السبت 27 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-10

A a

«أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مرَّ عليه حمارٌ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: لعنَ اللهُ الذي ‌وَسَمَهُ».


رواه مسلم برقم: (2117)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له برقم: (2116)، من حديث جابر: «نَهَى رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عنِ الضَّرْبِ في الوجهِ، وعنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«وُسِمَ»:
الوسم: الكيُّ بالنار، وأصله: العلامة، يقال: وَسَمَ الشيء يَسِمُهُ: إذا أعلمه بعلامة يُعرف بها، ومنه: السيماء: العلامة، ومنه قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} الفتح : 29. المفهم، للقرطبي(5/ 437- 438).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
تقول: بَعْيرٌ موسومٌ، أي: قد وُسم بِسِمَةٍ يُعْرَف بها، إما كيَّةً، أو قطع في أذنه، أو قرمة تكون علامة له. تهذيب اللغة(13/ 77).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مرَّ عليه حمارٌ قد وُسِمَ في وجهِهِ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مر عليه حمار قد وسم» بصيغة المجهول «في وجهه». دليل الفالحين (8/ 446).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ» بالبناء للفاعل، «عليه» -صلى الله عليه وسلم- «حمار» مرفوع على الفاعلية لـ«مر»، وقوله: «قد وسم في وجهه» ببناء الفعل للمفعول، جملة في محل رفع نعت لـ«حمار». البحر المحيط الثجاج (35/ 171).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر عليه حمار» أي: مر به «وقد وسم في وجهه» أي: وسمًا فاحشًا، والجملة حالية. مرقاة المفاتيح (6/ 2650).
وقال النووي رحمه الله-:
قال الشافعي في المختصر والأصحاب: يستحب أن تكون سمة الغنم ألطف من سمة البقر، قال أصحابنا: وسمة البقر ألطف من سمة الإبل، ودليله ظاهر.
قال أصحابنا: الوسم مباح في الحيوانات التي ليست للصدقة ولا للجزية، ولا يقال: مندوب ولا مكروه.
وأما حيوانهما (حيوان الصدقة والجزية) فيستحب وسمه كما سبق، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من رواية ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يكوي في الجاعرتين، وهما أصل الفخذين، ولفظ رواية مسلم يوهم أن الذي كان يكوي في الجاعرتين هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما هو العباس بن عبد المطلب، أو أنه ابن عباس كما أوضحته في شرح مسلم. المجموع (6/ 177).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وقد وُسِمَ في وجهه» اعلم أنَّ الوسم في الوجه منهي بالإجماع، سواء كان في الآدمي أو في الحيوانات، وأما في غير الوجه فيستحب في نَعَمِ الزكاة والجزية، وجائز في غيرها، والمقصود منه التمييز، وأما في الآدمي فقد جاءت الأخبار والآثار فيه مختلفة، أما قولًا فبعضها يدل على عدم كونه محبوبًا، وبعضها يدل على المدح على تركه، وبعضها يدل على النهي عنه، وأما فعلًا فقد دل على جوازه أنه روي عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أرسل طبيبًا إلى أُبي بن كعب ففصده ثم كواه، ولَمَّا جُرح سعد بن معاذ في أكحله أذن له في الكيِّ، فلما تورم كواه مرة أخرى، وكذلك كوى جابرًا وأسعد بن زرارة، قالوا: فالنهي محمول على أن يكون على سبيل الاختيار من غير ضرورة واحتياج إليه، وإن كان لحدوث مرض أو بُرء عنه جاز وإلا فلا، كذا ذكر الشيخ مجد الدين (الفيروز أبادي) في كتاب سفر السعادة.
وقالوا: إن الكيَّ من الأسباب الوهمية التي مباشرتها قادح في التوكل بخلاف العلاج بأدوية أخرى، فإنها ظنية، وإن حصل الظن الغالب هنا أيضًا جاز، والمختار أنه مكروه كراهة تحريم إلا عند حصول الظن الغالب بقول طبيب حاذق: إنه ينحصر العلاج فيه. لمعات التنقيح (7/ 163- 164).

