الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«مَن ‌دَعا ‌إلى ‌هُدى كان له مِن الأجرِ مثلُ أجورِ مَن تَبِعَه، لا ينقصُ ذلك من أجورِهِم شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالةٍ كان عليه مِن الإثمِ مثلُ آثامِ مَن تَبِعَه، لا ينقُصُ ذلك مِن آثامِهِم شيئًا».


رواه مسلم برقم: (2674)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «مَن دعا إلى هُدى»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «مَن دعا إلى هُدى» الهُدى: الصّراط المستقيم، يعني: مَن دلَّ جماعة على خير أو عمل صالح، فعمل أولئك الجمع على ذلك الخير، أو عملوا بذلك العمل الصالح. المفاتيح (1/ 263).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مَن دعا إلى هُدى» أي: من أرشدَ غيره إلى فعل خيرٍ عظيمٍ كثيرٍ، أو ترك ضده كإماطة الأذى عن الطرق، أو أمره به، أو أعانه عليه. دليل الفالحين (2/ 450).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«مَن دعا إلى هُدى»: يعني بيَّنه للناس، ودعاهم إليه، مثل أن يبيِّن للناس أن ركعتي الضحى سُنة، وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى، ثم تَبِعَه الناس، وصاروا يصلُّون الضحى...، أو قال للناس مثلًا: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا، ولا تناموا إلا على وتر إلا مَن طمع أن يقوم من آخر الليل، فليجعل وتره في آخر الليل، فتَبِعَه ناس على ذلك، فإن له مثل أجرهم، يعني كلَّما أوتر واحدٌ هداه الله على يده فله مثل أجره، وكذلك بقية الأعمال الصالحة. شرح رياض الصالحين (2/ 360).
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«مَن دعا إلى هُدى» فإنَّ «هُدى» هنا نكرة، يعني هُدى من الهُدى، فإن ذلك الداعي يكون له أجرُ دعائه، وأجر دعاء كل داعٍ يدعو إلى الله إلى ذلك الهُدى بعدهُ، ولا أرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى بذكر هُدى نكرة إلا إشارة منه إلى أنَّ هُدى الله -عزَّ وجلَّ- كبيرٌ واسعٌ، فيكون منه ما لم يكن قد ذُكر إلا أنه يُستنبط من الأذكار المروية، ويُعرف من آثار الله في عباده، ودلائله في صنائعه، والفوائد من كتابه، والأسرار في كلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فيكون ذلك الهُدى الذي يدعو إليه العبد له أجره، وأجر كل من يدعو به. الإفصاح (8/ 178).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«هُدى» وهو إما الدّلالة الموصِلة إلى البُغيةِ، أو مطلق الإرشاد، وهو في الحديث: ما يُهتدى به من الأعمال الصالحة، وهو بحسب التنكير مطلقٌ شائعٌ في جنس ما يقال له: "هُدى"، يطلق على القليل والكثير، والعظيم والحقير، فأعظمُه هُدى مَن دعا إلى الله، وعَمِلَ صالحًا، وقال: إنني من المسلمين، وأدناه هُدى مَن دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين، ومِن ثَمَّ عظُمَ شأن الفقيه الداعي المنذِر، حتى فضلَ واحدٌ منهم على ألف عابدٍ؛ لأن نفعه يعمُّ الأشخاص والأعصار إلى يوم الدين، ونرجو من رحمة الله وكرمه أن يكون سَعْيُنَا في هذا الكتاب منتظمًا في هذا السلك، ويرحم الله عبدًا قال: آمينا. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 625 - 626).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الهُدى: خلاف الضلال، والدعاء إلى الهُدى شعبةٌ من الرسالة؛ لأن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بُعثت لتؤدي عن الله تعالى، وتهدي عباده، فمن كان داعيًا إلى الله تعالى فهَدَى الله به عبدًا فقد أخذ شُعبة من الرسالة، واحتظى من ثواب الرسل حظًّا من الكرامة...، وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه-: «لَأَنْ يَهديَ الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعم»، روي ذلك في الصحيحين...، وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلته وأهله؛ بحيث إذا اهتدى رجلٌ واحدٌ بالعلم كان خيرًا له من حُمْر النَّعم، وهي خيارها وأشرفها وأعزها عند أهلها، فما الظن بمن يَهتدي به كل يومٍ طوائف من الناس؟! فتح القريب المجيب (2/ 59 - 60).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن دعا إلى هُدى» ومعروف أي: أَمَرَ الناس بمعروفٍ ونهى عن مُنكرٍ. الكوكب الوهاج (24/ 612).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
والله تعالى يُثيب الدَّاعي على دعوته سواءٌ قُبِل منه أو لم يُقبل، وسواءٌ استُجيب له أو لم يُستجَب؛ لأنه أَمَرَ بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ ولأنَّه دلَّ على الخير، وحذَّر من الشر، فهو مأجورٌ على فعله. شرح سنن أبي داود (516/ 3).

