: «ارْكَبْهَا» قال: إنَّها بَدَنَةٌ قال: «ارْكَبْهَا» قال: إنَّها بَدَنَةٌ، قال: «ارْكَبْهَا» ثلاثًا.
رواه البخاري برقم: (1690) واللفظ له، ومسلم برقم: (1323) من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (6159): «ارْكَبْهَا» قال: إنَّها بَدَنَةٌ، قال: «ارْكَبْهَا، ويْلَكَ».
وفي لفظ للبخاري برقم (2754): قال في الثَّالثةِ أو في الرَّابعةِ: «ارْكَبْهَا ويْلَكَ، أو وَيْحَكَ».
وفي لفظ له أيضًا برقم: (1323): قال: إنَّها بَدَنَةٌ أو هَدِيَّةٌ، فقال: «وإِنْ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بَدَنَةً»:
البَدَنَة حيثُ أُطلقت في كُتب الحديث والفقه، فالمراد بها البعير ذكرًا كان أو أنثى..
وأما أهل اللغة فقال كثيرون منهم أو أكثرهم: تُطلق على الناقة والبقرة، وقال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: البدنة لا تكون إلا من الإبل والبقر والغنم.
وجمع البَدَنة: بُدْن بضم الدَّال، وإسكانها، وممن نص على الضَّم صاحب الصحاح. تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (3/ 21-22).
«أو هدِيَّةٌ»:
(أي: بَدَنَةٌ) يُقال: أَهْدَيْتُ الهَدْيَ إلى بَيت الله إهداءً، والهَدْي خَفِيف، وعليه هَدْيةٌ، أي: بَدَنةٌ. تهذيب اللغة، للأزهري (6/ 201).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
قال ثَعْلَب: الهَدْيُ بالتخفيف لُغَة أهل الحجاز، والهَدِيُّ بالتثقيل لغة بني تَمِيم. المحكم (4/ 374).
«ويْلَكَ»:
أي: هلاكًا لك، فأصل ويلك: الدعاء بالهلاك، ثم استُعمل في الزَّجر والردع على ترك ما لا يرضى. البحر المديد؛ لابن عجيبة (4/ 278).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الويل: كلمة تُقال لمن وقع في هلكة، ويقولها هو أيضًا لنفسه. كشف المشكل، لابن الجوزي (3/ 420).
«وَيْحَكَ»:
وَيْحَ: كلمةُ تَرَحُّمٍ وتَوَجُّعٍ، تقال لمن وَقَع في هَلَكةٍ لا يَسْتَحِقُّها، وقد يُقال بمعنى المدح والتَّعجُّب، وهي منصوبةٌ على المصدَر، وقدْ تُرْفَعُ، وتُضافُ، ولا تضافُ، يُقالُ: ويحَ زَيدٍ، ووَيْحًا له، وويحٌ له. النهاية لابن الأثير(5/ 235).
وقال الحميري -رحمه الله-:
وَيْح: كلمة زجر، تقول: وَيْحَكَ، اتقِ الله. شمس العلوم (11/ 7317).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الهروي: ويلٌ يُقال لمن وقع في هلَكة يستحقها، وويحٌ لمن وقع في هَلكة لا يستحقها. فتح الباري (3/ 538).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رأى رجلًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رأى رجلًا» لم يُعرف اسمه. إرشاد الساري (5/ 15).
قوله: «يسوقُ بَدَنَةً»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «يسوق بدنة» ناقة تُنحر بمكة، يعني: أنها هدي تُساق إلى الحرم. إرشاد الساري (9/ 97).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس: «مر ببدنة أو هدية» ولأبي عوانة من هذا الوجه: «أو هدي» وهو مما يوضح أنَّه ليس المراد بالبدنة مجرد مدلولها اللغوي. فتح الباري (3/ 537).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«يسوق بدنة» أي: هديًا. إرشاد الساري(3/ 221).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«يسوق بدنة» أي: ناقة، وإنَّما تُسمَّى الناقة المسوقة للهدي بمكة بدنة؛ لأنهم كانوا يُسمِّنُون القرابين، فاشتقاقه من البدانة، وهي الجِسَامة. الكوثر الجاري (9/ 503).
