الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«استقيمُوا، ولن تُحصُوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصَّلاةَ، ولا يحافظُ على الوُضوءِ إلا مؤمنٌ».


رواه أحمد برقم: (22378) وابن ماجه برقم: (277)، من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
وفي رواية لابن حبان برقم: (1037) بلفظ: «سدِّدوا ‌وقارِبوا...» من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
ورواه ابن ماجه برقم: (278)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
ورواه ابن ماجه برقم: (279) من حديث أبي أُمامةَ بلفظ: «اسْتَقِيمُوا، ونِعِمَّا إنِ اسْتَقَمْتُمْ...».
حديث ثوبان في:
صحيح الجامع برقم: (952)، صحيح الترغيب والترغيب برقم: (197).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ولن تُحصُوا»:
أي: ولن تطيقوا أنْ تستقيموا حق الاستقامة. مرقاة المفاتيح، للقاري (1/ 84).
والإحصاء يكون عدًّا، ويكون إطاقةً، ومنه الحديث: «استقيموا ولن تُحصُوا» أي: لن تُطيقوا الإحصاء، ويكون معرفةً. الغريبين، للهروي (2/ 456 - 457).
قال الراغب -رحمه الله-:
الإحصاء: التَّحصيل بالعدد، يقال: قد أحصيتُ كذا؛ وذلك من لفظ الحصا، واستعمالُ ذلك فيه؛ من حيثُ إنهم كانوا يعتمدونه بالعدِّ كاعتمادنا فيه على الأصابع. المفردات (ص: 240).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
«ولن تُحصُوا» الإحصاء هنا بمعنى القُدرة والطاقة، كقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} المزمل: 20، وقوله: «من أحصاها دخل الجنة» وحقيقة الإحصاء: إحاطةُ العلم بالشيء، حتى لا يشذّ عنه منه شيءٌ؛ وذلك مما يشقُّ ويتعذَّرُ في أكثر الأمور، فضربَ مثلًا في عدم الطاقة والعجز عن الشَّيء. الاقتضاب (1/ 62).

«سدِّدوا»:
أي: اقصدوا السَّداد، وهو الصواب. الغريبين، للهروي (5/ 1520).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
السَّداد: الاستقامة، ولزوم الصَّواب. كشف المشكل (3/ 110).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
«سدِّدوا» أي: اقصدوا السَّداد، واعملوا به في الأمور، وهو القصد فيها دون التَّفريط، ودون الغلو، والسَّدادُ والسَّددُ: القصدُ. مطالع الأنوار (5/ 470).

«وقارِبوا»:
أي: اقتصدوا في الأمورِ كلِّها، واتركوا الغلوَّ فيها والتقصير، يقال: قارب فلانٌ في أموره إذا اقتصدَ. النهاية، لابن الأثير (4/ 33).
قال الهروي -رحمه الله-:
يُقال: قارب فلانٌ فلانًا إذا ناغاه بكلامٍ حسنٍ، والمقاربة: القصدُ في الأمورِ الذي لا غلو فيه، ولا تقصير، وقيل: «قارِبوا» أي: لا تغلوا. الغريبين (5/ 1520).
وقال الحميدي -رحمه الله-:
المقاربة: القصدُ الذي لا غلوَّ فيه ولا تقصيرٌ، وهو القريب من الطَّاعة الذي لا مشقَّةَ فيه، ومنه قوله: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} التوبة: 42، غير شاقٍّ. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص: 313).


شرح الحديث


قوله «استَقيمُوا»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله: «استقيموا» أي: لا تزيغُوا وتميلُوا عمَّا سُنَّ لكم، وفُرضَ عليكم، فقد تُركتم على الواضِحة، ليلُها كنهارها. التمهيد (16/ 258.