قوله: «كان له مِن الأجرِ مِثلُ أجورِ مَن تَبِعَه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«كان له مِن الأجر مثلُ أجور من تَبِعَه» مثلُ: بالرفع اسم (كان) وخبرها أحد الظرفين (يقال: للجار والمجرور ظرفًا، أي: المجرورين «له» و«من الأجر») المذكورين قبل، والآخر حال. دليل الفالحين (7/ 176).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان له» أي: لذلك الدَّاعي والدَّال على معروف «مثل أجور من تَبِعَه» وامتثل بأمره، واهتدى بدعوته. الكوكب الوهاج (24/ 612).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يحصل للذي دلَّهم على الخير من الأجر والثواب مثلُ ما حصل لكل واحد منهم؛ لأنه كان سبب حصول ذلك الخير منهم، ولولا هو لم يحصل ذلك الخير منهم. المفاتيح (1/ 263).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «كان له من الأجر مثلُ أجور من تَبِعَه» يقول: مَن دل قومًا على فعل خيرٍ، أو عملٍ صالحٍ، فبقدر ما يحصل لكل واحد منهم بذلك العمل من الثواب يحصل لهذا الدَّال...، وكذلك الحكم إذا كان على ضدِّ هذا. فتح القريب المجيب (2/ 60).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مِن الأجر مثلُ أجور مَن تَبِعَه» فعمل بدلالته أو امتثل أمره...، وبهذا يُعلم أنَّ له -صلى الله عليه وسلم- مِن مضاعفة الثَّواب بحسب تضاعف أعمال أمَّته بما لا يعدُّ ولا يُحدُّ، وكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وكذا بقية السلف بالنسبة إلى الخَلَف، وكذا العلماء المجتهدون بالنسبة إلى أَتْبَاعهم، وبه يُعرف فضل المُتقدِّمين على المتأخِّرين في كل طبقةٍ وحينٍ. مرقاة المفاتيح (1/ 242).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«كانَ له من الأجرِ مثلُ أجور مَن تَبِعَه» وذلك أجر الإرشاد والهداية الواصل أثرها إلى كل مَن فعله. لمعات التنقيح (1/ 475).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا تبيَّن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- له أجر ما عَمِلَته أُمَّته، تبيَّن بذلك خطأ من يُهدي ثواب العبادة للرسول -صلى الله عليه وسلم-، يعني: مثلًا بعض الناس اجتهد وصار يصلي ركعتين ويقول: اللهم اجعل ثوابها للرسول، يقرأ قرآنًا ويقول: اللهم اجعل ثوابه للرسول، هذا غلط، وأول ما حدث هذا في القرن الرابع الهجري، يعني بعد ثلاثمائة سنة من موت الرسول، يستحسن بعض العلماء أنه يفعل هذا، قال: كما أُهدي لأبي وأمي صدقة أو صلاة أو ذِكر أُهديه للرسول -صلى الله عليه وسلم-، نقول: هذا خطأٌ غلط ٌسفهٌ في التصور، وضلالٌ في الدِّين. شرح رياض الصالحين (5/ 435).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فيه إشكال (أي: حديث: «مَن دل على خير فله مثل أجر فاعله») وهو أنَّ يقال: الدلالة كلمة تقال، وفعل الخير إخراج مال محبوب، فكيف يتساوى الأجران؟