قوله: «فقال: «ارْكَبْهَا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال: اركبها» زاد النسائي من طريق سعيد عن قتادة والجوزقي من طريق حميد عن ثابت كلاهما عن أنس: «وقد جهده المشي» ولأبي يعلى من طريق الحسن عن أنس: «حافيًا» لكنها ضعيفة. فتح الباري (3/ 537).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
«فقال: اركبها» أي: أبحتُ لك ركوبها. جمع النهاية (2/89).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«فقال: اركبها»؛ لضرورتك. شرحه على الموطأ (2/ 484).
قوله: «قال: إنَّها بَدَنَةٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «إنها بدنة» أي: هدي؛ ظنًا أنه لا يجوز ركوب الهدي مطلقًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1820).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «إنها بدنة» أراد أنها بدنة مُهداة إلى البيت الحرام، ولو كان مراده الإخبار عن كونها بدنة لم يكن الجواب مفيدًا؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أنَّ الرجل ظن أنه خفي على النبي -صلى الله عليه وسلم- كونها هديًا، فقال: «إنها بدنة». نيل الأوطار (5/ 122).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحقُّ أنَّه لم يَخفَ ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لكونها كانت مُقلَّدة؛ ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: «ويلك». فتح الباري (3/ 537).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
قوله -عز وجل-: {وَالْبُدْنَ} الحج: 36، في البدن ثلاثة أقاويل: أحدها: أنَّها الإِبل، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنَّها الإِبل والبقر والغنم، وهو قول جابر وعطاء.
والثالث: كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل والبقر والغنم، وهو شاذ، حكاه ابن الشجرة، وسُميت بُدْنًا؛ لأنها مبدنة في السِّمَن. النكت والعيون (4/ 26).
قوله: «قال: «ارْكَبْهَا»:
قال ابن حبان -رحمه الله-:
هذا الأمر إنَّما أُبيح استعماله بالمعروف إلى أنْ يستغني عنه بِظَهْرٍ يجده. صحيح ابن حبان (9/ 325).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
مذهب أهل الظاهر إلى أنَّ ركوبه (الهدي) جائز من ضرورة وغير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اركبها». الاستذكار (4/ 240).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
نقل ابن عبد البر عن أهل الظاهر الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر؛ ولمخالفة ما كانت عليه الجاهلية من البحيرة والسائبة...، ولا يمتنع القول بوجوب الركوب إذا تعيَّن طريقًا إلى إنقاذ مُهْجَة مسلم من الهلاك. شرح سنن أبي داود (8/ 269).
قوله: «قال: إنَّها بَدَنَةٌ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«إنها بدنةٌ» أي: هدي. تحفة الباري (4/ 171).
قوله: «قال: «ارْكَبْهَا» ثلاثًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال» -عليه الصلاة والسلام-: «اركبها، ثلاثًا» أي: قالها ثلاث مرات. إرشاد الساري (3/ 214).
قال العراقي -رحمه الله-:
«ارْكَبْهَا» هذا الأمر إنما هو للإباحة عند الجمهور. طرح التثريب (5/ 148).
قوله: «قال: إنَّها بَدَنَةٌ أو هَدِيَّةٌ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» المار بها: «إنها بدنة» أي: هدي «أو» قال المار: إنها «هدية». الكوكب الوهاج (14/ 378).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «أو هدية» "أو" للشك من الراوي. البحر المحيط الثجاج (24/ 102).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «أو هَدْية» بسكون الدال، وتخفيف الياء، واحدة الهدي، وهو ما يُهدى من الأنعام إلى البيت الحرام، وليس بكسر الدال، وتشديد الياء بمعنى: التُّحْفَة. منة المنعم (2/ 322).
قوله: «فقال: «وإِنْ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمار: اركبها «وإن» كانت الناقة بدنة، أي: هَدْيًا، و"إن" غائية، لا جواب لها، ومدخولها محذوف كما قدرنا، أو شرطية جوابها معلوم مما قبلها، والله أعلم. الكوكب الوهاج (14/ 378).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فقال: وإنْ» هكذا هو في جميع النسخ «وإنْ» فقط، أي: وإنْ كانت بدنة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (9/ 75).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«فقال: ارْكَبْهَا وإنْ» أي: وإنْ كانت بَدَنَةً، وقدْ جاء مثلُ هذا الحذْفِ في الكلام كثيرًا. النهاية (1/ 78).
