«مَن أرادَ أهلَ المدينةِ بسوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كما يَذُوبُ الملحُ في الماءِ».
رواه البخاري برقم: (1877) ومسلم برقم: (1387) واللفظ له، من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «لا يَكِيدُ أهلَ المدينةِ أحدٌ إلَّا انْمَاعَ كما يَنْمَاعُ الملحُ في الماءِ».
وفي لفظ لمسلم برقم: (1363): «إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ».
ورواه مسلم برقم: (1386)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«إلَّا انْمَاعَ»:
أي: ذاب، على وزن انفعل من الْمَيَعَان، يقال: مَاعَ الشيء يَمِيْعُ، وانْمَاعَ يَنْمَاعُ إذا ذاب، ويجوز بإدغام النون في الميم. عمدة القاري للعيني (10/ 241).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
انْمَاعَ: أي: ذاب وجرى على وجه الأرض متلاشيًا. الكواكب الدراري (9/ 67).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
والمراد: هَلك. منحة الباري(4/ 321).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن أرادَ أهلَ المدينةِ بسوءٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن أراد أهل المدينة» النبوية، وهم من كان بها في زمنه، أو بعده وهو على سُنته. التيسير (2/ 394).
وقال النووي -رحمه الله-:
«مَن أرادَ أهلَ المدينةِ بسوءٍ» قيل: يحتمل أنَّ المراد من أرادها غازيًا مُغِيرًا عليها، ويحتمل غير ذلك. شرح صحيح مسلم (9/ 157، 158).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من أراد أهل المدينة» هي إذا أُطلقت طَيبة مدينته -صلى الله عليه وسلم- «بسوء» عامٍّ لكل ما فيه إساءة لهم؛ لوقوعه في سياق الشرط. التنوير (10/ 76).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
ويحتمل أنْ يُراد بالسوء أعظمه، كما يكون من الدجال، فإن الله يصونها عنه، وما أشبهه من عظائم الفتن، فلا يرد ما يتفق من عربها وبداوتها من أذية أهلها، ونحو ذلك. التنوير (10/ 76).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن أراد» وقصد «أهل المدينة» وسكانها «بسوء» أي: بشر في الأنفس كالقتال، أو في الأموال كأخذ أموالهم بالنهب أو الغصب أو السرقة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 280، 281).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«بسوء» أي: بضُرٍّ وفتنة. الكوكب الوهاج (15/ 99).
قوله في رواية: «لا يَكِيدُ أهلَ المدينةِ أحدٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يكيد أهل المدينة أحد» أي: بالمكر والخداع. مرقاة المفاتيح (5/ 1882).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«لا يكيد» أي: يفعل كيدًا من مكرٍ وحربٍ وغيرِ ذلك من وجوه الضرر بغيرِ حقّ. مصابيح الجامع (4/ 298).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
«لا يَكِيدُ أهلَ المدينةِ»: أهل الدِّين والإيمان، ويعمّ أهلها، لكن البقية لا قيمة لهم، فالأخيار يدفع الله عنهم ؛ ولهذا قال: «يَأْرِزُ الإيمان إلى المدينة». الحلل الإبريزية (2/ 113).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
يعني: مَن أراد المكر بهم وإيذاءهم لا يمهله اللَّه، ولم يبقِ له سلطان، بل يُذهبه عن قريب، كما يُرى ذلك من حال يزيدَ الشقيِّ عليه ما يستحقه. لمعات التنقيح (5/ 477).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى «لا يكيد» لا يدخلها بمكيدة، ولا بمكر يَطلب فيها غِرَّتَهم، ويفترس عورتهم. التوضيح (12/ 551).