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «استقيموا» أي: الزموا الطريقَ المستقيمَ في الدين، والإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن جميع المناهي. المفاتيح (1/ 354).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«استقيموا» أي: اسلكُوا طريق الاستقامة، وهي كِنايةٌ عن التَّمسك بأمر الله تعالى فعلًا وتركًا. فتح الباري (13/ 257).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الاستقامة: هي سلوكُ الصراط المستقيم، وهو الدين القيِّم من غير تعريج عنه يمنةً ولا يسرةً، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظَّاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلِّها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعةً لخصال الدين كلها. جامع العلوم والحكم (ص:472 - 476).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
المراد بالاستقامة: اتباع الحق، والقيام بالعدل، وملازمة المنهج المستقيم؛ وذلك خَطبٌ عظيمٌ لا يتصدّى لإحصائه إلا من استضاء قلبُه بالأنوار القُدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسيَّة، وأيَّده الله من عنده، وأسلمَ شيطَانهُ بيده، وقليلٌ ما هم. تحفة الأبرار (1/ 171).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أمر بالاستقامة وهي السَّداد والإصابة في النيَّات والأقوال والأعمال...، فالاستقامة كلمةُ جامعةٌ، آخذةٌ مجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنِّيات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله...، وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله تعالى روحه- يقول: أعظمُ الكرامة لزومُ الاستقامة. مدارج السالكين (2/ 370 - 371).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وهي (الاستقامة) لغة: ضد الاعوجاج، أي: الاستواء في جهة الانتصاب، وتنقسم إلى استقامة العمل: وهو الاقتصاد في غير مُتعدٍّ من منهج السُّنة، ولا مُتجاوز عن حدِّ الإخلاص إلى الرياء والسمعة، أو رجاء العِوضِ أو طلب الغرضِ، واستقامة القلب: وهي الثبات على الصَّواب، وعند المحققين: هي استواء القصد في السير إلى الله، وثبات القُوى على حدودها بالأمر والنهي. مرقاة المفاتيح (1/ 84).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «استقيموا» للوجوب، فإنَّ الاستقامة واجبة، وضدها الغي.
فإن قيل: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولن تحصوا» أي: لن تطيقوا، يمنع الوجوب، فإنَّه كيف يأمر ويوجب ما لم يطيقوا؟ قلنا: المراد به لن تطيقوا الكمال، ولن تستطيعوه حق الاستطاعة. الأزهار مخطوط لوح (89).

قوله: «ولن تُحصُوا»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «ولن تُحصُوا» فيه للعلماء أربعةُ تأويلات:
التأويل الأول: أن قوله: «لن تُحصُوا» يريد ما لَكُم من الثَّواب على إكراه الأعمال.
الثاني: قال عيسى بن دينار: لن تنجوا من الخطايا.
الثالث: قال ابن حبيب: «لن تُحصو» لن تُطيقوا أن تفعلوا كلَّ ما أمرتكم به، ومن ذلك قول الله -عز وجل-: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} الآية المزمل: 20.
