السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«الماهرُ بالقرآنِ مع السَّفَرةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والذي يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعتَعُ فيه، وهو عليهِ شاقٌّ، له أجرانِ».


رواه البخاري برقم: (4937) ومسلم برقم: (798) واللفظ له، ولفظ البخاري: «وهو حافظٌ له» من حديث عائشة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المَاهِرُ»:
الحاذقُ بالقراءةِ، وقد مَهَرَ يَمهُرُ مَهَارَةً. النهاية، لابن الأثير (4/ 374).
قال ابن دريد -رحمه الله-:
مَهَرَ الرجلُ مَهارةً: إذا أَحكَمَ الشَّيءَ، ومنه قيل: سابحٌ ماهرٌ. جمهرة اللغة (2/ 804).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ومَهرَ في العلمِ وغيِره يَمهَرُ بفتحتين مُهُورًا ومَهَارةً فهو ماهِرٌ أي: حاذِقٌ عالِم ٌبذلك، ومَهَرَ في صناعته ومَهَرَ بها ومَهَرَها أتقَنهَا مَعرفةً. المصباح المنير (2/ 582).

«يَتَتَعْتَع»:
أي: يتردَّدُ في قراءتِه، ويَتَبَلَّد فيها لسانُه. النهاية، لابن الأثير (1/ 190).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
يُقال: تَعتَعَ الرجلُ إذا تَبلَّد في كلامه، وكلُّ مَن أُكرهَ في شيءٍ حتى يَقلقَ فقد تُعْتِعَ. مقاييس اللغة (1/ 338).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
التعتعة: أنْ يَعْيَا بكلامه، من حصرٍ أو عيٍّ، وقد تَعتَعَ في كلامه، وتَعْتَعَهُ العيُّ. المحكم (1/ 85).


شرح الحديث


قوله: «الماهرُ بالقرآنِ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: المهارة بالقرآن: جودة التلاوة له بجودة الحفظ، فلا يتلَعثمُ في قراءته، ولا يتغيَّر لسانه بتشككٍ في حرف أو قصة مختلفة النص، وتكون قراءته سمحةً بتيسير الله له كما يسّره على الملائكة الكِرام البَرَرَة، فهو معها في مثل حالها من الحفظ، وتيسير التلاوة، وفي درجة الأجر إن شاء الله، فيكون بالمهارة عند الله كريمًا برًّا. شرح صحيح البخاري (10/ 542).
وقال النووي -رحمه الله-:
الماهر: الحاذق الكامل الحفظِ الذي لا يتوقَّف ولا يشق عليه القراءة؛ بجودة حفظه وإتقانه. شرح صحيح مسلم (6/ 84).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الماهر» الحاذق، يحتملُ أن يريد به: جودة الحفظ والمهارة في القرآن، ويحتمل أن يريد به: جودة اللفظ، وإخراج كل حرفٍ من مخرجه. المفاتيح (3/ 65).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الماهر بالقرآن» أي: الحاذق من المهارة، وهي الحذق، جاز أن يريد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ، وأن يريد به كليهما، وأن يريد به ما هو أعمُّ منهما. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال شمس الدين القرطبي -رحمه الله-:
ولا يكون ماهرًا بالقرآن إلا حتى يكون عالمًا بالفرقان؛ وذلك بأنْ يتعلم أحكامه؛ فيفهم عن الله تعالى مراده، وما فرض عليه، ويعرف المكِّي من المدنيِّ؛ ليفرِّق بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام، وما نَدبهم إليه في آخر الإسلام، وما افترض في أول الإسلام، وما زاد عليهم من الفرائض في آخره، ويعرف الإعراب والغريب؛ فلذلك يسهل عليه معرفة ما يقرأ، ويزيل عنه الشَّك فيما يتلو... وقد قال الضحاك في قول الله -عز وجل-: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} آل عمران: 79: حقٌّ على كل من تعلَّم القرآن أنْ يكون فقيهًا...، فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرًا، وهو الكمال، والماهر: الحاذق بالشيء، والعالم به. التذكار في أفضل الأذكار (ص: 79-81).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«الماهر بالقرآن» أي: الحاذقُ الكاملُ الحفظِ الذي لا يتوقف، ولا تشقُّ عليه القراءة لجودة حفظه، كذا قيل، والأولى عدم قصره على الحافظ، بل يكفي مَهارة التِّلاوة ولو بالنظر في المصحف، وإذا كان الماهر بالتلاوة في المصحف مع السَّفَرة، كان الماهر بالحفظ من باب أولى؛ لأن القسيم للماهر في الحديث: الذي يَتَتَعتَعُ بالقراءة. فتح المنعم (3/ 608).