فالجواب: أنَّ المثلية واقعة في الأجر، فالتقدير: لهذا أجر كما أنَّ لهذا أجرًا، وإنْ تفاوتَ الأجران. كشف المشكل(2/ 206).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا اللفظ (أي: حديث: «مَن دل على خير فله مثل أجر فاعله»): أنَّ للدال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل الْمُنْفِق، وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرًا، وهذا المعنى يمكن أنْ يُقال فيه، ويصار إليه بدليل: أنَّ الثواب على الأعمال إنما هو تفضُّل من الله تعالى، فيهبه لمن يشاء على أي شيء صدر عنه. المفهم (3/ 727 - 729).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ظاهره أنه دعا إليه، وعمل به المدعو إليه، لا لو لم يعمل؛ لقوله: «فاعله»، ويحتمل أنه خرج على الأغلب، وأنَّ الدال له الأجر على الدلالة مطلقًا، ويحتمل أن الأجر مع عمل المدعو إليه أكثر، ومع عدمه أقل. التنوير (10/ 219).

قوله: «لا ينقصُ ذلك من أجورِهم شيئًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
لا ينقصُ مِن أجرهم شيءٌ بسبب أنْ حصل له مثلُ أجورهم جميعًا؛ لأنه لا يؤخذُ من أجورهم ما حصل له، بل أعطاهم الله تعالى وإياه من خزانة كرمه، قوله: «لا ينقصُ» فِعْلٌ مُتَعدٍّ، و«ذلك» فاعله، و«شيئًا» مفعوله، و«ذلك» إشارة إلى حصول الأجر له، يعني: حصول الأجر له، وإعطاء الله تعالى إيَّاه الأجرَ لا يُنقِصُ من أجورهم شيئًا. المفاتيح (1/ 263).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا ينقصُ ذلك» المِثل الذي كان للدَّاعي «مِن أُجُورهم» أي: من أجور التابعين له «شيئًا» من النقص قليلًا ولا كثيرًا. الكوكب الوهاج (24/ 612).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا يَنقُصُ»...، يعني: إذا أُعطيَ المتبوعُ مثل أجر من تَبِعَه، وعمل بما دعاه إليه، لا يحصل من ذلك نقصٌ في أجر العامل، لكن الظَّاهر أنه لا يتساوى مَن عَمِلَ بمَن لم يعمل، لكن يقال: إنَّ أجر العامل مضاعفٌ ثوابه، وأجر مَن دعا إلى العمل ولم يعمل كامل، من غير مضاعفةِ الثواب. شرح سنن أبي داود (18/ 122).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لا ينقصُ ذلك مِن أجورِهم» لأن أجورهم لأجل العمل والمباشرة، وأجر الداعي لأجل الإرشاد والهداية، ولو فُرض أنهما من جهة واحدة ففضل الله واسع، يُعطي كلَّ مَن شاء ما شاء من غير أن ينقصَ شيئًا، وهو على كل شيء قدير. لمعات التنقيح (1/ 475).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لا ينقص من أجورهم شيءٌ» رفعٌ لإيهام الاشتراك في أجرٍ واحدٍ؛ وذلك فضل من الله. فتح المنعم (10/ 215).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
أفعال العباد وإنْ كانت غير موجِبة ولا مُقتضية للثواب والعقاب بذواتها، إلا أنه تعالى أجرى عادته بربط الثواب والعقاب بها ارتباط المُسبِّباتِ بالأسباب، وفعل العبد ما له تأثير في صدوره بوجهٍ، فكما يترتَّب الثواب والعقاب على ما يباشره ويزاوله، يترتب كلٌ منهما على ما هو سببٌ من فعله، كالإرشاد إليه، والحثِّ عليه؛ ولمَّا كانت الجهة التي بها استوجب المسبّبُ الأجر والجزاء غير الجهة التي استوجب بها المُباشرُ لم ينقص أجرُه من أجره شيئًا. تحفة الأبرار (1/ 133).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لا يعارضُه حديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»؛ لأنه نبَّه بتلك الثلاث على ما في معناها من كلِّ ما يدوم النفع به للغير (وممكن أنْ يُجاب بأنَّ الدعوة للخير داخل في قوله: «أو علم ينتفع به»). فيض القدير (6/ 125).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