الرابع: قال القاضي أبو بكر ابن العربي -رضي الله عنه-: معناه: لن تطيقوا أن تستقيموا، فسّره الحديث الثاني قوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» والله أعلم. المسالك (2/ 127 - 128).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ولن تطيقوا توفيةَ حقِّه؛ لأن الإصابة فيه شديد، وفي أمره غموض ودقَّة، فإن قيل: كيف يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يخبر عنه أنَّهم لا يطيقونه؟
فالجواب: أنه -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بالمُستطاع منه، فإن الله تعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: 286. الميسر (1/ 124).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ولكن لا تُطيقون أن تستقيموا حقَّ الاستقامة؛ لأنها شديدة، وإنما قال: «ولن تُحصُوا» ليعترفوا بالتقصير، ولا يغتروا بما يفعلون من الطاعات، ويتركون من المعاصي؛ لأن ما يفعلون من الطاعات، ويتركون من المعاصي قليلٌ بالنِّسبة إلى ما هو حقُّ الاستقامة، فإن الاستقامة أن تطيعوا الله، ولا تعصوه أصلًا، ومن يطيقُ هذا؟. المفاتيح (1/ 355).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
بَيَّن بقوله: «ولن تُحصُوا» أي: لن تُطيقوا أنْ تستقيموا حقَّ الاستقامة؛ لأن ذلك خطبٌ عظيمٌ، وتوفِية حقّها على الدّوامِ عسر، وكأنَّ القصد فيه التنبيه للمكلفين على رؤية التقصير من أنفسهم، وتحريضهم على الجدِّ؛ لكيلا يتَّكلوا على ما يأتون به، ولا يغفُلون عنه، ولا ييأسوا من رحمته فيما يذرون عجزًا لا تقصيرًا، وقيل: لن تُحصُوا أي ثوابها مِن الإحصاء وهو العدّ...، وقيل: المعنى لن تُطيقوا، ولكن ابذلوا جهدكم في طاعة الله بقدر ما تطيقون، وهو اعتراضٌ بين المتعاطفَين؛ للرد على من يتوهم أنه ببذل جهده يصل إلى غايتها. مرقاة المفاتيح (1/ 352).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
ثم قد يقال: الحكمة في عدم الإطاقة على دوام الإطاعة، أن تُراب الإنسان عُجن بماء النِّسيان الناشئ عنه العصيان؛ ولذا قال -عليه الصَّلاة والسلام-: «كلكم خطّاؤون، وخيرُ الخطائين التَّوابون» فجنس الإنسان كنوع النِّسوان التي خُلقنَ من الضِّلَع الأعوج، فلا يُتصور منهن الاستقامة على صفة الإدامة، وكلٌّ ميسَّر لما خُلق له، ولا يزول طبعٌ عما جُبل عليه. مرقاة المفاتيح (1/ 84).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«استقيموا ولن تُحصُوا» ويمكن أن يقال: معناه: ولن تعدُّوا استقامتكم شيئًا معتدًّا به؛ لأن المدار على فضل الله تعالى. مرقاة المفاتيح (4/ 1377).

قوله: «واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكُم الصَّلاةَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«واعلموا» الأمر بهذه الصيغة لا يأتي إلا إذا كان بعده أمرٌ عظيمٌ له شأن يُستدعى به طلبَ الإصغاء من المُخاطَب، كما جاء في القرآن {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} محمد: 19، ونحوها، وقد وقع هنا بعده قوله: «أنَّ خير أعمالكم الصَّلاة» وهو عام لفرضها ونفلها والآتي بها في أول الوقت وفي غيره. التنوير (2/ 334).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«خير أعمالكم» أي: أفضلها وأتمُّها دلالةً على الاستقامة «الصَّلاة» أي: المكتوبة أو جنسها، والأحاديث في خير الأعمال جاءت متعارضة صورةً، فينبغي التوفيق بحمل «خير أعمالكم» على معنى «مِن خير أعمالكم» كما يدل عليه حديث ابن عمرو عند ابن ماجه. مرعاة المفاتيح (2/ 13).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وخير أعمالكم» وأفضلها بعد الإيمان «الصَّلاة» المفروضة؛ لأنها أولُ أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولاجتماع أنواع العبادات فيها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 55).