قوله: «معَ السَّفَرةِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«مع السَّفَرة...»: يريد الملائكة، قال ابن الأنباري: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم ينزلون بوحي الله، وما يقع به الصلاح بين الناس، فشُبِّهوا بالسّفير الذي يُصلح بين الرجلين، وقال ابن عرفة: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يُسفِرون بين الله وأنبيائه، وقيل: سَفَرة: كَتَبَة، وسُمِّيَ الكاتب سافرًا؛ لأنه يُبيِّنُ الشَّيءَ ويوضِّحه، والأسفار: الكتب...
(و) يحتمل -والله أعلم- أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السَّفَرة؛ لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: أنه عامل بعمل السَّفَرة، وسالكٌ مسلكهم، كما يقال: فلانٌ مع بني فلان، إذا كان يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم، كما قال لوط: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الشعراء: 118، وقد جاء في بعض الأخبار «أنَّ مَن تعلَّمه من صغره، وعمل به، خلطه الله بلحمه ودمه، وكتبه عنده من السَّفَرة الكِرام البَرَرَة». إكمال المعلم (3/ 166).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«السَّفَرة» الملائكة جمع سافرٍ ككاتب وكتبة، والأصل في ذلك السَّفْر، وهو كشف الغطاء، والسِّفر بكسر السين: الكتاب الذي يُسفر عن الحقائق، والسفير: الرسول بين القوم يزيل ما بينهم من الوحشة، فعيل بمعنى فاعل، والسّفارةُ: الرسالة في ذلك، فالرسول والملائكة والكتب مُشتركة في كونها سافرةً عن القوم بما استبهم عليهم، والمعنى الجامع بين الماهر بالقرآن وبين الملائكة المُكرمين وحفظةِ السّفرِ الكريمِ عن الأمة، أنَّ الماهر بالقرآن تعلَّم التنزيل، واستظهره حتى صار من خزنة الوَحيِ، وأُمناء الكتاب، وحفظة السِّفر الكريم، يسفر عن الأمة بما استبهم عليهم من ذلك، ويبين لهم حقائقه، كما أن السَّفَرة يؤدونه إلى أنبياء الله المرسلين، ويكشفون به الغطاء عما التبس عليهم من الأمور المكنونة حقائقها. الميسر (2/ 487).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
في معنى سَفَرة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم الكَتَبَة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج، قال الزجاج: واحدهم: سافِرٌ، وسَفَرةٌ مثل كاتبٍ وكَتَبَة وكافرٍ وكَفَرَة، وإنما قيل للكتاب: سِفْرٌ، وللكاتب: سافرٌ؛ لأن معناه: أنه يُبيِّن الشيء، ويوضِّحه، يقال: أسفر الصبح إذا أضاء، وسَفَرت المرأةُ: إذا كشفت النقاب عن وجهها، ومنه: سَفَرتُ بيْن القوم، أي: كشفتُ ما في قلب هذا وقلب هذا؛ لأصلح بينهم.
والثاني: أنهم القُرَّاء، قاله قتادة.
والثالث: أنهم السُّفراء، وهم المُصلحون، قال الفراء: تقول العرب: سَفرتُ بين القومِ، أي: أصلحتُ بينهم، فجُعلت الملائكةُ إذا نزلت بوحي الله كالسَّفير الذي يُصلح بين القوم، قال الشاعر:
وما أدعُ السَّفارَةَ بينَ قومي *** وما أمشي بغشٍّ إن مشَيْتُ. زاد المسير (4/ 401).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله- أيضًأ:
وفيما يسفرون فيه قولان:
أحدهما: أنهم يسفرون فيما بين الله وأنبيائه.
والثاني: في صَلاح ِالناس؛ لأنهم ينزلون بالوحيِ والتأديبِ المصلحِ. كشف المشكل (4/ 365).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «مع السَّفَرة» خبر المبتدأ...، والسَّفَرة... هم الكتبةُ من الملائكةِ حملة اللوحِ المحفوظِ، قال تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}عبس: 15 - 16، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم ينقلون الكتب المنزلة على الأنبياء، وقيل: هم الكتبة لأعمال العباد، وقال ابن عباس: هم الملائكة المتوسِّطون بين الله تعالى وأنبيائه، ويكون سافر بمعنى سفير، أي: رسول وواسطة، والمشهور في مصدره بهذا المعنى: السِّفارة بكسر السين وفتحها، وقيل: هم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ لأنهم سفراء بين الله تعالى والأمم، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه: أنهم أصحاب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ وذلك لأنهم سفراء ووسائط بين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبين سائر الأمة؛ أو لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعليم والتعلم، ويُعنى بكونه معهم: أنه يعمل بعملهم في الدنيا، فيكونون معه بالحفظ والبركة ويكون رفيقًا لهم في منازلهم في الآخرة. المنهل العذب المورود (8/ 100).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
تفسير «السَّفَرة» بالكَتَبَة محلُّ نظر، يحتاج إلى دليل؛ لأن المُتبادِر من السَّفَرة: هم الحملة للرسائل والأوامر والنَّواهي بين الله وبين الناس، بين الله وبين الملائكة، بين الله وبين الرُّسل، وليس مجرد الكاتب فقط، يقال: جبرائيل هو السفير بين الله وبين رسله، يعني الواسطة في التبليغ، فتفسير السَّفَرة بمجرد الكَتَبَة محلُّ نظر. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (ص: 407).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وجه كونهم مع الملائكة: أنَّ حملةَ القرآن يُبلِّغون كلام الله إلى خلقه، فهم سُفراء بين رسل الله وبين خلقه، فهم معهم؛ أي: في مرتبتهم في هذه العبادة،
ويستفيد من هذا حملةُ القرآن: التحرُّزُ في التَّبليغ والتَّعليم، والاجتهاد في تحصيل الصِّدق، وإخلاص النيَّة لله؛ حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة. المفهم (2/ 425).
وقال المناوي -رحمه الله-:
معنى كونه رفيقًا لهم: أنه أُحلّ مقامهم، وأُنزل منازلهم الرفيعة، وأُسكن مقاماتهم العالية من جوار الحق تعالى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} القمر: 54 – 55...، وقيل: معناه: كونه عاملًا بعملهم، بل أفضل، فقد جاء في بعض الطرق: «أن الملائكة لم يُعطوا فضيلة حفظ القرآن، وأنهم حريصون على استماعه من بني آدم» فأعظِم بها من صفةٍ شريفةٍ، وأي شيءٍ أعظمُ من كلام رب العالمين الذي منه بدأ وإليه يعود؟. فيض القدير (6/ 259).

