السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«الخازِنُ المسلِمُ الأمينُ الذي يُنْفِذُ -وربَّما قال: يُعْطِي- ما أُمِرَ به كاملًا مُوَفَّرًا، طَيِّبًا به نفسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إلى الذي أُمِرَ له به أحدُ المُتَصَدِّقَيْن».


رواه البخاري برقم: (1438) واللفظ له، ومسلم برقم: (1023)، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الخازِنُ»:
أي: الحافظ لمال مَن يُخرِج الصدقة مِن مَلِك وغيره. التنوير، للصنعاني (6/ 44).
وقال العيني -رحمه الله-:
الخازن: هو الذي يُخزَن عنده المال، أي: يُحفظ. شرح أبي داود (6/ 436).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الخَزْنُ: حفظ الشيء في الخزانة، ثم يُعبَّر به عن كل حفظ، كحفظ السر ونحوه. المفردات (ص: 146).

«يُنْفِذُ»:
بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، آخره ذال معجمة، أي: يُمْضِي، ويجوز فتحُ النون وتشديدُ الفاء، وفي نسخةٍ: «يُنْفِق» بقاف بدل الذال. منحة الباري، لزكريا الأنصاري (3/ 523).

«مُوَفَّرًا»:
بتشديد الفاء، تأكيد للكامل، أو الكامل الوافي، والموفَّر: المزيد فيه. التنوير، للصنعاني (6/ 44).

«أحدُ المُتَصَدِّقَيْن»:
هو بفتح القاف على التثنية. المنهاج شرح مسلم، للنووي (7/ 113).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لم نَرْوِهِ إلا بالتثنية، ومعناه: أنَّه بما فعل مُتصدِّقٌ، والذي أخرج الصدقة بما أخرج مُتصدِّقٌ آخر، فهما متصدقان، ويصح أنْ يُقال على الجمع، ويكون معناه: أنَّه مُتصدِّق من جملة المتصدقين. المفهم (3/ 68).


شرح الحديث


قوله: «الخازنُ المسلمُ الأمينُ»:
قال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «الخازن» أي: خادم المالك في الخَزْن. مرعاة المفاتيح (6/ 388).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
الخازن هو الذي بيده النفقة، الحافظ لها، «المسلم» قيَّده به لتصحيح حصول الأجر له؛ إذ لا نية لكافر، «الأمين» وهو الذي لا يخون في أخذه وإعطائه. الكوكب الوهاج (12/ 90).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«الخازن الأمين...» لأن مَن استؤجر على شيء فهو فيه أمين، وليس عليه في شيء منه ضمان إنْ فسد أو تلف، إلا أنْ يضيع تضييعًا معلومًا، فعليه الضمان، وقال ملك: لا يضمن المستأجِر ما يُعاب عليه، والقول قوله في ذلك مع يمينه، وروى أشهب عنه (أي: مالك) فيمن استأجر جفنة: أنه لها ضامن، إلا أن يقيم بينة على الضياع. شرح صحيح البخاري (6/ 385، 386).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
تخصيصه في بعض الروايات بهذه الخصلة: «الخازن المسلم الأمين»؛ إذ بالإسلام والتُّقى والأمانة يصحُّ وصف إعطائه بالصدقة، ألا تراه قال: «الذي يعطي ما أُمر به كاملًا موفرًا، طيبة به نفسه» فإسلامه وتقاه أوجب إعطاءه طيبة به نفسه، وأمانته أوجب إعطاءه كاملًا موفرًا، وليس كما ظن بعض المتكلمين على الحديث: أنَّ وصفه هنا بالأمين لرفع الضمان عن المودع والمستأجر. إكمال المعلم (3/ 552).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ الخازن الأمين المسلم» إلى آخره، هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمًا لم يصح منه التقرب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟! وإن لم يطب بذلك نفسًا لم يكن له نية، فلا يؤجر. المفهم (3/ 68).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «‌الخازن ‌المسلم ‌الأمين» إلى آخره هذه الأوصاف شروط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يُعتنى بها، ويُحافظ عليها. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 113).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
إنما قيده بالمسلم؛ إذ الكافر لا ثواب له إلا أن يسلم بعده. الكوثر الجاري (3/ 437، 438).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ الخازن الأمين...» إلخ، وفي رواية البخاري: «‌الخازن ‌المسلم ‌الأمين...» إلخ، وهي شروط لاستحقاق الخازن ثوابًا كاملًا، كثواب المتصدِّق صاحب المال، فخرج بالمسلم الكافر؛ لأنه لا يصح منه نية التقرب، وبالأمين الخائن؛ لأنه مأزور لا مأجور لخيانته، ومن الخيانة: الإنقاص في الإعطاء عما أمر به. المنهل العذب المورود (9/ 335).