وقال ابن رشد -رحمه الله-:
فالصَّلاة من أفضل أعمال البر، فرائضها أفضل من سائر الفرائض، ونوافلها أفضل من سائر النوافل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «استقيموا ولن تُحصُوا واعملوا أنَّ خير أعمالكم الصَّلاة» يريد بعد الإيمان بالله تعالى. المقدمات الممهدات (1/ 168).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
ثم نبَّههم -صلوات الله عليه- على ما تيسّر لهم من ذلك، ولا يشق عليهم بقوله: «واعلموا» أي: إن لم تطيقوا ما أمرتم به من الاستقامة، فحقّ عليكم أن تلزموا بعضها، وهي الصَّلاة التي هي جامعة لكلِّ عبادة من القراءة والتسبيح والتهليل والتكبير والإمساك عن كلام الغير والمفطرات، وهي معراج المؤمن، ومقربته إلى جناب الحضرة الأقدس، فالزموها وأقيموا حدودها، لا سيَّما مقدمتها التي هي شطر الإيمان، فحافظوا عليها، فإنه لا يحافظ عليها إلا كل مؤمن تقيّ، وأيضًا في ذكر الصَّلاة إشارة إلى تطهيرِ الباطنِ {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت : 45، وفي الوُضوء إلى تطهير الظاهرِ، وإليه ينظر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة : 222؛ ومن ثمَّة خيَّرها على سائر الأعمال؛ لأن محبة الله مُنتهى سؤال العارفين. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 751).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصَّلاة» قال العلماء في كتب الفقه: أفضلُ عبادات البَدَن الصَّلاة أي: بعد الشهادتين لاشتمالها على النُّطق وعمل واعتقاد، وسمَّى الله تعالى الصَّلاة إيمانًا، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} البقرة : 143، أي: صلاتكم إلى البيت المقدس؛ ولأنها تجمع من القُرَبِ ما تفرَّق في غيرها مِن ذكر الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن والتسبيح واللبث والاستقبال والطَّهارة والسَّتارة وترك الأكل والكلام وغير ذلك، مع اختصاصها بالركوع والسجود وغيرهما، واحترز بالبدن عن عبادة القلب وهي الإيمان؛ فإنه أفضل العبادات، وقيل: احترز أيضًا من العبادة المالية؛ فإنها أفضل من الصَّلاة لتعدِّى نفعها، وصرح القاضي حسين (المرورّوزي الشافعي) بأن الحج أفضل؛ لأنه عبادة مال وبدن وغير ذلك، والصحيح أن أفضل عبادات البدن الصَّلاة. فتح القريب المجيب (3/ 256 - 257).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واعلموا أن خير أعمالكم الصَّلاة» أي: أفضلها وأتمُّها دلالةً على الاستقامة الصَّلاة، أي: المكتوبة أو جنسها؛ لأن فيها من كل عبادة شيئًا، كالقراءة والتسبيح والتكبير وترك الأكل والشرب وغير ذلك فهي أم العبادات وناهية للسيئات. مرقاة المفاتيح (1/ 352).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في أنَّ الصلاة أفضل أو الصوم؟ قال بعضهم: الصوم؛ لقول الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» وقال بعضهم: الصلاة أفضل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة» وهذا أصح، وقال بعضهم: الصلاة بمكة أفضل، والصيام بالمدينة أفضل؛ رعاية لموضع نزولهما. الأزهار مخطوط لوح (89).

قوله: «ولا يحافظُ على الوُضوءِ إلا مؤمنٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ولن» وفي رواية «ولا» «يحافظ على الوُضوء» بإسباغه وإدامته واستيفاء سننه وآدابه «إلا مؤمن» كامل الإيمان. فيض القدير (1/ 497).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولا يحافظ» أي: ولا يقدر على المحافظة والمواظبة «على الوُضوء» في جميع أوقاته «إلا مؤمنٌ» أي: إلا كاملُ الإيمان؛ لأنه ينور الظاهر، ونور الظَّاهر يدل على نور الباطن؛ ولأنه شرطٌ لصحة الصَّلاة التي هي أفضل الأعمال البدنية. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 48 - 55).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«على الوُضوء» حقيقةً أو حُكمًا؛ ليشمل حالة النوم «إلا مؤمن» المراد الجنس، والتنوين للتعظيم، أي: لا يداوم عليه إلا مؤمنٌ كاملٌ في إيمانه، دائم الشهود بقلبه وبدنه في حضرة ربه. مرقاة المفاتيح (1/ 352).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «ولا يحافظ على الوُضوء إلا مؤمن» أراد به لا يحافظ على وضوئه، ولا يصبرُ عليه إلا مؤمنٌ كامل الإيمان؛ لثقله عليه في البَرْد، وفي حين الشغل، والله أعلم. المسالك (2/ 128).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «ولا يحافظ على الوُضوء إلا مؤمن» «لا يحافظ» أي: لا يداوم، يعني: المنافق لا يداوم على الوُضوء، بل يتوضَّأ إذا رآه أحدٌ، ولا يتوضأ إذا لم يره أحد، وكذا الكفَّار لا يتوضؤون. المفاتيح (1/ 355).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الوُضوء سرٌّ بين العبد وبين الله -عز وجل-، وقد ينتقض وضوؤه ولا يدري به أحدٌ، فإذا حافظ عليه، لم يحافظ عليه إلا لله سبحانه، ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمنًا، والإخلاص في النفع المتعدِّي أقلُّ منه في العبادات البدنيَّة؛ ولهذا قال في الحديث المتفق على صحته: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» الحديث. مجموع الفتاوى (18/ 261).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-:«ولا يحافظُ على الوُضوء إلا مؤمن» يتوجَّه للمحافظة على الوُضوء معانٍ:
أحدها: مراقبة الوُضوء حتى لا يقع فيه إهمال، كما قال في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} البقرة : 238.
