عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، والْمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّهما اخْتلَفَا بالْأَبْوَاءِ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: «يَغْسِلُ المحْرِمُ رأسهُ، وقال المِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحْرِمُ رأسهُ، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ أَسْأَلُهُ عن ذلك، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بينَ القَرْنَيْنِ، وهو يَسْتَتِرُ بثوبٍ، قال: فسلَّمتُ عليه، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ اللهِ بنُ حُنَيْنٍ، أَرسلنِي إليك عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ؛ أَسْأَلُكَ كيف كان رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَغْسِلُ رأسهُ وهو مُحْرِمٌ؟ فَوَضعَ أبو أيُّوبَ -رضي الله عنه- يدَهُ على الثوبِ فَطَأْطَأَهُ، حتَّى بَدَا لي رأسُهُ، ثم قال لإنسانٍ يَصُبُّ: اصْبُبْ، فَصَبَّ على رأسِهِ، ثم حرَّكَ رأسهُ بيديْهِ، فَأَقْبَلَ بهما وأَدْبَرَ، ثم قال: هكذا رَأَيْتُهُ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يفعلُ».
رواه البخاري برقم: (1840) ومسلم برقم: (1205) واللفظ له، من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بالأَبْوَاءِ»:
قرية من عمل الفُرْع مِن عمل المدينة، بينها وبين الجُحْفة مما يلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون ميلًا، قال بعضهم: سُميت بذلك لما فيها من الوباء، ولو كان كما قال لقيل: الأوباء، أو يكون مقلوبًا منه، وبه تُوفيت أُم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والصحيح أنها سُميت بذلك لتبَوُّؤِ السيول بها، قاله ثابت (السرقسطي). مطالع الأنوار، لابن قرقول (1/ 367).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«بالأَبْوَاء» بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جبل قرب مكة، وعنده بلدة تُنسب إليه، قيل: سُمِّي بذلك لوبائه، وهو على القلب وإلا لقيل الأوباء، وقيل: لأن السيول تتَبَوَّؤُه، أي: تحلُّه. شرحه على الموطأ (2/ 334).
«القَرْنَيْن»:
القرنان: قرنا البِئْر، وهما منارتان تُبْنَيان من حجارة أو مدَرٍ على رأس البِئْر من جانبها، ويلقى عليهِ الخشب. غريب الحديث، لابن قتيبة (2/ 220).
وقال ابن السيد البطليوسي -رحمه الله-:
«القرنان» منارتان تُبنيان على رَأس الْبِئْر من حِجَارَة، وتُعرض عليها خَشَبَة تُسمَّى النَّعامة تعلَّق منها البَكَرة. مشكلات موطأ مالك بن أنس (ص: 130).
شرح الحديث
قوله: «عنْ عبدِ اللهِ بنِ عباس، والمِسور بنِ مَخْرَمَةَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أن ابن عباس» في رواية ابن جريج عند أبي عوانة: «كنتُ مع ابن عباس والمسور». فتح الباري (4/ 56).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الْمِسْوَر» بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو وبالراء «ابن مخرمة» بفتح الميم والراء وسكون المعجمة. الكواكب الدراري (9/ 47).
قوله: «أنَّهما اختلفا بالْأَبْوَاءِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «أنهما اختلفا» في تأويل المصدر، بدل عن المجرور قبله؛ أي: عن اختلافهما، وفي رواية البخاري من رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك: «أنَّ عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا...» إلخ، وفي رواية ابن جريج عند أبي عوانة: «كنتُ مع ابن عباس والمسور». البحر المحيط الثجاج (22/ 379).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلاف ابن عباس والمسور لم يكن في جواز أصل غسل الرأس؛ لأنه من المعلوم عندهما وعند غيرهما: أنَّه يغتسل من الجنابة إنْ أصابته، ويغتسل لدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وإنما كان الاختلاف بينهما في كيفيته، فهل يدلكه أو لا يدلكه؟ لأنه يخاف منه قتل الهوام، وإنتاف الشعر من رأسه وجسده، وإزالة الشعث، ولإمكان هذه الأمور مَنَع منه المسور، ولم يلتفت ابن عباس إلى إمكان تلك الأمور؛ لأنه إذا ترفَّق في ذلك سلِم مما يُتقى من تلك الأمور، وقد كان ابن عباس علِم ذلك من حديث أبي أيوب؛ ولذلك أحال عليه، وأرسل إليه، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 291).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«اختلفا» وهما نازلان «بالأبواء». شرحه على الموطأ (2/ 334).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اختلفا» في جواز غسل المحرم رأسه وبدنه، والحال أنهما نازلان «بالأبواء». الكوكب الوهاج (13/ 374).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
الأبواء:... موضع بين مكة والمدينة، يقع شرقي قرية مستورة بنحو ثلاثة كيلو مترات، وسَيل الأبواء ومستورة واحد، وما تزال الأبواء معروفة بهذا الاسم حتى الآن. تيسير العلام (ص: 416).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بالأبواء» وفي رواية ابن عيينة: «بالعَرْج» وهو بفتح أوله وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء. فتح الباري (4/ 56).