قوله: «قال في الثالثة أو في الرابعة: «ارْكَبْهَا ويْلَكَ، أو ويْحَكَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال» -عليه الصلاة والسلام- «في الثالثة أو الرابعة» ولأبي ذر: «أو في الرابعة»: «اركبها ويلك» كلمة عذاب «أو» قال: «ويحك» كلمة رحمة، أو هما بمعنىً واحدٍ، والشك في الموضعين من الراوي. إرشاد الساري (5/ 15).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويلكَ: هذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة، فقيل: لأنه كان محتاجًا قد وقع في تعب وجهد، وقيل: هي كلمة تجري على اللسان، وتُستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولًا، بل تدعم بها العرب كلامها، كقولهم: لا أم له، لا أب له، تربت يداه، قاتله الله ما أشجعه! وعَقْرَى حَلْقى، وما أشبه ذلك. شرح صحيح مسلم (9/ 74).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «اركبها ويلك» تأديبٌ له؛ لأجل مراجعته، وقول الرجل: «إنها بدنة» وقد كان حالها غير خافٍ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنها كانت مقلَّدة، ويحتمل أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- فهم عن الرجل: أنه لا يرى ركوبها بحال على عادة الجاهلية في البحيرة والسائبة والوصيلة، فزجره عن ذلك، وقيل: إنما قال له ذلك لأن هذا الرجل قد كان جَهِدَ من المشي، ووصل إلى حد الهلكة.
والويل: الهلكة. فقوله: «ويلك» أي: أشرفت على الهلاك؛ لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشدَّة، وقيل: إنَّ هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها، كقولهم: لا أمَّ له، ولا أب، وتربت يمينك، ومن ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ويل أمه مِسعَرُ حرب». المفهم (3/ 423).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل في قوله: «ويلك، اركبها» تأديب مَن راجَعَ العالِم في فتواه بغليظ الكلام، وعلى رواية تقديم «ويلك» لا يتفق هذا، وهو لفظ يُستعمل لمن وقع في هلكةٍ، وهذا يدل على ما جاء في الحديث أنه رآه قد جَهِدَ، وقد يُستعمل ولا يراد بها هذا...، وقد قيل: إن «ويلك» هنا قد تكون إغراء بما أمره به من ركوبها؛ إذ رآه قد تحرَّج منه. إكمال المعلم (4/ 411).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
قول: «ويلك» مخرَّجه مخرج الدعاء عليه؛ إذ أبى من ركوبها في أول مرة؛ وقد كان -عليه السلام- عَلِمَ أنها بدنة، فكأنه قال: الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا تعرف وأعرف.
وكان الأصمعي يقول: "ويل" كلمة عذاب، و"ويح" كلمة رحمة، وقال سيبويه: ويح: زجر لمن أشرف على هلكة، و"ويل" لمن وقع فيها، وقيل: الويل: الحزن، وقيل: المشقة من العذاب، وقال الفراء: الأصل في الويل: وي: حزن، فوصلتها العرب باللام، وقدروها منه، فأعربوها، وقال الخليل: وي: كلمة تعجب. الاقتضاب (1/ 423-424).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«ويلك اركبها» قد أشرنا أنَّ الويل هو الهلاك، أو وادٍ في جهنم، وليس بمرادٍ، بل العتاب؛ وذلك أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له مرارًا: «اركبها» وهو يرد عليه بأنها بدنة، فالمراد التعجب من جهله. الكوثر الجاري (9/ 503).
وقال ابن الملقن رحمه الله-:
قوله: «اركبْها، ويلكَ، في الثانية أو الثالثة» يحتمل أنْ يريد في «الثانية» من قوله: «اركبها» ابتداءً، فيقول له ذلك زجرًا عن مراجعته عن أمر قد كان له في التعليق بما أمره به، وحمله على عمومه في الأحوال سعة، ويحتمل أنْ يريد «الثانية» من جوابه له عن قوله: «إنَّها بَدَنَةٌ» فيكون في ذلك زجر عن تكرير سؤاله عن أمر قد بيَّنه، ولم يقيد أمره بركوبها بحال الإعياء دون حال الإراحة، ولا قال له: فإذا استطعت المشي فانزل، فاقتضى ذلك استدامة ركوبها، وإنْ زال تعبه. التوضيح (12/ 31).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «ويلك» كلمة تُستعمل في التغليظ على المخاطب، وأصلها لمن وقع في هلكة وهو يستحقها، فهي كلمة عذاب..