فقال: «لعنَ اللهُ الذي وَسَمَهُ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌لعن ‌الله ‌الذي ‌وسمه» يحتمل أن يكون الواسم كافرًا، وأن يكون للتغليط، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا»...، واللعن يقتضي التحريم، وأما غير الوجه فمستحب في نَعَمِ الزكاة والجزية وجائز في غيرها، وإذا وَسَمَ فمستحب أن يسم الغنم في آذانها، والإبل والبقر في أصول أفخاذها، وفائدة الوسم التمييز. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2808).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ويحتمل ألا يكون دعاء، بل إخبار عن الغيب، واستحق ذلك؛ لأنه علم بالنهي فأقدم عليه مستهينًا به، مع كونه منزوع الرحمة، وقد صح: «الراحمون يرحمهم الرحمن». مرقاة المفاتيح (6/ 2650).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال عبد الوهاب (ابن نصر المالكي): تكره السّمة في الوجه، ولا تكره في غيره؛ لأنه -عليه الصلاة والسّلام- نهى عن السّمة في الوجه، وأرخص فيها في الأذن، قال: ويجوز في غيره؛ لأنَّ بالنّاس حاجة إلى علامات يعرفون بها بهائمهم. المعلم (3/ 138).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- مُعلقًا:
وما ذكره مسلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وسم غنمًا، وذكر في آذانها، يدل على ما ذَكَرَ (أي: القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي) وعلى جواز الوسم بالقطع والشق؛ لأنه الذي يمكن في الأذن. إكمال المعلم (6/ 645).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قوله (أي: عياض): يوهم أنه من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس هو بظاهر فيه، بل ظاهره أنه من كلام ابن عباس، وحينئذٍ يجوز أن تكون القضية جرت للعباس ولابنه...، وأما الوسم في الوجه فمنهي عنه بالإجماع للحديث؛ ولما ذكرناه، فأما الآدمي فوسْمُه حرام لكرامته؛ ولأنه لا حاجة إليه، فلا يجوز تعذيبه، وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا: يكره، وقال البغوي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه، وهو الأظهر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن فاعله، واللعن يقتضي التحريم، وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف عندنا، لكن يستحب في نَعَمِ الزكاة والجزية، ولا يستحب في غيرها، ولا ينهى عنه. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 97).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه يدل على احترام هذا العضو، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة؛ وذلك لأنه الأصل في خلقة الإنسان، وغيره من الأعضاء خادم له؛ لأنه ‌الجامع ‌للحواس التي تحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة؛ ولأنه أول الأعضاء في الشخوص والمقابلة والتحدث والقصد؛ ولأنه مدخل الروح ومخرجه؛ ولأنه مقر الجمال والحسن؛ ولأن به قوام الحيوان كله: ناطقه وغير ناطقه؛ ولما كان بهذه المثابة احترمه الشرع، ونهى أن يتعرض له بإهانة، ولا تقبيح، ولا تشويه، وقد مر النبي -صلى الله عليه وسلم- برجل يضرب عبده فقال: «اتق الوجه؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته» أي: على صورة المضروب، ومعنى ذلك -والله أعلم-: أن المضروب من ولد آدم، ووجهه كوجهه في أصل الخلقة، ووجه آدم -عليه السلام- مكرَّم مشرَّف؛ إذ قد شرفه الله تعالى بأن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأقبل عليه بكلامه، وأسجد له ملائكته، وإذا كان هذا الوجه يشبه ذلك الوجه فينبغي أن يحترم كاحترامه.
ولما سمع ذلك الصحابي النهي عن الوسم، وفهم ذلك المعنى قال: والله لا أسمه؛ مبالغة في الامتثال والاحترام. المفهم (5/ 437).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلفت عبارات أصحابنا في كيفية النهي عن الوسم في الوجه، فقال البغوي: لا يجوز الوسم، وقال صاحب العدة (الطبري): الوسم على الوجه منهي عنه بالاتفاق، وهو من أفعال الجاهلية، وقال الرافعي: يُكره، والمختار التحريم، كما أشار إليه البغوي، وهو مقتضى اللعن، وقد ثبت اللعن في الحديث، كما ذكرناه، والله أعلم. المجموع (6/ 176- 177).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
اعلم أنَّ لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، ولعن الله الفاسقين، لعن الله المصورين، ونحو ذلك...
وأما لعن الإنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي، أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ أو مصور، أو سارق، أو آكل ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام.
وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حق مَن علمنا أنه مات على الكفر، كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يتم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: وأما الذين لعنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأعيانهم: فيجوز أنه -صلى الله عليه وسلم- علم موتهم على الكفر. قال: ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر، حتى الدعاء على الظالم، كقول الإنسان: لا أصح الله جسمه، ولا سلمه الله، وما جرى مجراه، وكل ذلك مذموم.
وكذلك لعن جميع الحيوانات والجمادات، فكله مذموم. الأذكار (ص: 353- 354).
وقال الدميري -رحمه الله-:
«لعن الله الذي وسمه» واللعن يقتضي التحريم، ودل ذلك على أنه يجوز لعن أصحاب المعاصي من غير تعيين؛ ففي الصحيحين أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» و«آكل الربا» و«المصورين»... كما يجوز وسم الحيوان للحاجة -وهو تعذيب-، يجوز أن يُخصى ما يؤكل لحمه في الصغر؛ لأنه يؤثر في طيب اللحم، ولا يجوز في الكبر، وما لا يؤكل لحمه، ومنع ابن المنذر ذلك في الكبير والصغير مطلقًا؛ لأن فيه تعذيبًا للحيوان. النجم الوهاج (6/ 475 476).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وسم الإبل أو غيرها من البهائم على وجهها حرام بل من كبائر الذنوب -والعياذ بالله-، فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه».
وفيه أيضًا «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر عليه حمار قد وُسم في وجهه، فقال: ‌لعن ‌الله ‌الذي ‌وسمه»، فعلى من فعل ذلك أن يتوب إلى الله تعالى ولا يعود، وإذا كان هذا وسم قبيلته فلينقل الوسم إلى الورك، أو الرقبة، أو نحو ذلك. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (18/ 224).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: تحريم وسم الوجه، وضرب الوجه من البهائم والآدميين. تطريز رياض الصالحين (ص: 899).

وللفائدة ينظر:

فتوى اللجنة الدائمة في حكم وسم الإبل في الوجه لأجل تمييزها عن إبل الغير.


إبلاغ عن خطأ