قوله: «فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«فقال ابن عباس» -رضي الله عنهما-: «يغسل المحرم رأسه» أي: له ذلك بلا حرج عليه فيه. كشف اللثام (4/ 346).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يغسل المحرم رأسه» إن شاء. شرح سنن أبي داود (8/ 433).
وقال البغوي -رحمه الله-:
يجوز للمحرم الاغتسال، ودخول الحمام، ودخول الماء، وتغييب رأسه فيه عند عامة العلماء، روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب: «تعال أُباقيكَ في الماء أيُّنا أطول نفَسًا» ونحن محرمون، ودخل ابن عباس حمامًا بالجحفة وهو محرم، وقال: ما يعبأ الله بأوساخنا شيئًا. شرح السنة (7/ 255).
قوله: «وقال المِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحْرِمُ رأسهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وقال المسور» -رضي الله عنه-: «لا يغسل المحرم رأسه» الظاهر أنه قال ذلك اجتهادًا منه؛ لأنه ربما يتسبب في انتتاف شعره فخشية؛ لذلك قال: «لا يغسل». البحر المحيط الثجاج (22/ 379).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«وقال المسور» بن مخرمة -رضي الله عنهما-: «لا يغسل المحرم رأسه» وهذا الحديث دليل على جواز التناظر في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها إذا غلب على ظن المختلفين فيها حكم. كشف اللثام (4/ 346).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
كأنّ المسور خشي من ذلك قتل الهوام، وإلقاءها بحركة اليد عن الرأس؛ وذلك مما لا يؤمَن مِن صب الماء عليه لو لم يحرك، فهما سواء، ودل كلامهم أن اختلافهم إنما هو في التحريك للشعر لا في صب الماء، أو في اغتسال التّبرُّد أو الغسل؛ إذ لا خلاف في غسل رأسه من الجنابة.
واختُلف في غسله تبردًا وغسل رأسه بالماء، فجمهور العلماء على إجازته، كما قال عمر: «لن يزيده الماء إلا شعثًا»، واختلف في التأويل على مذهب مالكٍ في غسل رأسه بالماء لغير جنابة، فقيل عنه مثل هذا، وقيل: كراهته، إلا أنه كره غمس رأسه في الماء، إما لأنه بتحريك يده عليه في غسله أو في غمسه قد يقتل بعض ما فيه من الدواب، وقد يتساقط بحركة يده عليه بعضُ شعره، وقيل: لعله رآه من باب تغطية الرأس، واختلف أصحابه في ذلك، وفي الفدية على فاعله، وأجاز مالك غسل جسده من غير تدلك، واختلفوا في غسل المحرم رأسه بالخطمي (نبات يغسل وينظف به الرأس) والسدر، ففقهاء الأمصار على كراهية ذلك له، ومالك وأبو حنيفة يريان عليه إن فعل فدية، ولم ير عليه غيرهما فدية، وروي عن بعض السلف إباحةُ ذلك لمن كان ملبّدًا. إكمال المعلم (4/ 219).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
لعل المسور إنما أَنكره خشيةً من قتل الدَّواب في الرأس، وإزالة الشَّعث، وليس في إمرار اليد على الرأس قتل لها ولا إزالتها عن موضعها إلا في مثل ما في الصب عليها. التوضيح (12/ 434).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
الظن بهما أنهما لا يختلفان إلا ولكل منهما مستند. إكمال إكمال المعلم (3/318).