والثاني: إدامتُه.
والثالث: إسباغُه والاعتناء بآدابه، وقال -عليه السلام-: «الطُّهور شطر الإيمان» أي: شطر الصَّلاة، وقيل: إنما كان شطرَه؛ لأن الإيمان يُطهِّر نجاسة الباطن، والطّهور يطهِّر نجاسة الظاهر...، يستحب المحافظة على الدوام على الطهارة، وعلى المبيت على الطهارة، وعلى الوُضوء المسنون، وعلى تجديد الوُضوء. فتح القريب المجيب (2/ 411 - 417).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولن يحافظ على الوُضوء إلا مؤمن»... يحتملُ أن يُراد بالمحافظة: البقاء على الوُضوء في دائم أحواله أو غالبها. التنوير (2/ 337).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«ولا يحافظ على الوُضوء إلا مؤمن» وإنما خصَّ الوُضوء لأنه خفيٌّ يقل مشاهدة فاعله، فلا يداوم عليه إلا مَن له تصديقٌ بالله ورسوله، بخلاف الصَّلاة؛ فإنه قد يحافظ عليها المنافق تظهيرًا للإيمان ليُعدَّ من أهله؛ فيُصان مالُه ودمُه، وينالُ من فيءِ المسلمين. التنوير (2/ 337).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«ولا يحافظ على الوُضوء إلا مؤمن» الذي ليس بمؤمن لا يحافظُ على الوُضوء، وأشدُّ منه الغُسل، لا سيَّما مع المشقة والمكاره. شرح الموطأ (5/ 29).

قوله: «سدِّدوا»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «سدِّدوا» التَّسديد: التصويب، مأخوذ من تسديد السِّهام إلى الأغراض، أي: كونوا حرّاصًا على إصابة الحق، ومتابعةِ الرسول. الإفصاح (7/ 325).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: الزموا السَّداد، وهو الصّواب، من غير إفراطٍ، ولا تفريطٍ، قال أهل اللغة: السَّداد -بالفتح- الصواب من القول والفعل، وأما السِّداد -بالكسر- فهو ما تسدُّ به القارورة، ونحوها، ومن سِدادِ الثَّغر، واختلفوا في سداد من عيشٍ، وسداد من عَوزٍ لما يرمق به العيش، وتُسد به الخلة، فقال ابن السكيت والفارابي وتبعه الجوهري: بالفتح والكسر، واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قتيبة وثعلب والأزهري؛ لأنه مستعار من سداد القارورة فلا يغيَّر، وزاد جماعة، فقالوا: الفتحُ لحنٌ. ذخيرة العقبى (37/ 366).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى قوله: «سدِّدوا وقارِبوا» أي: اقصدوا السَّداد واطلبوه، واعملوا به في الأمور، والسَّداد: القصدُ فوق التفريط، ودُون الغلوِّ. إكمال المعلم (8/ 354).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
التَّسديد: هو إصابة الغرض المقصود، وأصله من تسديد السّهم إذا أصاب الغرضَ المُرمى إليه ولم يخطه...، وقيل: أراد التسديد: العمل بالسَّداد وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه. فتح الباري (1/ 151).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
وأما السَّداد في الاعتقاد فعدم التعرُّض إلى التناقض بين نصوص الشريعة، والنَّهي عن كونه مجادلًا، وأما في الأعمال فاختيار الأعمال المتوسطة، والبلوغ إلى منتهاها بدون إفراطٍ وتفريطٍ. العرف الشذي (3/ 389).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: اعملوا العمل الموافق للسَّداد والصواب باستكمال أركانه، وتوفر شروطه، واستجماع آدابه التي من أمهاته: الإخلاص...؛ لأن غير السَّداد لا يُقبلُ. الكوكب الوهاج (25/ 455-459).
