أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «نحرْتُ ها هنا ومِنًى كلُّها مَنْحَرٌ، فانحروا في رحالِكم، ووقفتُ ها هنا وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ، ووقفتُ ها هنا وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ».
رواه مسلم برقم: (1218)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
ولأحمد برقم: (14498) وأبو داود برقم: (1937) وابن ماجه برقم: (3048): «وكُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ طريقٌ ومَنْحَرٌ».
صحيح الجامع الصغير برقم: (4536)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2464).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«نحرْتُ»:
النَّحْر: مجَال القلادة من الصَّدْر، ومِنْه اشتقاق: نحرتُ الْبَعِير؛ لأنك تطعنه في نَحره. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 525).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
النحر للإبل في اللُّبة، والذبح لغيرها في الحَلْق. إرشاد الساري (8/ 282).
«ومِنًى»:
اسم موضع في مكة، والغالب عليه التذكير، فيُصْرَف. المصباح المنير، للفيومي (2/ 582).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«مِنى» بكسر الميم مقصور مَعْلُوم، وحدوده من الْعقبَة إلى محسِّر، وسمي بذلك لما يُمنى فيها من الدِّمَاء، أي: تُراق، وَقيل: لأن آدم تمنَّى بهَا الجنَّة. مشارق الأنوار (1/ 393).
«رِحالِكم»:
منازلكم التي فيها الرِّحال. تقويم اللسان، لابن الجوزي (ص: 75).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يعني: الدُّورَ والمساكن والمنازل، وهي جمعُ رَحْلٍ، يُقالُ لمنزل الإنسان ومسكنه: رَحْلُهُ، وانْتَهَيْنا إلى رِحَالِنَا أي: مَنازِلنا. النهاية (2/ 209).
«عَرَفَةُ»:
عرفة وعرفات: موضع بمكة معرفة، كأنهم جعلوا كل موضع منها عرفة...، قيل: سميت عرفة لأنَّ الناس يتعارفون بها، وقيل: سمي عرفة لأنّ جبريل -عليه السلام- طاف بإبراهيم -صلى الله على محمد وعليه-، فكان يريه المشاهد، فيقول له: أعرفتَ أعرفتَ؟ فيقول إبراهيم: عرفتُ عرفتُ، وقيل: لأن آدم -صلى الله عليه وسلم- لما هبط من الجنة، وكان مِن فراقه حواء ما كان، فلقيها في ذلك الموضع عرفها وعرفته. المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (2/ 113).
«جَمْعٌ»:
عَلَم للمُزدلفة، سُمِّيَتْ به؛ لأن آدمَ -عليه السلام- وحواء لما أهْبِطَا اجتمعا بها. النهاية، لابن الأثير (1/ 296).
«فِجاجِ»:
جَمْعُ فَجٍّ، وهو الطريق الواسِعُ. النهاية، لابن الأثير (3/ 412).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أنّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «نحرْتُ ها هنا ومِنًى كلُّها مَنْحَرٌ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«نحرتُ ها هنا» قال ابن التين: منحر النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى، والنحر فيه فضيلة على غيره، ولذلك كان (ابن) عمر يسابق إليه، وأخذ ابن التين تعيين هذا المكان من أثرٍ ذكره الفاكهي من طريق ابن جريج، عن طاوس: كان منحر النبي -صلى الله عليه وسلم- بمنى «ومنى كلها مَنْحَر» رواية الطحاوي: «وشِعَاب منى كلها منحر» فيه دليل على أنّ النحر يجزئ في جميع أراضي منى وشعابها بلا خلاف. شرح سنن أبي داود (8/ 644).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «نحرتُ ها هنا، ومنًى كلها مَنْحَر» يعني: أنه وإن كان قد نحر في ذلك الموضع المخصوص من منى، فالنحر واسع في كل مواضعها، وهو متفق عليه، وكذلك عرفة ومزدلفة، غير أن توخِّي موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَنْحَره أولى تبركًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وبآثاره. المفهم (3/ 343).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
أما حدودها (منى) فهي: الحدّ الغربي: هو جمرة العقبة، والحد الشرقي: وادي محسِّر الفاصل بينها وبين مزدلفة، قال عطاء بن أبي رباح: منى من العقبة إلى محسِّر، أما حدها الجنوبي والشمالي: فهو الجبلان المستطيلان من جانبيها، فالشمالي منهما ثبير الأثبرة (أي: كبيرها) والجنوبي منهما الصابح، وفي سفحه مسجد الخيف، فيما أدخلت هذه الحدود الأربعة فهو منى، قال بعض العلماء: ما أقبل على منى من وجوه هذه الجبال فهو منها، وما أدبر فليس منها. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 131- 132).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«المنحر» موضع نحر الإبل، يعني: لا يختصّ نحر الهدي بالمكان الذي نحرتُ فيه، بل يجوز نحر الهدي في أي موضع كان من أرض الحرم، فمنى كلها من أرض الحرم.