قوله: «الذي يُنْفِذُ -وربَّما قال: يُعْطِي- ما أُمِرَ به كاملًا مُوَفَّرًا، طَيِّبًا به نفسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إلى الذي أُمِرَ له به»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الذي يُنْفِذُ» بالذال المعجمة، إما من الإنفاذ من باب الإفعال، وإما من التنفيذ من باب التفعيل، وهو الإمضاء مثل ما أَمَرَ به الآمر، ويُروى: «يعطي» بدل «ينفذ». عمدة القاري (8/ 304).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قد جاء في حديث النبي -عليه السلام- أنَّ الخادم ‌أحد ‌المتصدقين، ولم يشترط إذن سيده إلا في الكثير؛ لقوله: «يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا إلى الذي أُمر له» فهذا يدل على العطاء الجزيل؛ لأن اشتراط الكمال فيه دليل على الكثرة. شرح صحيح البخاري (6/ 531، 532).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«طيبًا به نفسه» لا يحسده على ما أعطاه، ولا يؤخِّر العطاء، ولا يعبس في وجهه، كل هذه الأمور معتبرة. الكوثر الجاري (3/ 438).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «كاملًا موفرًا» حالان من مفعول «يعطي» أي: يعطي المحتاج ما أَمَر به المتصدِّق كاملًا وافرًا، أو صفة لمصدر محذوف، أي: يعطي عطاءً كاملًا تامًّا، فـ«موفرًا» اسم مفعول تأكيد لما قبله، مِن وَفَّر، ويصح جعله اسم فاعل بكسر الفاء، أي: مكملًا الخازن ما يعطيه.
قوله: «طيبة به نفسه» قُيِّد به ليخرج مَن أعطى كارهًا؛ فإنه لا أجر له، قوله: «حتى يدفعه إلى الذي أمر له» أي: الذي أَمَر المتصدِّق أن يدفع الصدقة إليه، فإنْ دَفَعَ الخازن إلى غيره كان غير أمين؛ لمخالفته، فلا ثواب له. المنهل العذب المورود (9/ 335).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
نبه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «كاملًا موفرًا طيبة بها نفسه» على ما هو الغالب على خزَّان المال، من الطمع والعبوس والحسد، فمن فعل ذلك فهو أبخل البخلاء، ومَن دفعه كاملًا بغير تكدير فله أجر المعطي. تطريز رياض الصالحين (ص: 144).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«الذي يعطي ما أُمِرَ به» من الصدقة من غير زيادة ونقصان فيه بهوى. مرعاة المفاتيح (6/ 388).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«الذي ينفِّذُ» ويمضي بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه مخففًا آخره ذال معجمة، مضارع أَنْفَذَ، ويجوز فتح النون وتشديد الفاء، مضارع نَفَّذَ المضعف، وهو على الأول من الإنفاذ، وعلى الثاني من التنفيذ، وهو الإمضاء، وقوله: «وربما قال: يعطي» هو من كلام الراوي، أي: وربما قال -صلى الله عليه وسلم- بدل «ينفذ»: «يعطي»، وهو الذي في المشارق والجامع الصغير، وفي رواية للبخاري: «ينفق» بدل «ينفذ» أيضًا «ما أمر له به» من الصدقة مفعول «ينفذ» أي: الذي يعطي ما أمره صاحب المال بإعطائه، «فيعطيه» حالة كونه «كاملًا» غير ناقص من حيث العدد، «موفَّرًا» بفتح الفاء المشددة، أي: تامًّا من حيث الصفة، فهو صفة مؤكدة لـ «كاملًا»، وبكسرها حال من الفاعل، أي: مكملًا عطاءه «طيبة به نفسه» أي: راضية غير شحيحة بالعطاء، و«نفسه» بالرفع فاعل «طيِّبَة».