قوله: «الكِرام»:
قال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
كِرام: أي كِرام على ربهم، قاله الكلبي، (وقال) الحسن: كرامٌ عن المعاصي، فهم يرفعون أنفسهم عنها، وروى الضحاك عن ابن عباس في كِرامٍ قال: يتكرّمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته، أو تبرز لغائطه، وقيل: أي يؤثرونَ منافع غيرهم على منافعِ أنفسهم. الجامع لأحكام القرآن (19/ 217).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «الكِرام» يعني: الأعزاء على الله تعالى المعظَّمين عنده، فالكِرام من الكَرامة بمعنى التوقير، ويكون جمع كريم، أي: المُكرمين المُقرَّبين عند الله؛ لعصمتهم من دنس المعصية، أو المراد أنهم مُتعطفون على المؤمنين، يستغفرون لهم، ويرشدونهم إلى ما فيه الخير بالإلهام، وينزلون بما فيه تكميلهم من الشرائع، فالكِرام من الكَرَم ضدُّ اللؤم. المنهل العذب المورود (8/ 100).

قوله: «البَرَرَة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«البَرَرَة» جمع بارٍّ، وهو: المحسن. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال النووي -رحمه الله-:
و«البَرَرَة»: المطيعون من البِرِّ، وهو الطَّاعة. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 84).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
بررة: لم يتدنَّسوا بمعصيةٍ...، بررة: جمع بارٍّ، مثل كافرٍ وكَفَرة، وساحرٍ وسَحَرة، وفاجرٍ وفَجَرة، يقال: بر وبار إذا كان أهلًا للصدق، ومنه: بر فلان في يمينه، أي: صدق، وفلان يبر خالقه ويتبرره، أي: يُطيعه، فمعنى بررة: مطيعون لله، صادقون لله في أعمالهم. الجامع لأحكام القرآن (19/ 216 - 217).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
و«البَرَرَة» أي: المُطيعين المُطهَّرين من الذنوب. فتح الباري (13/ 518).
وقال الألوسي -رحمه الله-:
بررة: أي أتقياء، وقيل: مُطيعينَ الله تعالى...، وهو جمع بَرٍّ لا غير، وأما أبرار فيكون جمعَ بَرٍّ كرَبٍّ وأربابٍ، وجمعَ بارٍّ كصاحب وأصحابٍ، وإن منعه بعض النحاة لعدم اطّراده، واختصّ على ما قيل الجمعُ الأولُ بالملائكة، والثاني بالآدميين في القرآن ولسان الشارع -صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك لأن الأبرار من صيغ القلَّة دون البَرَرَة، ومتَّقو الملائكةِ أكثرُ من متَّقي الآدميين، فناسب استعمال صيغة القلة، وإنْ لم تُرد حقيقتُها في الآدميين دونهم. روح المعاني (15/ 245).

قوله: «والذي يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعتَعُ فيه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يَتَتَعتَعُ» أي: يتردَّدُ «فيه» أي: في تلاوة القرآن عِيًّا وصُعوبةً، وتبلدُ عليه لسانُهُ، ويقِفُ في قراءته؛ لعدم مهارته، والتَّعتَعَة في الكلام: العِيُّ فيه، وهو من مزيد الرُّباعي بحرف؛ كتَدَحرجَ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 228).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى «يَتَتَعتَعُ» يتردّد في تلاوته عِيًّا، والتَّعتعةُ في الكلام: العِيُّ والتّردد، وأصله الحركة. إكمال المعلم (3/ 167).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الذي «يَتَتَعتَعُ فيه» فهو الذي يتردَّد في تلاوته؛ لضعف حفظه. شرح صحيح مسلم (6/ 85).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أمَّا الذي «يَتَتَعتَعُ فيه» يَتَهَجَّاه. شرح رياض الصالحين (4/ 641).

قوله: «وهو عليه شاقٌّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
جملة قوله: «وهو» أي: القرآن «عليه شاقٌّ» أي: شديدٌ، تُصيبُه مشقةٌ، حال من فاعل «يَتَتَعتَعُ». الكوكب الوهاج (10/ 137).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهو عليه شاقٌّ» جملةٌ اسمية في محل نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أن القرآن شاقٌّ وصعبٌ على القارئ. البحر المحيط الثجاج (16/ 302).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهو» أي: القرآن، أي: حصوله أو تردده فيه «عليه» أي: على ذلك القارئ «شاقٌّ» أي: شديد يصيبه مشقة جُملة حالية. مرقاة المفاتيح (4/ 1455).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وهو عليه شاقٌّ» بثقله على لسانه لضعف حفظه. دليل الفالحين (6/ 479).