قوله: «وقَارِبُوا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«وقارِبوا» أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرُبُ منه. فتح الباري (1/ 95).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وقارِبوا» والواو هنا بمعنى (أو) يعني: «سدِّدوا» إن أمكنَ، وإن لم يُمكن فالمقاربة. شرح رياض الصالحين (2/ 225).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«وقارِبوا» فإنكم لن تُطيقوا الإحاطة في أعمال البرِّ كلِّها، ولا بد للمخلوقين من مَلالٍ وتقصيرٍ في الأعمال، فإن قاربتم ورفقتم بأنفسكم، كنتم أجدرَ أن تبلغوا ما يُراد منكم. الاستذكار (1/ 209).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
المقاربة: أن يُصيب ما قَربَ من الغرض إذا لم يصب الغرضَ نفسه، ولكن بشرط أن يكون مصمِّمًا على قصد السَّداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمْدٍ، ويدلُّ عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الحَكَم بن حَزْن الكُلَفِي: «أيها النَّاس إنكم لن تعملوا -أو لن تطيقوا- كلَّ ما أمرتكم، ولكن سدِّدوا وأبشروا» والمعنى: اقصدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ، فإنهم لو سدِّدوا في العمل كله، لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كلّه. جامع العلوم والحكم (ص:475 - 476).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«وقارِبوا» اقربوا إلى الله بكثرة القُرًبات، والمواظبة على الطاعات، أو: اقتصدوا في الأمور، وتجنَّبوا عن طرفي الإفراط والتفريط، فلا ترهَّبوا فتسأم نفوسكم، ويختل معاشكم، ولا تنهمكوا في أمر الدنيا، فتُعرضوا عن الطاعة رأسًا. تحفة الأبرار (2/ 83).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«وقارِبوا» أي: اطلبُوا قربة الله بطاعته بقدر ما تُطيقون؛ يعني: لا تشدِّدوا على أنفسكم بالمبالغة في الطاعات، بأن لا تناموا ولا تستريحوا ولا تأكلوا...، المقاربة: طلب القربة من أحد، والدنوّ منه. المفاتيح (3/ 199).

قوله: «ونِعِمَّا إن استَقمتُم»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ونعما» هِي، أي: الاستقامة، فهو مثل قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} البقرة: 271...، وأصله (نِعْمَ ما) أُدغمت مِيمُها في (ما) إلا أنَّه حذفَ ضمير المخصوصِ بالمدحِ، وقوله: «إن استقمتم» جملةٌ شرطيَّةٌ، ويحتمل فَتح همزةِ (أن) على أنه لمخصوصٍ. كفاية الحاجة (1/ 120).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ونِعِمَّا» قال السندي: أصله: (نِعم مَا) أدغمت ميم (نِعمَ) في ميم (ما) و(ما) نكرة تامة في محل الرفع فاعل (نِعمَ) والمخصوص بالمدح ضمير محذوف، تقديره: "نِعمَ شيءٌ هي" أي: الاستقامة.