مَن تأمل هذا المعنى ورزق التوفيق انبعثت همته إلى التعليم، ورغب في نشر العلم؛ ليتضاعف أجره في الحياة، وبعد الممات على الدوام، ويكفّ عن إحداث البدع والمظالم من الْمُكوس وغيرها، فإنها تضاعَف عليه السيئات بالطريق المذكور، ما دام يعمل بها عامل، فليتأمل المسلم هذا المعنى وسعادة الدال على الخير، وشقاوة الدال على الشر. فيض القدير (6/ 127).

قوله: «ومَن دَعَا إلى ضَلَالَةٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«دعا» الناس «إلى ضلالةٍ» شِركًا كان أو بدعةً أو معصيةً. مرشد ذوي الحجا والحاجة (2/ 225).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ومن دعا إلى ضلالة» أي: دلَّ عليها، ورغَّب في فعلها. شرح سنن أبي داود (18/ 122).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ومن دعا إلى ضلالة» أي: مَن أرشد غيره إلى فعل إثمٍ وإن قلّ، أو أمره به، أو أعانه عليه. مرقاة المفاتيح (1/ 242).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومَن دعا إلى ضلالة» ابْتَدَعَها، أو سُبق بها. فيض القدير (6/ 125).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وسواء عمل بها التابع في حياة الدال على العمل، أو بعد موته. شرح سنن أبي داود (18/ 123).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«مَن دعا إلى ضلالة» أي: إذا دعا إلى وزرٍ، وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو الناس إلى لهوٍ أو باطلٍ أو غناءٍ أو ربًا، أو غير ذلك من المحارم، فإنَّ كل إنسان تأثَّر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله. شرح رياض الصالحين (2/ 360 - 361).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
أما الضلالة: فإنَّ مَن يدعو إليها بكلمة خبيثةٍ، أو عقد إشكال، أو نابضةِ شكٍّ، أو طليعة حيرة، فإنه عليه إثمها، وإثمُ كل مَن يضل بها إلى يوم القيامة، ليؤخذَ منه ما يؤخذ، ثم يبقى له بقيَّة، وينهض به إلى الخير والسلامة. الإفصاح (8/ 178).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
من دعا إلى ضلالة فإنه يأثم، سواءٌ تضرَّر بدعوته، واستُجيب إلى ما دعا إليه من الضلالة، أو لم يستجب؛ لأن مجرَّد دعوته إلى الضلال إضلال منه لغيره، فهو يأثم بهذه الدعوة، لكنَّه إن توبع على ذلك، فإنه يأثم مثل آثامِ الذين استجابوا لدعوته إلى الضلال. شرح سنن أبي داود (516/ 3).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
واعلم أن الدعوة إلى الهدى والدعوة إلى الوزر تكون بالقول كما لو قال: افعل كذا، افعل كذا، وتكون بالفعل خصوصًا مِن الذي يَقتدي به من الناس؛ فإنه إذا كان يُقتدى به، ثم فعل شيئًا، فكأنه دعا الناس إلى فعله؛ ولهذا يحتجُّون بفعله، ويقولون: فعل فلانٌ كذا، وهو جائزٌ، أو ترك كذا، وهو جائزٌ. شرح رياض الصالحين (2/ 361).