فإنْ قلتَ: هذا الأمر إنما هو للإباحة عند الجمهور، فكيف استحق الذم بترك المباح الذي لا حرج فيه؟
قلتُ: لما فهم منه من توقفه في الإباحة حيث صار يعارض أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالركوب بقوله: «إنها بدنة» يشير بذلك إلى أنه لا يباح ركوبها؛ لكونها هديًا.
فإنْ قلتَ: معارضته النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإباحة شديدة تؤدي إلى الكفر، فكيف مَخْلَص هذا الرجل منها؟
قلتُ: ما عارض عنادًا، بل ظن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلم أنها هدي، فلما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وقال له: اركبها وإنْ كانت بدنة، بادَرَ لامتثال أمره، وركب، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «فلقد رأيته راكبها يساير النبي -صلى الله عليه وسلم-، والنعل في عنقها» رواه البخاري من رواية عكرمة عن أبي هريرة.
فإنْ قلتَ: في الرواية الأولى أنه -عليه الصلاة والسلام- بدأه بقوله: «ويلك» ثم قاله له في المرة الثانية والثالثة، وفي الرواية الثانية أنه قال له ذلك في الثانية أو الثالثة، فكيف الجمع بينهما؟
قلتُ: يحتمل أنه قال له ذلك في الأولى لأمر دنيوي، وهو ما حصل له من الجهد والمشقة بالمشي، وقال له ذلك في الثانية أو الثالثة لأمر ديني، وهو مراجعته له، وتأخر امتثال أمره.
الوجه الثاني: أنه لم يرد بهذه اللفظة موضوعها الأصلي، بل هي مما يجري على لسان العرب في المخاطبة من غير قصد لمدلوله، كما قيل في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «تربت يداك»، «أفلح وأبيه»، «عقرى حَلْقَى» وكما تقول العرب: لا أم له، لا أب له، قاتله الله ما أشجعه! ونظائر ذلك معروفة، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 148-149).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قد دل الحديث: على جواز ركوب البدنة من الهدي.
وفي أيضًا دليل على أنَّ الأعرابي لما أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالركوب فقال: «إنها بدنة، فقال له: اركبها» وقوله: «وإنْ» يعني: وإنْ كانت بدنة، فإنه قد كان له أن يركبها في وقته، فلما راجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثانية وثالثة أغلظ له، بأن قال: «ويلك، أو ويحك» في جواب جهله، وعلى هذا فإنه إذا كان المخاطب بليدًا، ولا يفهم إلا بالزجر، والقول الخشن، فإنه يُستعمل معه مثل هذا. الإفصاح (5/ 251).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فقال: اركبها» فيه: جواز ركوب الهدي، وهو محمول عند الشافعي على الحاجة. تحفة الباري (4/ 171).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
أحاديث الباب تدلُّ على جواز ركوب الهدي من غير فرقٍ بين ما كان منه واجبًا أو تطوعًا؛ لتركه -صلى الله عليه وسلم- للاستفصال. نيل الأوطار (5/ 122).
وقال النووي -رحمه الله-:
في مذاهب العلماء في ركوب الهدي المنذور: ذكرنا أنَّ مذهبنا جوازه للمحتاج دون غيره على ظاهر النص، وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن مالك، وقال عروة بن الزبير ومالك وأحمد وإسحاق: له ركوبه من غير حاجة، بحيث لا يضره، وبه قال أهل الظاهر، وقال أبو حنيفة: لا يركبه إلا إنْ لم يجد منه بدًا. المجموع (8/ 368).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع، فذهب أهل الظاهر إلى أنَّ ذلك جائز من غير ضرورة، وبه قال أحمد وإسحاق، وبعضهم أوجب ذلك، واحتج بحديثي الباب (أي: حديث أبي هريرة وحديث أنس الذي فيهما «اركبها ثلاثًا» و«اركبها ويلك»).