وقوله: «كاملًا موفرًا طيبة به نفسه» ثلاثتها حال من «ما أُمِرَ به» والضمير المجرور في «نفسه» للخازن، وطِيْبُ نفسه يظهر بعدم إيذائه الفقير في إعطائه، «فيدفعه» أي: فيدفع ذلك المال «إلى» الشخص «الذي أُمِرَ له» بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: فيدفعه إلى الشخص الذي أمره الآمر لأجله «به» أي: بالدفع. الكوكب الوهاج (12/ 90، 91).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «طيبة به نفسه» يعني: يعطيها من غير أذى، ولا مماطلة؛ لأن الخازن مثل الأمين، فإذا أمره، وقال: أعطِ فلانًا كذا، فالواجب عليه أن يبادر بتنفيذ أمر صاحب المال، فإذا دفع ما أمره به كاملًا ولم ينقص منه شيئًا طيبة به نفسه صار له أجر المتصدِّق. توفيق الرب المنعم (3/ 161).

قوله: «أحدُ المُتَصَدِّقَيْن»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أحدُ المتصدقَيْن» مرفوع؛ لأنه خبر المبتدأ، أعني قوله: «الخازن». عمدة القاري (8/ 305).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: إنما كان ‌أحد ‌المتصدِّقَيْن -والله أعلم-؛ لأنه مُعِين على إنفاذ الحسنة، وأما إذا أعطاه كارهًا غير مريد لإعطائه لم يؤجر على ذلك؛ لأنه لا نية له مع فعله، وقد اشترط النبي -عليه السلام- أن الأعمال بالنيات، فدل ذلك أنها إذا لم تصحبها نية لا يؤجر بها، ألا ترى أن المنافقين لم تُقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيره؛ إذ عريت أعمالهم عن النيات. شرح صحيح البخاري (6/ 455).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في الخازن الأمين الذي يعطى ما أُمِرَ به كاملًا: «أحد المتصدقَيْن» فشرط فيه الإذن. إكمال المعلم (3/ 550، 551).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أحد المتصدقَيْن» هو بفتح القاف على التثنية، ومعناه: له أجر متصدِّق. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 113).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
المشارك ‌في ‌الطاعة ‌مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة: أنَّ له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه: أنْ يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها؛ ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره أو نحوه فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا ونحوهما مما ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواء. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 111، 112).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌الخازن ‌المسلم ‌الأمين الذي...» إلى آخره، شرط في هذا الحديث أربعة أشياء:
أحدها: الإذن؛ لأنه قال: «ما أُمر به».
والثاني: ألا ينقص مما أُمر به.
والثالث: أن يكون قلبه طيبًا بالتصدق بما أُمر به؛ فإن بعض الخازنين والخدام غير راضين بما أُمروا به من التصدق، فإذا تصدقوا من غير رضا قلوبهم لم يحصل لهم ثواب، حتى لو تصدق واحد من مال نفسه ولم تكن نفسه طيبة بما يتصدق به لم يحصل له ثواب.