قوله: «كانَ عليه من الإثمِ مِثْلُ آثامِ من تَبِعَه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان عليه» وفي نسخة «له» فاللّام للاختصاص، أو للمشاكلةِ. مرقاة المفاتيح (1/ 242).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان عليه» أي: على ذلك الدَّاعي «من الإثم» والذنب «مثل آثام» وذنوب «من تَبِعَه» في الضلالة. الكوكب الوهاج (24/ 612).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عليه من الإثم مثل آثام مَن تَبِعَه» لتولُّده عن فعله الذي هو من خصال الشيطان، والعبد يستحق العقوبة على السبب، وما تولَّد منه، كما يُعاقب السكران على جنايته حال سُكره، وإذا كان السبب محظورًا لم يكن السكران معذورًا، فالله يعاقب على الأسباب المحرَّمة وما تولَّد منها، كما يُثيب على الأسباب المأمور بها، وما تولَّد منها؛ ولهذا كان على قابيل القاتل لأخيه كِفلٌ من ذنب كلِّ قاتل. فيض القدير (6/ 125).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وعلى العكس من ذلك: الدعوة إلى الضَّلال، فإن مَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تَبِعَه من غير أن ينقص من آثامهم شيئًا، أي: أن هذا الذي دُعي إلى الإثم، وأخذ به، فإنه يعاقب ويؤاخذ على ضلاله الذي حصلَ، ثم يعاقب الداعي الذي دعاه إلى الضلالة، فيكون عليه من الإثم مثل آثام ذلك الذي دُعيَ وعمل بتلك البِدعة، أو بذلك الأمر المحرم. شرح سنن أبي داود (516/ 3).

قوله: «لا ينقُصُ ذلك مِن آثامِهِم شيئًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا ينقصُ» ذلك الْمِثْل الذي كان عليه «مِن آثامهم» أي: من آثام التابعين له وذنوبهم «شيئًا» من النقص؛ لأن الدال على الشيء كفاعله في الثواب والعقاب. الكوكب الوهاج (24/ 612).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا ينقصُ ذلك مِن آثامهم شيئًا» ضمير الجمع في أجورهم وآثامهم يعود لـ«مَن» باعتبار المعنى. التيسير (2/ 416).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: هذا بظاهره يخالِفُ قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الزمر: 7، قلتُ: لا مخالفة بينهما؛ فإنَّ الداعي إلى الضلالة لم يَحمِل وزرَ التابعين حتى يخالف هذا، بل ما حمله هو باعتبار التَّسبيب؛ بأنه صار سببًا لضلالتهم. بذل المجهود (13/ 37).
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
تنبيه: لو تاب الدَّاعي للإثم، وبقي العمل به، فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته؛ لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها أو لا؛ لأن شرطها رد الظلامة والإقلاع، وما دام العمل بدلالته موجودًا، فالفعل منسوبٌ إليه، فكأنه لم يَرُدَّ ولم يُقلع؟ كلٌ محتمل، ولم أرَ في ذلك نقلًا والمُنقدِح الآن الثاني. فتح الإله (1/571).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
الأظهر الأول، وإلا فيلزم أنْ نقول بعدم صِحَّة توبته، وهذا لم يقل به أحدٌ، ثم ردُّ المظالم مقيَّدٌ بالممكن، وإقلاع كل شيء بحسبه حتمًا، وأيضًا استمرار ثواب الاتِّباع مبني على استدامةِ رضا المتبوع به، فإذا تاب وندم انقطع، كما أن الداعي إلى الهُدى إنْ وقع في الردى -نعوذ بالله منه- انقطع ثواب المتابعة له، وأيضًا كان كثيرٌ من الكفار دعاةً إلى الضلالة، وقُبل منهم الإسلام؛ لما أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، فالتوبة كذلك، بل أقوى، فإن التائب من الذنب كمَن لا ذنب له. مرقاة المفاتيح (1/ 242)
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام القاري:
ما قاله القاري هو الذي يظهر لي؛ لوضوح حجَّته، واسْتِنَار محجَّته، وخلاصته: أنَّ مَن تاب من الدعاء إلى الإثم، وحسُنت توبته، لا يشترط ترك المدعوِّين تلك الضلالة، ولكن ينبغي له أنْ يقوم بدعوتهم إلى الهُدى، كما دعاهم إلى الضلالة إنْ استطاع ذلك، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (41/ 700).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا دليل على أنَّ المُتسبِّب كالمباشر، فهذا الذي دعا إلى الهُدى تسبَّب فكان له مثلُ أجر مَن فعله، والذي دعا إلى السُّوء أو إلى الوِزر تسبَّب فكان عليه مثلُ وزر مَن اتبعَه.