قوله: «فأرسلني ابنُ عباسٍ إلى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ أَسأله عن ذلك»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«قال» عبد الله بن حنين: «فأرسلني» عبد الله «بن عباس» -رضي الله عنهما- «إلى أبي أيوب» خالد بن زيد «الأنصاري» -رضي الله عنه-، وفيه: دليل على الرجوع إلى مَن يُظن به أن عنده علمًا فيما اختلف فيه. كشف اللثام (4/ 346).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب»... حالة كوني «أسأله» أي: أسأل أبا أيوب «عن ذلك» الحكم، أي: عن حكم غسل المحْرِم رأسه هل يجوز أم لا؟ الكوكب الوهاج (13/ 374).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلى أبي أيوب» زاد ابن جريج فقال: «قل له: يقرأ عليك السلام ابن أَخيك عبد الله بن عباس، ويسألك». فتح الباري (4/ 56).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في إرساله عبد الله بن حنين أنَّ الصاحب ينقل عن التابعي. التوضيح (12/ 434).
قوله: «فوجدته يغتسل بينَ القَرْنين، وهو يَسْتَتِرُ بثوبٍ»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«قال» عبد الله بن حنين: «فوجدته» أي: أبا أيوب، وفي الكلام طيٌّ، تقديره: فأرسلني إليه، فذهبتُ إلى أبي أيوب، فوجدته «يغتسل» في حال إحرامه، وهو واقف «بين القرنين». كشف اللثام (4/ 346).
وقال السفاريني -رحمه الله- أيضًا:
«وهو» -يعني: أبا أيوب- «يُسْتَر» بضم المثناة تحت على صيغة ما لم يسمّ فاعله؛ أي: يستره مَنْ عنده «بثوب» من أعين الناظرين، وهذا من الاتفاقات الغريبة أنْ يرسل إليه؛ ليستعلم عن الغسل فيوجد متلبسًا بما يُراد أنْ يُستعلم عنه. كشف اللثام (4/ 346).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قوله: «بين القرنين» يريد العمودين اللَّذين فيهما الخشبة التي يعلَّق عليها البَكَرة، ويقال: قرنا البئر: منارتان تُبنيان من حجارة أو مدَرٍ على رأس البئر من جانبيها، فإن كانتا من خشب فهما زُرنوقان. شرح السنة (7/ 255).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بين القرنين» أي: قرنَي البئر...، وهما العُودان أي: العمودان المنتصبان لأجل عود البَكَرة. فتح الباري (4/ 56).
قوله: «قال: فَسلَّمْتُ عليه، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ اللهِ بنُ حُنين»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فسلمتُ عليه» فيه دليلٌ على جواز السلام على المتطهر والمتوضئ بخلاف مَن هو على الحدَث، وحديثه معه وسلامه عليه وهو بتلك الحال؛ لأنه كان مستورًا بثوب كما جاء في الحديث. إكمال المعلم (4/ 219).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«فسلَّمتُ عليه» قال عياض والنووي وغيرهما: فيه جواز السلام على المتطهر في حال طهارته بخلاف من هو على الحدث، وتعقَّبه الولي العراقي بأنه لم يصرح بأنه رد عليه السلام، بل ظاهره أنه لم يُرد؛ لقوله: «فقال: مَن هذا؟» بفاء التعقيب الدالة على أنه لم يفصل بين سلامه وبينها بشيء، فيدل على عكس ما استدل به، فإن قيل: الظاهر أنه رد السلام، وترك ذِكره لوضوحه، فإنه أمرٌ مقرَّر لا يحتاج إلى نقل وقوعه، وأما الفاء فهي مثل قوله تعالى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} الشعراء: 63، أي: فضرَبَ فانفلق، فالانفلاق معقِّب للضرب لا للأمر بالضرب، وإن لم يصرح به في الآية، ويدل على ذلك هنا: أنه لم يذكر رد السلام على المسيء صلاته في أكثر الطرق، وفي بعضها أنه رد عليه، قلتُ: لما لم يصرح بذكر رد السلام احتمل الرد وعدمه، فسقط الاستدلال للجانبين، انتهى، وفيه وقفة. شرحه على الموطأ (2/ 334).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فسلمتُ عليه» فيه: أنه يشرع السلام على مَن يغتسل؛ ولذا لم ينكر عليه أبو أيوب، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة أم هانئ -رضي الله عنها- أنها قالت: «ذهبتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح، فوجدتُه يغتسل -وفاطمة ابنته تستره-، قالت: فسلمتُ عليه، فقال: مَن هذه؟...» الحديث. البحر المحيط الثجاج (22/ 379).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فسلمتُ عليه، فقال: من هذا؟» أي: بعد أن رد السَّلام... كشف اللثام (4/ 346).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: مَن هذا؟» فيه دليل على استفهام المسلِّم عن اسمه إذا لم يعرفه؛ ليخاطبه على ما يليق به؛ لأن كل أحد له خطاب يليق به، «قلتُ: أنا» فيه قول الإنسان: أنا، إذا لم يقصد به تعظيم نفسه، بخلاف قول مَن كرهه؛ لأن "أنا" أول مَن قالها إبليس وحصل له ما حصل، «عبد الله بن حُنين» له أن يسمي نفسه بما يُعرف به من كنية أو لقب أو اسم. شرح سنن أبي داود (8/ 433).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
«فقلتُ: أنا عبدُ اللَّه بنُ حُنينٍ» هو مولى العباس بن عبد المطَّلب، ويقال: مولى عليِّ بن أبي طالبٍ، الهاشميُّ. رياض الأفهام (4/ 84).