وكره مالك وأبو حنيفة والشافعي وأكثر الفقهاء -فيما حكاه صاحب الاستذكار- ركوبها من غير ضرورة، وكرهوا شرب لبن الناقة بعد ريِّ فصيلها، وقال أبو حنيفة والشافعي: إنْ نقصها الركوب والشُّرْب فعليه قيمة ذلك، واحتجوا: أنَّ ما أُخرِج لله فغير جائز الرجوع في شيء منه، والانتفاع به إلا عند الضرورة. التوضيح(12/ 28-29).
وقال العيني -رحمه الله-:
قد اختلفوا في هذا (ركوب الهدي) على أقوال:
الأول: الجواز مطلقًا، وبه قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق، وبه قالت الظاهرية، وهو الذي جزم به النووي في الروضة؛ تبعًا لأصله (أي: الرافعي في شرح الوجيز) في الضحايا، ونقله (النووي) في شرح المهذب عن القفال الماوردي.
الثاني: ما قاله النووي، ونقل فيه (أي: شرح المذهب) عن أبي حامد (الإسفراييني) والبندنيجي وغيرهما تقييده بالحاجة، وقال الروياني: تجويزه بغير الحاجة مخالفة النص، وهو الذي نقله الترمذي عن الشافعي، حيث قال: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهذا هو المنقول عن جماعة من التابعين: أنها لا تركب إلا عند الاضطرار إلى ذلك، وهو المنقول عن الشعبي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فلذلك قيده صاحب الهداية (المرغيناني الحنفي) من أصحابنا بالاضطرار إلى ذلك.
الثالث: ما ذكره ابن عبد البر من كراهة الركوب من غير حاجة، ونقله عن الشافعي ومالك.
الرابع: ما قاله ابن العربي: يُركب للضرورة فإذا استراح نزل، يدل عليه ما رواه مسلم من حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- أنه سُئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئتَ إليها حتى تجد ظهرًا»؛ فإنَّ مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها، وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي، قال: «يركبها إذا أعيي قدر ما يستريح على ظهرها».
الخامس: المنع مطلقًا، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة، وشَنَّعَ عليه بغير وجه، قال بعضهم: لأنَّ مذهبه هو الذي ذكره الطحاوي وغيره: الجواز بغير الحاجة، إلا أنه قال: إنْ وقع ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه، وقيل: ضمان النقص وافق عليه الشافعية في الهدي الواجب كالنذر.
قلتُ: الذي نقله الطحاوي وغيره: أنَّ مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب الهداية (المرغيناني) وقد ذكرناه (أنَّ ذلك مقيدٌ بالاضطرار).
السادس: وجوب الركوب، نقله ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر؛ ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة...
واختلف المجيزون: هل يَحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك -رضي الله تعالى عنه- وأجازه الجمهور، وكذا إنْ حمل عليها غيره أجازه الجمهور على التفصيل المذكور. عمدة القاري (10/ 29-30).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
القول الراجح عندي هو: أنه إنْ دعته ضرورة لركوب الهدي جاز وإلا فلا؛ وذلك لأنَّ حديث جابر عند مسلم (أي: حديث: «ارْكَبْهَا بالمعروفِ، إذا أُلْجِئْتَ إليها، حتَّى تَجِدَ ظَهْرًا») صريح في أنَّ ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا احتاج إليه، واضطر لذلك، فإنْ زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي.
فالقيد الذي في حديث جابر يُقيَّد به حديث أبي هريرة، وما في معناه (كحديث أنس هذا) الخالي عن القيد؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير العلماء، لا سيما إنْ اتحد الحكم والسبب كما هنا. مرعاة المفاتيح (9/ 215).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث (أي: حديث أبي هريرة): تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك، وتوبيخه.
وجواز مسايرة الكبار في السفر.
وأنَّ الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها.
واستنبط منه المصنف (البخاري) جواز انتفاع الواقف بوقفه، وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، أما الخاصة فالوقف على النفس لا يصح عند الشافعية، ومن وافقهم. فتح الباري (3/ 538).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)