قوله: «له أجْرانِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«له» أي: لذلك المتردِّد فيه «أجران» أي: ثوابان؛ أجر لقرائته، وأجر لتحمُّلِ مشقتِه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 228).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
تأويل قوله: «أجران» والله أعلم تفسيره حديث ابن مسعود: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات» فيُضاعفُ الأجرُ لمَن يشتدُّ عليه حفظ القرآن، فيُعطى بكل حرفٍ عشرون حسنة. شرح صحيح البخاري (10/ 543).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«له أجران» أجر القراءة، وأجر تحمُّل المشقة، فإن قيل: ذَكَرَ للمتعتع لِسانه أجرينِ، ولم يذكر للماهر أجرين، فلزم من هذا أن يكون المتعتعُ أفضلَ من الماهر.
قلنا: لا يلزم هذا؛ لأن رسول الله -عليه السلام- ذكر لكل واحد فضيلة؛ ليكون تحريضًا له على القراءة، فذكر للمُتَعتع حصول أجرين، وذكر للماهر كونَه مع السَّفَرة، فكون الرجل مع السَّفَرة لا ينقص من حصول أجرين. المفاتيح (3/ 65 - 66).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«فله أجران» أي: أجر على فعل العبادة، وأجر على تحمل المشقة.
فإنْ قلتَ: ظاهر الحديث: أنَّ الأول أفضل من الثاني؛ بدليل الإخبار بأنه مع السَّفَرة، وكيف والأجر على قدر المشقَّة؟
قلتُ: هما رأيان في المسألة، فمن الناس مَن ذهب إلى أن أجر الثاني أكثر، وأن المراد من ثبوت الأجرين له: ثبوت أجر الأول له مُضاعفًا؛ تمسُّكًا بأن الأجور بحسب ما يرتكبه المأجور من المشقّة، ومنهم مَن ذهب إلى أن الأول أفضل؛ بشهادة كونه مع السَّفَرة، وشهادة كونه ماهرًا باعتنائه بالقرآن، وإتقانه وحفظه، ولا شكَّ أنَّ هذه المهارة لا تحصل للإنسان بحيث تصير ملكةً له إلا بعد عناءٍ كبيرٍ، ومشقَّةٍ شديدة، فلا نُسلِّم أنَّ الماهر خالٍ من مشقَّة، ولا أنَّ الثاني أكثرُ مشقَّةٍ منه. مصابيح الجامع (8/483 - 484).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«له أجران» ليس معناه: أنَّ له أجرين ضعفَ أجر الماهر، بل له الزيادة على أجره لمشقّة في قراءته، وما يُقال: إنَّ الأجر على قدر المشقة، إنما هو بالنَّظر إلى أمثاله، لا بالنَّظر إلى غيره كالماهر هنا. الكوثر الجاري (8/ 341).
وقال المازري -رحمه الله-:
يحتمل أن يريد بالأجرين: الأجر الذي يحصل له في قراءة حروف القرآن، وأجر المشقَّة التي تناله في القراءة. المعلم (1/ 460).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«له أجران» الأول للتّلاوة، والثاني للتّعب والمشقة؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة «أجرك على قدر نصبك» أي: على قدر تعبك...، لكن الأول أفضل منه؛ لأن الأول مرتبته عظيمة، وفرق بين إنسانٍ له مرتبة عالية، وإنسان دون ذلك، ولكن له أجرٌ، ونضرب مثلًا لهذا والثواب ليس له نظير، لكن لو أنَّ رجلًا له شرفٌ وسيادةٌ ومنزلةٌ عاليةٌ في الناس، لكن دراهمه قليلة، وآخر وضيعٌ بين الناس ليس له قيمةٌ، لكنَّ دراهمه كثيرة، الأول أفضل...، إذًا تالي القرآن ليس بخاسرٍ مهما كان، والله الموفق. شرح رياض الصالحين (4/ 641 - 542).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ربما تخايل السَّامع في قوله: «له أجران» أنه يزيد على الماهر، وليس كذلك؛ لأن المُضاعفة للماهر لا تُحصر؛ فإن الحسنة قد تضاعف إلى سبعمائة وأكثر، فإنما الأجر شيءٌ مقدَّرٌ، فالحسنة لها ثوابٌ معلومٌ، وفاعلها يُعطى ذلك الثواب مُضاعفًا إلى عشر مرات؛ ولهذا المقصِّرِ منه أجران.