قوله: «أَرْسَلَنِي إليك عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ؛ أَسألك كيف كان رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَغْسِلُ رأسَهُ وهو مُحْرِمٌ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أرسلني إليك عبد الله بن عباس» حالة كوني «أسألك كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغسل رأسه وهو محرم؟». الكوكب الوهاج (13/ 375).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كيف كان...» إلخ، لا يخلو عن إشكال؛ لأن الاختلاف بينهما كان في أصل الغسل لا في كيفيته، فالظاهر أن إرساله كان للسؤال عن أصله، إلا أن يقال: إرساله ليسأله عن الأصل والكيفية، على تقدير جواز الأصل معًا، فلما علم جواز الأصل بمباشرة أبي أيوب سكت عنه، وسأل عن الكيفية، لكن قد يقال: محل الخلاف هو الغسل بلا احتلام، فمن أين علم بمجرد فعل أبي أيوب جواز ذلك؟ إلا أن يقال: لعله علم ذلك بقرائن وأمارات، والله أعلم. كفاية الحاجة (2/ 219).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث دليل على أنَّ ابن عباس قد كان عنده في غسل المحرم رأسه -والله أعلم- عِلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَنبأه ذلك أبو أيوب أو غيره، ألا ترى أن قول عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب: «أرسلني إليك ابن عباس؛ أسألك كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغسل رأسه وهو محرم؟» ولم يقل: هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغسل رأسه وهو محرم؟ فالظاهر أنه كان عنده من ذلك عِلم. الاستذكار (4/ 9).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: ويحتمل أنْ يكون عبد الله بن حُنين تصرف في السؤال لفطنته، كأنه لما قال له: سَله هل يغتسل المحرم أو لا؟ فجاء فوجده يغتسل فَهِم من ذلك أنه يغتسل، فأحب أن لا يرجع إلا بفائدة، فسأله عن كيفية الغسل، وكأنه خص الرأس بالسؤال؛ لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محل الشعر الذي يُخشى انتتافه، بخلاف بقية البدن غالبًا. فتح الباري (4/ 56).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الخلاف إنما هو في غير الجنب، فإنه مجمَع على وجوب الغسل عليه.
فإنْ قلتَ: ترجم على الاغتسال، وحديث الباب إنما ورد على غسل الرأس.
قلتُ: الرأس هو الذي يكون أشعث أغبر، والذي ينقلع شعره.
فإنْ قلتَ: النزاع كان في أصل الغسل، والسائل سائل عن كيفيته.
قلتُ: لما وجده يغتسل لم يكن للسؤال عن نفس الغسل وجه، فاستفاد به علمًا آخر. الكوثر الجاري (4/ 216).
قوله: «فوضع أبو أيُّوبَ -رضي الله عنه- يدَهُ على الثوب فطَأطَأه، حتَّى بَدَا لي رأسُهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب» الذي يستتر به «فطأطأه» أي: خفضه «حتى بدا» بألفٍ ساكنة دون همزة، أي: ظهر «لي رأسه» ورأيتُه كيف يصنع. شرح سنن أبي داود (8/ 433).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فطأطأه» أي: أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة: «جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرتُ إليه» وفي رواية ابن جريج: «حتى رأيتُ رأسه ووجهه». فتح الباري (4/ 56).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فَطَأْطَأَهُ حتَّى بَدَا لي رأسُهُ» إنما فعل ذلك ليحصل له عين اليقين، ويطَّلع على الكيفية. الكوثر الجاري (4/ 216).