الشرط الرابع: أن يعطي إلى المسكين الذي أَمَرَ صاحب المال بالدفع، ولا يعطيه إلى مسكين آخر، فإذا اجتمع في الخازن هذه الشروط فهو «أحد المتصدقَيْن» يعني بـ«المتصدقَيْن» صاحب المال والخازن؛ لأن الخازن يحصل له ثواب بالسعي. المفاتيح (2/ 556).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: تنبيه على عظم ثواب الصدقة؛ لأنه لما أعطي ثوابها إلى الخازن، فما ظنك بالمتصدِّق؟ والله أعلم. فتح القريب المجيب (5/ 102).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «هو» أي: الخادم «‌أحد ‌المتصدقَيْن» بلفظ التثنية، كما يُقال: القلم أحد اللسانين؛ مبالغة، أي: الخادم والآمر هما متصدقان، لا ترجيح لأحدهما على الآخر في أصل الأجر، قالوا: لا يلزم منه أن يكون مقدار ثوابهما سواء. الكواكب الدراري (7/ 194).
وقال الكرماني -رحمه الله- أيضًا:
معنى: «أحد المتصدقَيْن» أنَّ الذي يتصدَّق من ماله يكون أجره مضاعفًا أضعافًا كثيرة، والذي ينفِّذه أجره غير مضاعف له عشر حسنات فقط. الكواكب الدراري (7/ 203، 204).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الأوصاف الثلاثة لا بد منها، كون المتصدِّق مسلمًا؛ لتصح منه القُرَب، أمينًا؛ لأن الخائن مأزور لا مأجور، طيِّب النفس؛ وإلا إذا عُدمت النية فلا أجر. اللامع الصبيح (5/ 387).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «هو ‌أحد ‌المتصدقَيْن» ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية. فتح الباري (3/ 293).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فهو أحد المتصدقَيْن» بفتح القاف: إما على التساوي أو التشارك بقدر كدِّه وسعيه. الكوثر الجاري (3/ 438).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌أحد ‌المتصدقَيْن»... أي: هو ورب الصدقة في أصل الأجر سواء، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وإن اختلف مقداره لهما. إرشاد الساري (3/ 28).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«‌أحد ‌المتصدقَيْن» فيكتب له بتلك الشروط الأربعة ثوابٌ من ثواب الصدقة، لكنه يقِلُّ ويكثر بحسب تعبه وبشاشته ورفقه في الإعطاء. دليل الفالحين (2/ 459).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أحد المتصدقَيْن» أي: يشارك صاحب المال في الصدقة، فيصيران متصدقَيْن، ويكون هو أحدهما، هذا على أنَّ الرواية بفتح القاف، وهو الذي صرحوا به، نعم جواز الكسر على أنَّ اللفظ جمع، أي: هو متصدِّق من المتصدقِين. حاشية السندي على سنن النسائي (5/ 79).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «‌أحد ‌المتصدقَيْن» أي: له مثل أجر مَن أمره بالإخراج؛ لطيبة نفسه بذلك، وتهنئة من يعطيه، والمراد بالخازن مَن أُمر بالإعطاء، سواء كان خازنًا أو لا، إنما الحديث خرج على الغالب. التحبير (6/ 432).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
فيه: الإخبار بأنَّ أهل الإيمان يتعاضدون، ويتساندون على فعل الخيرات، وأن انضمام المؤمن إلى المؤمن في نشر الخير، وكف الشر يقوى به جانب كل منهما، كما أنَّ أحجار البنيان ولَبِنَها يشدُّ بعضها بعضًا، وتستقيم به العمارة، وتقوى بها الجدران، وإذا أُحيل (زُحْزِحَ) حجر منها أحيل البناء، وقد ينهدم الجدار، فكذلك المؤمنون إذا لم ينصر بعضهم بعضًا، ويشد كل واحد أخاه، ويعينه على ما أمر الله به وارتضاه، وإلا انهدم الدين، وقوي جانب المفسدين، وضاع الإيمان، وتهدَّمت منه الأركان.