قوله: «إلَّا أَذَابَهُ اللهُ كما يَذُوبُ الملحُ في الماءِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
يعني: يهلك كما يهلك الملح في الماء. المفاتيح (3/ 376).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أذابه الله» أهلكه بالكليَّة، بحيث لم يبق من حقيقته شيء، لا دُفعة بل على التدريج؛ لكونه أشد إيلامًا ، وأقوى تعذيبًا، «كما يذوب» ما مصدرية، أي: ذوبًا كذوب «الملح في الماء» شبَّه أهل المدينة به؛ إشارة إلى أنهم في الصفاء كالماء، وهذا في الآخرة، وقيل: بل وقع في الدنيا، كما اقتضى شأن مَن حاربها أيام بني أمية، كمسلم بن عقبة، فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على إثر ذلك. التيسير (2/ 394).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أذابه الله» أهلكه هلاكًا يستأصله به. التنوير (10/ 76).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أذابه الله» تعالى، أي: أهلكه الله تعالى ويعدمه «كما يذوب» أي: كما ينماع وينعدم «الملح في الماء». الكوكب الوهاج (15/ 154).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«أذابه الله» تعالى، أذاب الله قلبه وجسمه، يعني: بإلقاء الرعب والخوف في قلبه، «كما يذوب الملح» المطروح «في الماء» فلا يتم له مراده ولا قصده، وكفاهم الله تعالى مِن شر مَن قَصَدَهم، كما ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، وفي قلوب المشركين حين قصدوا استئصال أهل المدينة بعد غزوة أُحُد، بالرجوع إليهم من طريق مكة بعد وصولهم حمراء الأسد. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 281).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» وهذا ليس خاصًّا بالآخرة كما تقدم، بل في الدنيا أيضًا، فمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله، ولا يُمكِّن سلطانه، ويذهبه عن قُرْب. توفيق الرب المنعم (3/ 667).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
إنما غلَّظ إثم المحدِث بالمدينة من حيث إنه يعتدي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمرأى منه، ويحدِث في شريعته بحضرته المقدسة؛ فإن مَن يعصي مَلِكًا من ملوك الدنيا بغيبته أهون من أنْ يحضر معصيته في مجلسه أو بحضرته. الإفصاح (8/ 66، 67).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله- أيضًا:
في ذوب من يريد أهلها بسوء، فإنَّ مِن شأن الماء أن يجمِّد الأشياء، ولا يذيبها، إلا الملح فإنه يذوب فيه، فكان مخالفًا للأشياء، فشبَّههم بالملح الذي يُسرع ذوبه إذا وقع في الماء، ولا يستمسك بخلاف غيره، وأراد أنهم يذوبون في الأشياء التي يجمد فيها غيرهم، فما الظن بهم لو وقعوا فيما يذوب فيه غيرهم؟ فكأنه قال: إذا ذابوا في الماء فكيف في النار؟! الإفصاح (1/ 339، 340).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فيه معنى قوله تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} فاطر: 43، شبَّه أهل المدينة مع وُفُور علمهم، وصفاء قريحتهم بالماء، وشبَّه من يريد المكيد بهم بالملح؛ لأن نكاية كيدهم لما كانت راجعة إليهم شُبِّهوا بالملح الذي يريد إفساد الماء، فيذوب هو بنفسه.
فإذ قلتَ: يلزم على هذا كُدُورة أهل المدينة بسبب فنائهم، قلتُ: المراد مجرد الإفناء، ولا يلزم في وجه التشبيه أن يكون شاملًا لجميع أوصاف المشبَّه به، نحو قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2061).
قوله في رواية: «إلَّا انْمَاعَ كما يَنْمَاعُ الملحُ في الماءِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا انماع» أي: ذاب وهلك. مرقاة المفاتيح (5/ 1882).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «إلا انماع» أي: إلا ذاب كما يذوب الملح في الماء، يُقال منه: ماع العسل في الماء، فهو يَماعُ إيماعًا، وهو عسل مائع، وقد ماع يميع ميعًا مويعًا، وتَمَيَّع الشراب إذا ذهب وجاء، فهو يتميَّع تميُّعًا. شرح صحيح البخاري (4/ 549).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
شبَّه أهلَ المدينة مع وفور علمِهم، وصفاء قريحتهم بالماء، وشبَّه مَن يريد الكيد بهم بالملح. شرح المصابيح (3/ 372-373).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إلا انماع كما ينماع الملح في الماء» أي: ذاب وزال، وجه الشَّبه: السرعة، كما جرى لمسلم بن عقبة، فإنه بعدما خرَّب المدينة لم يعش عشرين يومًا، وكذا يزيد بن معاوية الذي أمره بذلك، مات بعد أيام مذمومًا إلى آخر الدهر. الكوثر الجاري (4/ 239).