وكل دم وجب على المحرم وجب ذبحه في الحرم، ويفرق لحمه على مساكين الحرم؛ فإن ذبح خارج الحرم فأصح القولين: أنه لا يجوز، وفي قول: يجوز، ولكن يجب تفريق اللحم على مساكين الحرم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 298).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «منى كلها منحر» يفيد أنه لا نحر إلا في منى، ولكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، فلو نحر الإنسان في مكة فلا بأس، وقد جاء في الحديث: «فجاج مكة طريق ومنحر»، أما في الحلّ فلا، فلو ذبح الإنسان هديه في عرفة ولو في يوم العيد، فإنه لا يجزئ على ما قاله أهل العلم، فلا بدّ أن يكون النحر في الحرم. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 411).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
السُّنة النحر بمنى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نَحَر بها، وحيث نحر من الحرم أجزأه؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كل مِنى مَنْحر، وكل فجاج مكة مِنحر وطريق» رواه أبو داود. المغني (5/ 302)
قوله: «فانحروا في رحالِكم»:
قال النووي -رحمه الله-:
المراد بالرحال: المنازل، قال أهل اللغة: رَحْلُ الرجل: منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر، ومعنى الحديث: منى كلها منحر يجوز النحر فيها، فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منى. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 196).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فانحروا في رِحالكم»؛ توسعةً. إكمال المعلم (4/ 289).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فانحروا في رحالكم» فإن رحالهم كانت في منى...، والأمرُ بالنحر في الرحال ليس إلَّا للإباحة للرفق بهم والسهولة. بذل المجهود (7/ 400).
وقال عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي -رحمه الله-:
وظاهره: أنّ نحره في ذلك المكان وقع عن اتفاق، لا لشيء يتعلق بالنُّسك، ومنزله بين منحره ومسجد الخيف، ومنحره عند الجمرة الأولى. حاشية الروض المربع (4/ 156)
قوله في رواية: «وكُلُّ فِجاجِ مكة طريقٌ ومَنْحَرٌ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وكل فجاج» بكسر الفاء، جمع فجّ، وهو الطريق الواسعة «مكة طريق» أي: من سائر الجهات والأقطار التي يقصدها الناس للزيارة والإتيان إليها من كل طريق واسع، وهذا متفق عليه.
ولكن الأفضل الدخول إليها من الثنية العليا التي دخل منها النبي -صلى الله عليه وسلم-.
«ومنحَر» فيه: جواز النحر في الحج والعمرة حيث شاء من أرض الحرم، لكن السُّنة نحر الحاج بمنى؛ لأنها موضع تحلله. شرح سنن أبي داود (9/ 20).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وكل فجاج مكة طريق ومنحَر» يعني: من أي طرق مكة يدخل الرجل مكة جاز، وفي أي موضع ينحر الهدي من حوالي مكة في الطريق وغيرها جاز؛ لأنها من أرض الحرم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 300).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«وفجاج مكة كلها طريق ومَنْحَر» يعني: أنّ النحر عام في أي مكان من أرض الحرم، لكن الآن تغير الوضع، فصار الذبح في المجزرة فقط. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (3/ 476).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
المنحر في الحج بمنى إجماع من العلماء، وأما العمرة فلا طريق لمنى فيها، فمَن أراد أن ينحر في عمرته وساق هديًا يتطوع به، نحره بمكة حيث شاء منها، وهذا إجماع أيضًا لا خلاف فيه، يغني عن الإسناد والاستشهاد، فمَن فعل ذلك فقد أصاب السنة، ومَن لم يفعل ونحر في غيرهما فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب مالك إلى أن المنحر لا يكون في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة، ومَن نحر في غيرهما لم يجزئه، ومَن نحر في الحج أو في العمرة في أحد الموضعين أجزأه؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعلهما موضعًا للنحر، وخصّهما بذلك، وقال الله -عز وجل-: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} المائدة: 95، فلا بدّ من أن يبلغ به البيت، ومنى من مكة، وقال أبو حنيفة والشافعي: إنْ نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه، قالوا: وإنما لمكة ومنى اختصاص الفضيلة، والمعنى في ذلك الحرم؛ لأن مكة ومنى حرم، وقد أجمعوا أن مَن نحر في غير الحرم لم يجزئه. التمهيد (16/ 380- 381).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وقال -عليه السلام- في منى: «وفِجَاج منى كلها منحر» فصحّ أنه حيثما نحرت البدن، والإهداء من فجاج مكة ومنى -وهو الحرم كله- فقد أصاب الناحر، وأنه لا يجوز نحر البُدْنَ والهدي في غير الحرم إلا ما خصّه النصّ من هدي المحصَر، وهدي التطوع إذا عطب قبل بلوغه مكة. المحلى بالآثار (5/ 160).