فإن قيل: فهلّا جعل أجر هذا الذي يشقُّ عليه القرآن أكثر؛ لأن مشقته أعظم؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه لا يَمهرُ منه غالبًا إلا عن كثرة الدِّراسة، ولا يقع التَّتَعتُع غالبًا إلا عن قلَّتِها؛ فباجتهاد الحافظ حتى استقرّ في قلبه ارتفع أجره.
والثاني: أن يُفضَّل الحافظُ الفَهِمُ على البليد؛ لجوهرية خُصَّ بها لا تكسب، كما فُضِّل العربيُّ (أي: الفرس العربي) على الكَودَنِ (أي: الفرس الهجين) وذلك فضلُ الله يؤتيه مَن يشاء. كشف المشكل (4/ 365 - 366).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ليس فيه دليل على أنه أعظم أجرًا من الماهر، ولا يصحُّ هذا إذا كان عالمًا به؛ لأن من هو مع السَّفَرة فمنزلته عظيمة، وله أجورٌ كثيرة، ولم تحصل هذه المنزلة لغيره ممن لم يَمهر مهارتَهُ، ولا يُسوَّى أجرُ من علم بأجرٍ من لم يعلم، فكيف يفضُلُه؟ وقد يحتج بهذا من يقول بفضل الملائكة على بني آدم. إكمال المعلم (3/ 167).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد تمسك به مَن قال: إنَّ جميع الملائكة رُسل الله، وللعلماء في ذلك قولان، الصحيح: أنَّ فيهم الرسل وغير الرسل، وقد ثبت أنَّ منهم الساجد فلا يقوم، والراكع فلا يعتدل الحديث، واحتج الأول بقوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} فاطر: 1، وأجيب بقول الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} الحج: 75. فتح الباري (8/ 692).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
فيه: أنَّ الذي يشقُّ عليه القرآنُ لا يُنهى عن القراءة، ولكن يوجَّه ويُرشد، ويقرأ على بعض المُقرئين الذين يُصلِحون له قراءته. توفيق الرب المنعم (2/ 523).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «مع السَّفَرة...» يدل على عُلوِّ منزلته، وأنه يكون معهم، والسَّفَرة هم الملائكة، فمعيتُه معهم أنه يُذكر في الملأ الأعلى مع هؤلاء الأخيار، ومع هؤلاء الأطهار، فثوابه عظيم، ولا حدَّ لثوابه. شرح سنن أبي داود (175/ 21).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: الحثّ على حفظ القرآن وإتقانه، وبيان علوّ منزلة من فعل ذلك.
2. ومنها: بيان فضل الماهر بالقرآن.
3. ومنها: بيان مضاعفة أجر من يتتعتع بالقرآن بسبب كثرة نصبه، وشدّة معاناته؛ إذ الثواب على قدر النصب، فقد قال النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشة -رضي اللَّه عنها- في عمرتها: «إنَّ لكِ من الأجر على قدر نصبكِ، ونفقتك» رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وهو كما قال، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (16/ 304).


إبلاغ عن خطأ