والحديث مأخوذ من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} الصف: 4، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} النساء: 135 الآية، وفي الآية الأخرى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} المائدة: 8، وما هدم الشرائع، وأضاع الأحكام، وضعضع قواعد الإسلام، إلا عدم تعاون العباد وتعاضدهم، وتخاذلهم وتحاسدهم وتنازعهم، الذي تفرَّع عليه ذهاب ريح الدِّين، وتصديق قول الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الأنفال: 46. التحبير (1/ 321، 322).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أحد المتصدقَيْن» بالتثنية خبر "إنَّ" في قوله: «إن الخازن» أي: هو والمالك متصدقان، ولكل واحد منهما أجر الصدقة، فللمالك أجر ما أنفق من ماله، وللخازن أجر إيصاله للمستحق، ويجوز أن يكون بكسر القاف جمعًا، أي: هو متصدق من المتصدقِين. المنهل العذب المورود (9/ 335، 336).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: أنَّ الخازن الذي جمع هذه الأوصاف الأربعة: المسلم، الأمين، الذي ينفذ ما أُمر به، طيِّبة بها نفسه، فهو مسلم احترازًا من الكافر، فالخازن إذا كان كافرًا وإن كان أمينًا وينفِّذ ما أُمر به ليس له أجر؛ لأن الكفار لا أجر لهم في الآخرة فيما عملوا من الخير، قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} الفرقان: 23، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: 217، أما إذا عمل خيرًا ثم أسلم فإنه يُسلم على ما أسلف من خير ويعطى أجره.
الوصف الثاني: الأمين يعني الذي أدى ما ائتمن عليه، فحَفِظَ المال، ولم يفسده، ولم يفرط فيه، ولم يعتدِ فيه.
الوصف الثالث: الذي ينفِّذ ما أُمر به، يعني: يفعله؛ لأن من الناس من يكون أمينًا لكنه متكاسل، فهذا أمين ومنفِّذ يفعل ما أُمر به، فيجمع بين القوة والأمانة.
الوصف الرابع: أن تكون طيِّبة به نفسه، إذا نفَّذ وأعطى ما أمر به أعطاه وهو طيبة به نفسه، يعني لا يمنُّ على المعطَى، أو يُظهر أنَّ له فضلًا عليه، بل يعطيه طيبة به نفسه، فهذا يكون أحد المتصدقَيْن، مع أنه لم يدفع من ماله فلسًا واحدًا...
ففي هذا الحديث: دليل على فضل الأمانة، وعلى فضل التنفيذ فيما وكِّل فيه وعدم التفريط فيه.
ودليل على أن التعاون على البر والتقوى يُكتب لمن أعان مثل ما يُكتب لمن فعل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله الموفق. شرح رياض الصالحين (2/ 380، 381).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي هذا الحديث):
1. منها: بيان أجر الخازن إذا تصدق بإذن المالك.
2. ومنها: بيان أنَّ حصول الأجر للخازن مشروط بهذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث، فمهما اختل منها شرط لا يحصل له الأجر، فينبغي أن يعتني بها، ويحافظ عليها...
3. ومنها: بيان أنَّ ثواب الصدقة لا يقتصر على المالك فقط، بل كل من تسبب في إيصالها إلى مستحقها بنية خالصة مع بقية الشروط حصل له ثوابها، وهذا من فضل الله تعالى على من لا يجد مالًا للتصدِّق به، فينبغي للمسلم أنْ يحرص على هذا الفضل العظيم.
4. ومنها: بيان فضل الأمانة، وسخاوة النفس، وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير.
5. ومنها: ما قاله النووي -رحمه الله-: معنى هذه الأحاديث: أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أنَّ له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه: أنْ يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها؛ ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه.
6. ومنها: حث الإسلام على تحقق التناصح والتناصر والتعاضد في المسلمين، حتى يكون المجتمع مجتمع خير وبركة، يسوده الإخاء والمحبة، ويكون يدًا واحدة على أعدائه. البحر المحيط الثجاج (19/ 486-488).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