وقال الزيلعي -رحمه الله-:
كل دم يجب على الحاج يختص بالحرم؛ لقول الله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه} البقرة: 196، وقوله تعالى: {مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 33، ولأن الهدي اسم لما يُهدى إلى مكان ولا مكان له غير الحرم فتعين له. تبيين الحقائق (2/ 90).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
والمراد بالبيت ههنا: الحرم كله؛ إذ معلوم أنها لا تُذبح عند البيت ولا في المسجد، فدل على أنه الحرم كله، فعبر عنه بذكر البيت؛ إذ كانت حرمة الحرم كله متعلقة بالبيت، وهو كقوله تعالى في جزاء الصيد: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} المائدة: 95، ولا خلاف أن المراد الحرم كله. أحكام القرآن (3/ 316).
وقال النووي -رحمه الله-:
الدماء الواجبة على المُحرم ضربان:
واجب على المحصَر بالإحصار أو بفعل محظور.
والضرب الثاني: واجب على غير المحصَر، فيختص بالحرم ويجب تفريقه على مساكين الحرم، سواء الغرباء الطارئون والمستوطنون، لكن الصَّرف إلى المستوطنين أفضل، وله أن يخص به أحد الصنفين نص عليه الشافعي واتفقوا عليه، وفي اختصاص ذبحه بالحرم خلاف حكاه المصنف وآخرون وجهين، وحكاه آخرون قولين: أصحهما، يختص، فلو ذبحه في طرف الحل ونقله في الحال طريًا إلى الحرم لم يجزئه، والثاني: لا يختص، فيجوز ذبحه خارج الحرم بشرط أن ينقله ويفرقه في الحرم قبل تغيير اللحم، وسواء في هذا كله دم التمتع والقِران وسائر ما يجب بسبب في الحل أو الحرم، أو بسبب مباح كالحلق للأذى، أو بسبب محرم وهذا هو الصحيح. المجموع(7/٤٩٩).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
وأظهر قولي أهل العلم أنه يلزمه ذبح الهدي في الحرم، وتفريقه في الحرم أيضًا، خلافًا لمن زعم جواز الذبح في الحل إن كان تفريق اللحم في الحرم. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (5/ 624).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هدي التمتع والقران لا يجوز ذبحه إلّا في الحرم، فإذا ذبحه في غير الحرم كعرفات وجدة وغيرهما فإنه لا يجزئه، ولو وزع لحمه في الحرم، وعليه هدي آخر يذبحه في الحرم سواء كان جاهلًا أو عالمًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر هديه في الحرم وقال: «خذوا عني مناسككم»، وهكذا أصحابه -رضي الله عنهم- إنما نحروا هديهم في الحرم؛ تأسيًا به -صلى الله عليه وسلم-. مجموع الفتاوى (18/ 31).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يقول أهل العلم: إن الواجب نحر هدي التمتع داخل حدود الحرم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 33، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر هديه في منى وقال: «لتأخذوا عني مناسككم»؛ ولأن هذا دم يجب للنسك، فوجب أن يكون في مكانه وهو الحرم، وعلى هذا فمن نحر خارج الحرم لم يجزئه الهدي وتلزمه إعادته في الحرم، ثم إن كان جاهلًا فلا إثم عليه، وإن كان عالمًا فعليه الإثم. مجموع الفتاوى (22/ 226).
قوله: «ووقفتُ ها هنا وعرفةُ كلُّها مَوْقِفٌ»:
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ووقفتُ ها هنا» إشارة إلى عرفة، فإنْ قلتَ: إنما يُشار بـ«ها هنا» إلى المكان القريب الذي يكون المشير حالة الإشارة فيه، فكيف تصحّ هاتان الإشارتان في حالة واحدة (الإشارة الثانية في قوله: «ووقفتُ ها هنا وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ»)؛ إذ لا شك أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن إذ ذاك في ذينك المكانين؟
قلتُ: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون كلٌّ من الإشارتين صدرت عنه في الموضع المشار إليه.
