الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«ما أُعْطِيكُمْ، ولا أَمْنَعُكُمْ؛ إنَّما أنا قَاسِمٌ، أَضَعُ حيثُ أُمِرْتُ».


رواه البخاري برقم: (3117)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أنا قَاسِمٌ»:
أي: أَقْسِم بينكم ما أمرني الله بقسمته، وألقى إلى كل واحد ما يليق به. فيض القدير، للمناوي (2/ 571).
يُقال: قَسَمْتُه قَسْمًا مِن باب ضَرَبَ: فَرَزْتُهُ أجزاءً فَانْقَسَم، والموضع مَقْسِمٌ، مثل: مسجدٍ، والفاعل قَاسِمٌ وقَسَّامٌ مبالغة. المصباح المنير، للفيومي (2/ 503).

«أَضَعُ»:
بفتح الهمزة، والضاد المعجمة، أي: أجعلُ الشيء. الفيض الجاري، للعجلوني (16/247).


شرح الحديث


قوله: «ما أُعْطِيكُمْ، ولا أَمْنَعُكُمْ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما أعطيكم ولا أمنعكم» في رواية أحمد عن شريح بن النعمان عن فليح في أوله: «والله المعطي» والمعنى: لا أتصرف فيكم بعطية ولا منع برأيي. فتح الباري (6/ 218).
وقال العجلوني -رحمه الله-:
«ما أُعْطِيكُمْ ولا أَمْنَعُكُمْ» أي: لا برأي، "لا" النافية تأكيد لما قبلها، على حد: ما جاء زيد ولا عمرو، أي: بل الله هو المعطي والمانع. الفيض الجاري (16/247).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «لا أعطيكم، ولا أمنعكم» يقول: الله يعطي في الحقيقة، وهو يمنع، وإنما أعطيكم بقدر ما يسَّرني الله له. شرح صحيح البخاري (5/ 275).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ما أعطيكم، ولا أمنعكم» يعني: كل ما أعطي أحدًا إنما أعطيه ذلك الشيء بأمر الله وإيحائه إليَّ، أو بإلهامه إياي، ولا أعطي أحدًا شيئًا بِمَيل نفسي، وكذلك ما أمنع أحدًا شيئًا إلا بأمر الله. المفاتيح (4/ 316، 317).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ما أعطيكم، ولا أمنعكم» أي: الله هو المعطي في الحقيقة وهو المانع، وأنا أعطيكم بقدر ما يلهمني الله منه. عمدة القاري (15/ 40).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ما أعطيكم ولا أمنعكم» وإنما الله المعطي في الحقيقة، وهو المانع. إرشاد الساري (5/ 204).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما أعطيكم ولا أمنعكم» أي: لا أعطي أحدًا منكم شيئًا تميل نفسي إليه، ولا أمنعه لعدم إقبال قلبي عليه، بل كل ذلك لأمر الله تعالى، وإنما ذَكَرَ الفعلين بصيغة المضارع دون الماضي؛ دلالة على استمرارها في كل حال وزمان. مرقاة المفاتيح (6/ 2433).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ما أعطيكم ولا أمنعكم» أي: ما أعطي أحدًا شيئًا تميل نفسي إليه وشهوتها، وكذا المنع، بل كل ذلك بأمر الله تعالى.
اعلم أنهم حملوا الإعطاء والمنع على إعطاء المال ومنعه، وقد يحمل على تبليغ الوحي والعلم والأحكام، يعني: أنَّ الله تعالى يعطي كل واحد من العلم والفهم على قدر ما تعلَّقَت به إرادته. لمعات التنقيح (6/ 499، 500).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
فائدة هذه الجملة («ما أُعْطِيكُمْ، ولا أَمْنَعُكُمْ»): دفع توهُّم التسلط والتحكم في العطاء والمنع. فتح المنعم (4/ 394).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ما أعطيكم...» إلخ، فيه: دليل على التفويض، وأنَّ النفع لا تأثير فيه لأحد سوى الله -جل جلاله- (وهذا لا يعني ترك أسباب طلب الرزق والسعي فيه). نيل الأوطار (8/ 83).