قوله في رواية: «إِلَّا أَذَابهُ اللهُ في النارِ ذَوْبَ الرَّصاصِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أذابه الله في النار ذَوْبَ الرصاص» هذه الزيادة «في النار» ترفع إشكال الأحاديث التي لم تُذكر فيها، وأنَّ هذا حُكْمه في الآخرة، وقد يكون المراد به مَن أرادها في حياة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الدنيا، فيُكفى أمره، ويَضْمَحِلُّ كيده كما يضمحل الرصاص، ويكون «في النار» مقدَّمًا في اللفظ، كما قال في الحديث الآخر: « كما يذوب الملح في الماء» أو يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا، فلا يمهله الله، ولا يُمكِّن سلطانه، ويُذهبه عن قُرْب، كما انقضى من شأن مَن حاربها أيام بني أميَّة مثل مسلم بن عقبة، وهلاكه منصرفه عنها، ثم هلاك يزيد بن معاوية مُرْسِله على إِثْر ذلك، وغيرهم ممن صنع مثل صنيعهم.
قيل: قد يكون الحديث فيمن كادَهَا مغتالًا وطلب غِرَّتها، فلا يتم له ذلك، خلاف مَن أتى ذلك جهارًا، كالأمراء الذين استباحوها على ظاهر لفظة الحديث: «لا يكيد». إكمال المعلم (4/ 484).
وقال السمهودي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هذا الاحتمال الأخير هو الأرجح، وليس في الحديث ما يقتضي أنه لا يتم له ما أراد منهم، بل الوعد بإهلاكه، ولم يزل شأن المدينة على هذا حتى في زماننا هذا؛ لما تظاهرت طائفة العياشي بإرادة السوء بالمدينة الشريفة لأمر اقتضى خروجهم منها، حتى أهلك الله تعالى عُتَاتهم، مع كثرتهم في مدة يسيرة.
وقد يُقال: المراد من الأحاديث: الجمع بين إذابته بالإهلاك في الدنيا، وبين إذابته في النار في الأخرى، والمذكور في هذا الحديث هو الثاني، وفي غيره الأول. وفاء الوفاء (1/ 42).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أو يراد به عذاب الآخرة، ويؤيده رواية مسلم: «أذابه الله في النار» فالعمدة على هذه الرواية. الكوثر الجاري (4/ 239).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنَّ إيذاء أهل المدينة، والسعي في الإِضرار بهم كبيرة من الكبائر؛ لأن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلا على جريمة نكراء.
ثانيًا: تعجيل العقوبة في الدنيا لمن أراد بأهل المدينة شرًّا، وإنذاره بالهلاك السريع، وفي الحديث عن السائب بن خلاد: «من أخاف أهل المدينة ظالمًا لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله» أخرجه النسائي.
ثالثًا: الترغيب في حُب أهل المدينة، والإِحسان إليهم؛ لأن التحذير من الشيء ترغيب في ضده، فيكون مفهوم الحديث: أنَّ مَن أراد الخير لأهل المدينة، وسعى فيه كانت له البشرى بالحياة السعيدة، سيما إذا كان حُبه لهم ناشئًا عن حبِّه للنبي -صلى الله عليه وسلم-. منار القاري (3/ 194).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: شرف المدينة -صلى الله على ساكنها وسلم-؛ وأنه لا يريد أحدٌ أهلَها بسوء إلا انماع؛ والانمياع في الحديث -فيما أرى- هو انفتات عزيمته، وانتكاث صريمته. الإفصاح (1/ 339).