قوله: «ثم قال: لإنسانٍ يَصُبُّ: اصْبُبْ، فَصَبَّ على رأسِهِ، ثم حرَّكَ رأسَهُ بيدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بهما وأَدْبَرَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم قال لإنسان يصبُّ» وفي رواية النسائي: «يصب على رأسه» والجملة في محل جر صفة لـ«إنسان»، ومقول القول قوله: «اصبب، فصبَّ» ذلك الإنسان الماء «على رأسه» أي: على رأس أبي أيوب -رضي الله عنه- «ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر» أي: ذهب بيديه إلى جهة قدَّامه، ثم ردهما إلى ورائه؛ مبالغة في وصول الماء إلى البشرة، وفي رواية ابن جريج: «فأمر أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا، على جميع رأسه، فأقبل بهما وأدبر». البحر المحيط الثجاج (22/ 379).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لإنسان» لم أقف على اسمه. فتح الباري (4/ 56).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«ثم حرك» أبو أيوب «رأسه بيديه» بالتثنية «فأقبل بهما وأدبر» فدل على جواز ذلك ما لم يؤدِّ إلى نتف الشعر، والبيان بالفعل وهو أبلغ من القول. شرحه الزرقاني على الموطأ (2/ 334).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ثم قال لإنسان يصبُّ: اصْبُبْ فصب» دليل على جواز الاستعانة بالصاحب والخادم في الطهارة، وقوله: «ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر» يدل لابن عباس على صحة ما ذهب إليه: من أن المحرم يغتسل، ويغسل رأسه، ويدلكه وعليه الجمهور، وقد روي عن مالك كراهية ذلك لغير الجنابة؛ وذلك لما ذكر آنفًا.
وفيه: دليل لمالك على اشتراط التدلك بالغسل؛ لأنه لو جاز الغسل بغير تدلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له ترك التدلك.
وفيه: دليل على أنَّ حقيقة الغسل لغة لا يكفي فيه صب الماء فقط، بل لا بدَّ من الدلك، أو ما يتنزل منزلته. المفهم (3/ 291).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ثم قال» أي: أبو أيوب: «هكذا رأيتُه» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- «يفعل» زاد ابن عيينة: «فرجعتُ إليهما فأخبرتُهما». فتح الباري (4/ 56).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا لحاجة، «قال: فصب على رأسه» فيه: استحباب البدأة في الغسل بأعالي البدن، وهو الرأس، ثم الشق الأيمن، ثم الأيسر، وعدَّه بعضهم من الآداب، «ثم حرك أبو أيوب رأسه بيده» يوضح هذا رواية مسلم: «فأمرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا على جميع رأسه» أي: إمرارًا لطيفًا، بحيث لا ينتتف شيء من الشعر؛ ليصل الماء إلى أصول شعره، «فأقبل بهما وأدبر» أي: مرة واحدة لإطلاقه. شرح سنن أبي داود (8/ 433).
قوله: «ثم قال: هكذا رَأيته -صلَّى الله عليه وسلَّم- يفعلُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم قال» أي: أبو أيوب -رضي الله عنه-: «هكذا رأيتُه -صلى الله عليه وسلم- يفعل» وفي رواية النسائي: «هكذا رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل» زاد في رواية ابن جريج التالية: «فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا»، وفي رواية ابن عيينة عن زيد: «فرجعتُ إليهما، فأخبرتُهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا» أي: لا أجادلك. البحر المحيط الثجاج (22/ 379).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ثم قال: هكذا رأيتُه يفعل» استدل به مالك على اشتراط الدلك في الغسل، قال: لأنه لو جاز الغسل بغير دلك لكان المحرم أحق بأن يجاز له ترك التدلك، وقد اتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وحده عن الجنابة، بل هو واجب عليه، وأما غسله تبردًا فمذهبنا (الشافعية) ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، ويجوز عندنا غسل رأسه بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرًا، ولا فديةَ عليه ما لم ينتف شعرًا، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام يوجب الفدية. شرح سنن أبي داود (8/ 433).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