وقد أخذ العلماء الفقهاء -رحمهم الله- من ذلك قاعدة: بأنَّ السَّببَ كالمباشرة، لكن إذا اجتمع سببٌ ومباشرةٌ أحالوا الضَّمان على المباشرة؛ لأنه أَمَسَّ بالإتلاف، والله أعلم. شرح رياض الصالحين (2/ 361).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم اليوم، والدعاء إليه، وإلى جميع سُبل البر والخير. التمهيد (24/ 329).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
نأخذ من هذا الحديث: فضيلة العلم؛ لأن العلم به الدلالة على الهُدى، والحث على التقوى، فالعلم أفضل بكثيرٍ من المال، حتى لو تصدق بأموال عظيمةٍ طائلةٍ، فالعلم ونشر العلم أفضل، وأَضْرِبُ لكم مثلًا الآن، في عهد أبي هريرة خلفاء ملوك ملكوا الدنيا، وفي عهد الإمام أحمد أغنياء ملكوا أموالًا عظيمةً وتصدَّقوا وأوقفوا، في عهد مَن بَعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أناسٌ أغنياء تصدَّقوا وأنفقوا وأوقفوا، أين ذهب المال؟ أين ذهب ما أنفقوه؟ أين ذهب ما أوقفوه؟ راح، لا يوجد له أثر الآن، لكن أحاديث أبي هريرة تُتلى في كل وقت ليلًا ونهارًا، ويأتيه أجرها، الأئمة أيضًا علمهم وفقههم منشورٌ بين الأمَّة يأتيهم الأجر، وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من العلماء ماتوا، لكن ذكرهم حيّ باقٍ، يُعلِّمون الناس وهم في قبورهم، ينالهم الأجر وهم في قبورهم، وهذا يدلُّ على أنَّ العلم أفضل بكثير من المال وأنفع للإنسان. شرح رياض الصالحين (5/ 436 - 437).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: الحثّ والتحريض على الدعوة إلى الخيرات، وسَنّ السنن الحسنات.
2. ومنها: التحذير من الدعوة إلى البدع والخرافات التي لا يؤيّدها دليلٌ شرعيّ، بل يردّها ويُبطلها...
3. ومنها: أنَّ بعض الأعمال لا ينقطع ثوابها، وكذا أوزارها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشرّ...
4. ومنها: ما قاله بعضهم: إن في هذا الحديث وحديث: «مَن سنَّ سُنَّة حسنةً...» إلخ المتقدم، ما يدلُّ على أنَّ كل أجر حصل للدالّ والداعي حصل للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- مثله زيادةً على ما له من الأجر الخاصّ من نفسه على دلالته، أو هدايته للمهتدي، وعلى ما له من الأجور على حسناته الخاصّة من الأعمال والمعارف والأجور التي لا تصل جميع أمَّته إلى عَرْف نَشْرها، ولا يبلغون عُشر عُشْرِها، وهكذا نقول: إنَّ جميع حسناتنا وأعمالنا الصالحة وعبادات كل مسلم مسطّرة في صحائف نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ زيادةً على ما له من الأجر. البحر المحيط الثجاج (41/ 701-702).


إبلاغ عن خطأ