قوله: «إنَّما أنا قَاسِمٌ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«أنا قاسم» يدل على أنه لم يستأثر من مال الله دونهم. شرح صحيح البخاري (1/ 155).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «‌إنما ‌أنا ‌قاسم، والله يعطي» وفي الآخر: «خازن» فيه: تفويض الأمور إلى الله تعالى، وكون جميعها بمشيئته وقدرته (وهذا لا يعني ترك أسباب طلب الرزق والسعي فيه)، والتصريح بأن الإنسان مصرَّف مسخَّر بحكمه، لا إله غيره، وأنه -عليه السلام- لم يستأثر بشيء من الدنيا، وإنما تصرُّفه فيها لمصلحة عباده، وأمر ربه، لا لنفسه ولا لحوله وقوته. إكمال المعلم (3/ 571).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: أنَّ المعطي حقيقة هو الله تعالى، ولست أنا معطيًا، وإنما أنا خازن على ما عندي، ثم أَقْسِم ما أُمرتُ بقسمته، على حسب ما أمرتُ به، فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره، والإنسان مُصرَّف مربوب. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 129).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«أنا قاسم» يدل على أنه لم يستأثر من مال الله تعالى بشيء دونهم، وكذلك قوله -صلي الله عليه وسلم-: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمُس، والخمس مردود فيكم»، وإنما قال: «قاسمٌ» تطييبًا لنفوسهم؛ لمفاضلته في العطاء. الكواكب الدراري (2/ 38).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌أنا ‌قاسمٌ» أقسم بينكم ما أمرني الله بقسمته، وأُعطي كل إنسان ما يناسبه. التيسير (1/ 362).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أنا قاسم» جملة مبيِّنة للكلام السابق، وفيه: معنى الاختصاص لتقديم الفاعل المعنوي، كقولك: أنا كفيتك مهمَّتك، ولو لم يذهب إلى الاختصاص لم يستقم أنْ يكون بيانًا؛ لأنَّ المعنى: ما أعطيتكم ما أعطيتكم، وما أمنعكم ما منعتكم، وإنما المعطي والمانع هو الله، وإنما أنا قاسم أقسم عليكم بأمر الله، و«أضعُ حيث أُمرتُ» بيانًا للبيان، وفيه حُجة على مَن قال: إنَّ مِثْل: "إنما أنا عارف" لا يفيد الاختصاص؛ لأنه ليس بفعل مثل: أنا عرفتُ. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2602-2603).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في النظر المعنوي ليس بقاسم، كما أنه ليس بمعطٍ؛ فإنَّ الأمور كلها إلى الله سبحانه، فمنه الإعطاء ومنه القسمة، وإن نظرتَ نظرًا صُوريًّا، فهو معطٍ أيضًا كما أنه قاسم، فكيف هذا التقسيم في القسمة والإعطاء بين الله ورسوله، فإنه يؤدي إلى اعتبار جهة الصورة والمعنى معًا، ثم تبيَّن لي أنه راعى جهة الصورة فقط في الجملتين كلتيهما؛ لأن الحديث واردٌ على طور أهل العرف وهم لا يعتبرون في الإعطاء الفاعلَ الحقيقيَّ، بل ينسبونَه إلى الناس فيقولون: زيد أعطى كذا. وموجبه أن يعزوَ إلى نفسه الإعطاء أيضًا كالقِسمة ويقول: وأنا أُعطِي، إلا أنه نسبه إلى الله تعالى؛ لأنه عارَضَته جهة أخرى، وهي أن المُعطي يكون عاليًا مستقلًا عند أهل العرف، والقاسم آلة، والآخذ سافلًا، واليدُ العليا خير من اليد السفلى، فأبقى الاستقلال لصاحب القوة وهو الله سبحانه. ونسب إلى نفسه ما ناسب ضعفه؛ فإن الإنسان خُلِق ضعيفًا فراعى الأدب في القرينتين، لا أنه راعى مسألة توحيد الأفعال. ثم رأيت في كلام الحافظ ابن تيميّة رحمه الله: أن الأنبياء -عليهم السلام- لا يملكون شيئًا حال حياتهم، كما أنَّهم لا مِلْك لهم بعد وفاتهم، واستُدِلَّ عليه بهذا الحديث، وقال: إنه قاسم لا غير ولا مِلْكَ له أصلًا. فحينئذٍ بقي الحديث على ظاهره بدون تأويل. فيض الباري (1/ 253).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: أنا قاسم ‌ولستُ ‌معطيًا، أي: ما أنا إلا واسطة مناولة وتوصيل، والعطاء الحقيقي كله من الله. المنهل الحديث (1/ 46).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما العبد الرسول فلا يعطي أحدًا إلا بأمر ربه، ولا يعطي من يشاء، ويحرم من يشاء، بل روي عنه أنه قال: «إني والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، إنما أنا قاسم، أضع حيث أُمرتُ»، ولهذا يضيف الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول، كقوله تعالى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الأنفال: 1، وقوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الحشر: 7، وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الأنفال: 41؛ ولهذا كان أظهر أقوال العلماء أنَّ هذه الأموال تُصرف فيما يحبه الله ورسوله، بحسب اجتهاد ولي الأمر، كما هو مذهب مالك وغيره من السلف، ويذكر هذا رواية عن أحمد، وقد قيل في الخُمْس: إنه يُقسم على خمسة، كقول الشافعي وأحمد في المعروف عنه، وقيل: على ثلاثة، كقول أبي حنيفة -رحمه الله-. مجموع الفتاوى (11/ 181).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فالمعطي على الحقيقة هو الله -عز وجل-، وقد جعل الإنسانَ سببًا في وصول هذه النعمة، ولكن حقيقة الإعطاء هي من الله -عز وجل-، وهذا وإن كان معطيًا إلا أن الله تعالى هو الذي جعله معطيًا، وهو الذي جعله سببًا في وصول ذلك الخير إلى الغير. شرح سنن أبي داود (200/ 13).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال أكثر العلماء: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُكنَّى بأبي القاسم؛ لابنٍ له من خديجة، مولود له قبل النبوة، اسمه قاسم، قال بعض الشارحين: وهذا الحديث الحصر في قوله: «إنَّما أنا قاسم» يمنع ذلك، ويردُّ عليهم، وقيل: لا يردُّ، ويمكن الجمع بينهما ولا منافاة. الأزهار مخطوط لوح (74).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في ‌التكني ‌بأبي ‌القاسم، على ثلاثة مذاهب:
فذهب الشافعي -رحمه الله- ومَن وافقه إلى أنه لا يحل لأحد أن يتكنَّى أبا القاسم، سواء كان اسمه محمدًا أو غيره، وممن روى هذا من أصحابنا عن الشافعي الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات الفقهاء المحدثون: أبو بكر البيهقي، وأبو محمد البغوي في كتابه التهذيب، في أول كتاب النكاح، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق.
والمذهب الثاني: مذهب مالك -رحمه الله- أنه يجوز ‌التكني ‌بأبي ‌القاسم لمن اسمه محمد ولغيره، ويجعل النهي خاصًّا بحياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والمذهب الثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره، قال الإمام أبو القاسم الرافعي من أصحابنا: يشبه أن يكون هذا الثالث أصح؛ لأن الناس لم يزالوا يكتنون به في جميع الأعصار من غير إنكار، وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب فيه مخالفة ظاهرة للحديث «تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي»، وأما إطباق الناس على فعله مع أنَّ في المتَكَنِّين به، والمكَنّين الأئمة الأعلام، وأهل الحل والعقد، والذين يقتدى بهم في مهمات الدِّين، ففيه تقوية لمذهب مالك في جوازه مطلقًا، ويكونون قد فهموا من النهي الاختصاص بحياته -صلى الله عليه وسلم- كما هو مشهور من سبب النهي، في تكني اليهود بأبي القاسم، ومناداتهم: يا أبا القاسم؛ للإيذاء، وهذا المعنى قد زال، والله أعلم. الأذكار (ص:295).