فيه: جواز دَلك شعر المحرم بيده إذا أَمن تناثره. كشف اللثام (4/ 346).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فقال لإنسان يصب، فصَّب على رأسه، فحرك رأسه بيديه» حجة في أن معلِّم الطهارة إذا نوى معها التطهير لا يضره. إكمال المعلم (4/ 219).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه؛ فذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك، ورويت الرخصة في ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر، وعليه الجمهور، وحجتهم: حديث أبي أيوب، وكان مالك يكره ذلك للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من الاحتلام، قال مالك: فإذا رمى جمرة العقبة فقد حَل له قتل القمل، وحلق الشعر، وإلقاء التفث، وهو الذي سمعته من أهل العلم، وروي عن سعد بن عبادة مثل قول مالك، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان؛ مخالفة لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إن غمس رأسه في الماء أطعم؛ خوفًا من قتل الدواب، ولا يجب الفداء إلا بيقين، وغير ذلك استحباب، ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه للحَرِّ يجده، قال أشهب: غمس المحرم رأسه في الماء وما يخاف في الغمس ينبغي أن يخاف مثله في صب الماء على الرأس من الحَرِّ، وقد قال عمر بن الخطاب ليعلى بن منبه حين كان عمر يغسل رأسه ويعلى يصب عليه: «اصبب فلن يزيده الماء إلا شعثًا» يعني: إذا لم يغسل بغير الماء، ألا ترى فعل أبي أيوب حين صب على رأسه الماء حركه بيديه، ولم ير ذلك مما ذهب الشعث؟ ومثله قوله -عليه الصلاة والسلام- لعائشة: «انقضي رأسك في غسلك وامتشطي» أي: امشطيه بأصابعك وخلّليه بها؛ فإن ذلك لا يُذهب الشعث، وإنَّ شعثه لا يمنعك من المبالغة في غسل رأسك؛ لأن الماء لا يزيده إلا شعثًا، فابن عباس أفقه من المسور؛ لموافقته النبيّ -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، قاله أبو عبد الله بن أبي صفرة.
وأما إن غسل رأسه بالخطمي والسدر: فإن الفقهاء يكرهون ذلك، هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية، وقال أبو ثور: لا شيء عليه، وقد رخص عطاء وطاوس ومجاهد لمن لبّد رأسه فشقَّ عليه الحلق أن يغسله بالخطمي حتى يلين، وكان ابن عمر يفعل ذلك، قال ابن المنذر: وذلك جائز؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يغسلوا الميت المحْرِمَ بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجتنب الحيّ، فدل ذلك على إباحة غسل رأس المحْرِم بالسدر، والخطمي في معناه، وأجاز الكوفيون والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق للمحرم دخول الحمام، وقال مالك: إن دخل الحمام فتدلَّك وأنقى الوسخ فعليه الفدية. شرح صحيح البخاري (4/ 511).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن الحجة في قول أحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من الكتاب أو السُّنة، كما نزع أبو أيوب بالسُّنة، ففلج (يُقال: فلج بحاجته وبحجته: أحسن الإدلاء بها، فغلب خصمه) ابنُ عباس المسورَ.
وفيه من الفقه: التناظر في المسائل والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها. شرح صحيح البخاري (4/ 511).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هذا الحديث مسوق: لبيان جواز اغتسال المحرم للجنابة والتنظف والتبرد، وأن يغتسل بالسدر والخطمي، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، حتى إن اغتسل بهما وجبت عليه الفدية.
قال الشافعي: إن كان يريد الاغتسال لتبرُّد أو تنظُّف لم يحرِّك شعره بيده وإن كان للجنابة أحببتُ أن يغسله ببطون أنامله، ولا يحرِّك شعره بأظفاره، ويخلل الماء في أصول شعره تخليلًا رقيقًا، فإن حركه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا فخرج في يده من الشعر شيء فالاختيار أن يفديه، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قطعه أو نتفه؛ لأنه قد ينتف ويتعلق بين الشعر، فإذا مس أو حرك خرج وسقط، قال: وذلك هكذا في لحيته. الشافي (3/ 339).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وهو يستتر» فيه دليل على استحباب الستر في حال الاغتسال بأن يكون في موضع يستره، أو يلقي ساترًا يستره، أو يستنيب من يستره «بثوب» أو غيره. شرح سنن أبي داود (8/ 433).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«وهو يستتر بثوب» وفيه: ستر المغتسل بثوب ونحوه، والبداءة بالسلام عليه وإن كان في حالة تجتنب مكالمته، ويُغض البصر عنه، وأرسله للعلم بالغسل فسأل عن الكيفية؛ لأنه ناشئ عن الغسل، ولعل اختلافهما كان في غسل التطوع، أو فيما زاد على الفرض من إمرار اليد. التوضيح (12/ 434).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره، بحيث لا ينتف شعرًا.