والمعنى: نعم شيءٌ هي الاستقامة والثبات على الدين القويم «إن استقمتم» وتمسكتم بالدين القويم وواظبتم عليه...، ويحتمل فتح همزة (إنْ) في قوله: «إن استقمتم» على أنَّ الجملة في تأويل مصدر مرفوع على أنه هو المخصوص بالمدح. مرشد ذوي الحجا والحاجة (3/ 55).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنْ استقمتم» فإنَّ شأن الاستقامة عظيم، ولا يطيقها إلا من أُيّد بالمشاهدات القويّة والأنوار القدسيّة، وهذا المصطفى قد خوطب بقوله: {فَاسْتَقِمْ} هود: 112، ولولا تلك المقدّمات ما أطاقَ الاستقامة. التيسير (1/ 149).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
قوله: «ونِعِمَّا» أي: نِعمَ القومُ أنتم «إن استقمتم» فأهل الاستقامة هم خيارُ عباد الله. حسن التنبه لما ورد في التشبه (3/ 305).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله- أيضًا:
فيه دليلٌ على أنَّ العبد لو ابتدع طريقًا في العبادة، ثم استقام عليه، فليس شيءٌ حتى تكون العبادة والاستقامة عليها موافقةً لما أمر الله تعالى به، وهو كذلك، وما سواه طغيانٌ؛ ولذلك قال: {وَلَا تَطْغَوْا} هود: 112؛ أي: بأن تكون استقامتُكم على خلاف ما أُمرتم. حسن التنبه لما ورد في التشبه (3/ 305).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
احتج بعض العلماء بهذا الحديث على تجويز التكليف بما لا يطاق، حيث قال: «استقيموا ولن تحصوا» أمرهم بالاستقامة وأخبرهم بعدم الإطاقة. الأزهار مخطوط لوح (89).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
جملة القول: أنَّ التكليف بما لا يُطاق، أو التكليف بالمحال على قسمين:
أحدهما: المستحيل لذاته، كالجمع بين الضدّين، وهذا غير واقع في الشريعة، ولا يجوز التكليف به إجماعًا؛ لقوله -عز وجل-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: 286، وقوله: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: 233.
الثاني: المستحيل لا لذاته، بل لتعلّق علم الله بأنه لا يوجد؛ وذلك كإيمان أبي لهب، ونحوه، فإنَّ إيمانه بالنظر إلى مجرّد ذاته جائز عقلًا الجوازَ الذاتيّ؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان، مع أنه مكلَّف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا، الذاتيّ مستحيل من جهة أخرى، وهي تعلّق علم الله تعالى فيما سبق أنه لا يؤمن؛ لاستحالة تغيّر ما سبق به العلم الأزليّ، وهذا النوع من المستحيل يجوز التكليف به شرعًا، وهو واقع بإجماع المسلمين.
وبهذا يتبيّن أنه لا يجوز إطلاق القول في حكم التكليف بما لا يُطاق لا بالجواز ولا بالمنع؛ لأن لفظ التكليف بما لا يطاق من الألفاظ المجملة؛ إذ هو مشتمل على المعنيين المذكورين، وأحدهما حقّ ثابتٌ، وهو المستحيل لا لذاته، بل لتعلّق علم الله بأنه لا يوجد، والآخر باطلٌ لا يَثبُت في الشرع، وهو المستحيل لذاته. البحر المحيط الثجاج (3/ 554-555).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
التعبير بكلمة الاستقامة دون التعبير المشهور عند الناس الآن بكلمة الالتزام، فإنَّ الناس اليوم إذا أرادوا أنْ يُثنوا على شخص بالتمسك بالدِّين قالوا: فلانٌ مُلتزم، والصواب أنْ يقال: فلانٌ مستقيمٌ؛ كما جاء في القرآن والسنة. شرح الأربعين النووية (ص:214).


إبلاغ عن خطأ