قوله: «أَضَعُ حيثُ أُمِرْتُ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌أضعُ ‌حيث ‌أُمرتُ» قاله حين قسم الأموال؛ لئلا يقع في قلوبهم سخط لأجل التفاضل في القسمة. شرح المصابيح (4/ 278).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«‌أضعُ ‌حيث ‌أُمرتُ» بالوحي أو بالاجتهاد. الكوثر الجاري (6/ 105).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌أضعُ ‌حيث ‌أُمرتُ» لا برأيي، فمَن قسمتُ له قليلًا فذلك بقدر الله له، ومن قسمتُ له كثيرًا فبقدر الله أيضًا. إرشاد الساري (5/ 204).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
هذا معنى قوله: «أنا قاسم أضعُ» أي: كل شيء من المنع والعطاء «حيث أُمرتُ». مرقاة المفاتيح (6/ 2433).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌أضعُ ‌حيث ‌أُمرتُ» فالعطاء بأمر من الله، والمنع بأمر منه؛ وذلك أنه تعالى قد عيَّن الأموال لمصارِف معيَّنة في كتابه، وعلى لسان رسوله، ويحتمل أن المراد ما أُعطي ولا أمنع مِنْ غير مَنْ عَيَّنَ الله عطاءه ومنعه، إلا من ألقى الله تعالى في قلبي ذلك؛ لأن القلوب بيد الله.
وفيه: أنه ما ينساق من خير إلا من الله، ولا منعٍ إلا منه تعالى؛ لحِكَم يعلمها، فلا يُلام مَن منع، ويُحمد مَن أعطى؛ لحديث: «مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله». التنوير (9/ 364، 365).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
المراد بقوله: «أضعُ حيث أُمرتُ» إما الأمر الإلهامي أو الأمر الذي طريقه الوحي، وقد استَدَل به مَن لم يجعل الفيء مِلْكًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. نيل الأوطار (8/ 83).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يعطي ولا يمنع أحدًا إلا بأمر من الله -عز وجل-، وأنه لم يكن يعطي مَن يعطي، ولا يمنع مَن يمنع لأمر راجع إليه -صلى الله عليه وسلم-.
وفيه من الفقه: التنبيه لكل قاسم بعده أنْ يكون على مثل حاله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يمنع مَن منع لشنآن (بُغْض وعداوة)، ولا يعطي مَن يعطي لقربه منه، ولا لهوى يطيعه فيه، ولكنه يفعل ما يفعله من ذلك على حسب ما شرعه الله -عز وجل-. الإفصاح (7/ 318).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
في الحديث التفات إلى قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ} أي: من المنافقين {مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} أي: يعيبك في تقسيمها {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا} أي: كثيرًا {رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} التوبة: 58 - 59. مرقاة المفاتيح (6/ 2433).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