ومنها: قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة -رضي الله عنهم-.
ومنها: الرجوع إلى النص عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص...
ومنها: جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأَولى تركها إلا لحاجة. المنهاج شرح مسلم (8/ 126).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
الحديث يشتمل على فوائد:
منها: جوازُ المناظرة في مسائل الاجتهادِ والاختلافِ؛ إذا غلبَ على ظنِّ المختلفين فيها حكمٌ...
ومنها: جوازُ غسلِ المحرمِ رأسَه بالماء القَراح، قال أصحابنا (المالكية): فإن غسل رأسَه بخطميٍّ ونحوه مما يُحَسِّنُ الشعرَ افتدى، إلا أن تكون له وَفْرَةٌ، فالأمر فيه خفيف، وبذلك قال أبو حنيفة، وأجاز ذلك الشافعيةُ بحيث لا ينتفُ شعرًا. رياض الأفهام (4/ 84).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفوائد:
مناظرة الصحابة في الأحكام، ورجوعهم إلى النصوص، وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيًّا، وأن قول بعضهم ليس بحجة على بعض...
وفيه: اعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا.
وفيه: استتار الغاسل عند الغسل، والاستعانة في الطهارة، وجواز الكلام والسلام حالة الطهارة، وجواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أَمِنَ تناثره، واستدل به القرطبي على وجوب الدلك في الغسل، قال: "لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه"، ولا يخفى ما فيه، واستدل به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باقٍ على استحبابه خلافًا لمن قال: يكره، كالمتولي من الشافعية؛ خشية انتتاف الشعر؛ لأن في الحديث: «ثم حرك رأسه بيده» ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب، والتحقيق: أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض، قاله السبكي الكبير، والله أعلم. فتح الباري (4/ 56).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
فيه: الجواب والبيان بالفعل، وهو أبلغ من القول.
وفيه: وجوب الإذعان للحق إذا ظهر، والخبر النبوي إذا ثبت واشتهر، وهي زبدة المناظرة، وثمرة المجادلة والمحاورة.
ومحل الدليل من الحديث ظاهر، وهو: جواز غسل المحرم رأسه وبدنه.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي عمر ونحن محرمون بالجُحْفة: «تعال أباقيك أينا أطول نفَسًا في الماء؟» رواه سعيد. كشف اللثام (4/ 346).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في أحكامه:
• الرجوع إلى النص عند الاجتهاد والاختلاف.
• ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص وهو إجماع.
• جواز تحريك اليد على الرأس حال الغسل للمحرم إذا لم يؤد إلى نتف الشعر.
• أن الإِنسان إذا كان عنده علم من الشيء ووقع فيه اختلاف لا بأس أن يراجع غيره فيه ممن عنده علم به؛ لأن سؤال ابن عباس عن كيفية غسل النبي -صلى الله عليه وسلم- يُشعر بأنه كان عنده علم به؛ إذ لا يحسن السؤال عن كيفية الشيء إلاَّ بعد العلم بأصله...
• جوار اغتسال المحرم في رأسه وجسده، وهو مجمع عليه إذا كان الغسل واجبًا من جنابة أو حيض ونحوهما، وأما إذا كان لمجرد التبرد فمذهب الشافعي والجمهور: جوازه من غير كراهة، وجوَّز أصحاب الشافعي الغسل بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرًا ولا فدية عليه؛ لأن ذلك لإِزالة الأوساخ بخلاف الدهن ذاته، نعم الأولى أن لا يفعل.
• أنه لا يكره أنْ يقول: "أنا" إذا أضاف إليه الاسم بخلاف ما إذا أفرد "أنا". الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (6/303 - 307).
وقال ابن عبد البر رحمه الله- متممًا:
وهذا يُبيِّن لك أنَّ قوله -عليه السلام-: «أصحابي كالنجوم» هو على ما فسره المزني وغيره وأنَّ ذلك في النقل؛ لأن جميعهم ثقات عدول، فواجب قبول ما نَقل كل واحد منهم، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم واجتهادهم إذا اختلفوا لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم وأنا نجم، فلا عليك، وبأينا اقتدى المقتدي فقد اهتدى؛ ولما احتاج لطلب البينة والبرهان من السُّنة على صحة قوله، وكذلك سائر الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا اختلفوا حكمهم كحكم ابن عباس والمِسور، وهم أول مَن تلا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} النساء: 59. الاستذكار (4/ 7).