والآخر: أن يكون مستحضرًا لصورة المكان الذي لم يكن فيه في خيال المخاطب، فأشار بذلك الاعتبار. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1987).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
الأول هو الأظهر، وأما على الثاني فالبقعة الواحدة إنما هي منى؛ لقوله: «نحرتُ»، والأوامر في الحديث للرخصة، وإلا فالأفضل متابعة السُّنة. مرقاة المفاتيح (5/ 1800).
وقال الدهلوي -رحمه الله- معلقًا:
الظاهر: أنّه قال كلًّا من هذه الكلمات في مكانه، فجمعها الراوي. لمعات التنقيح (5/ 355- 356).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ووقفتُ ها هنا» يعني: بمكانٍ عند الصَّخراتِ الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة بعرفة «وعرفة كلها موقف». فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص: 398).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما عرفات فحدها: ما جاوز وادي عُرَنة إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، هكذا نص عليه الشافعي وجميع أصحابه، ونقل الأزرقي عن ابن عباس أنه قال: حدُّ عرفات من الجبل المشرف على بطن عُرنة إلى جبال عرفات إلى وَصِيق (جبل) -بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وآخره قاف- إلى ملتقى وصيق وادي عرنة، وقيل في حدها غير هذا مما هو متقارب له.شرح صحيح مسلم (8/ 195- 196).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ووقفتُ ها هنا» يعني: عند الصخرات، «وعرفة كلها موقف» يصح الوقوف فيها، وقد أجمع العلماء على أنَّ مَن وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه، ولها أربعة حدود: حدٌّ إلى جادة طريق المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عُرنة بضم العين وبالنون، وليست هي ولا نمرة من عرفات، ولا من الحرم. نيل الأوطار (5/ 72).
قال ابن قدامة -رحمه الله-:
الوقوف (بعرفة) ركن، لا يتمّ الحجّ إلا به إجماعًا، وقد روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: أتيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمَن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تمّ حجّه» رواه أبو داود وابن ماجه. المغني (5/ 267- 268).
قوله: «ووقفتُ ها هنا وجَمْعٌ كلُّها مَوْقِفٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ووقفتُ ها هنا» أي: عند المشعر الحرام بمزدلفة، وهو البناء الموجود بها الآن «وجَمْع» أي: المزدلفة «كلها موقف» أي: إلا وادي محسِّر، قيل: «جَمْع» علم لمزدلفة؛ لاجتماع الناس فيه، وقيل: لاقترابها من منى، من الازدلاف: الاقتراب، والدال مبدَلة من التاء، كقوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} التكوير: 13، وقوله: {لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} الزمر: 3، أي: قربى. مرقاة المفاتيح (5/ 1800).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«وجمْعٌ كلها موقف» تعريف بتوسعة الأمر على أمَّته، وبيان لهم، «وجَمْعٌ» بفتح الجيم مُزدلفة، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، وقيل: لجمع العِشاءين بها، وهو المشعر الحرام، واستحبّ العلماء الوقوف بموضع وقوف النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن قدر عليه...، وقوله: «وجَمْعٌ كلها موقف» وفي رواية مالك: «وارتفعوا عن بطن محسِّرٍ»: اتفق العلماء أيضًا على الأخذ بهذا، وترك الوقوف بمزدلفة ببطن محسِّر، واستحبّوا الوقوف حيث المنارة، وحيث يقف الأئمة بين الجبلين، ومحسِّر ليس من المزدلفة. إكمال المعلم (4/ 289- 290).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ووقفتُ ها هنا» يعني: بالمشعر الحرام، وهو جبل صغير بآخر المزدلفة المسماة بجَمْع «وجَمْع كلها موقف». فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص: 398).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذه الألفاظ بيان رفق النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمته وشفقته عليهم في تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر لهم الأكمل والجائز؛ فالأكمل موضع نحره ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء المنحَر، وجزء من أجزاء عرفات، وجزء من أجزاء المزدلفة...، قال الشافعي وأصحابنا: يجوز نحر الهدي ودماء الحيوانات في جميع الحرم، لكن الأفضل في حق الحاجّ النحر بمنى، وأفضل موضع منها للنحر: موضع نحر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما قاربه، والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة؛ لأنها موضع تحلُّلِه كما أنّ مِنى موضع تحلل الحاجّ، قالوا: ويجوز الوقوف بعرفات في أي جزء كان منها، وكذا يجوز الوقوف على المشعر الحرام وفي كل جزء من أجزاء المزدلفة؛ لهذا الحديث، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 195- 196).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
فيه: أنه يسنّ للحاجّ أن ينحر بمنزله بمنى، وأنّ منى محل نحره، والمراد أنه فيها أفضل من سائر الحرم، وإلا فالحرم كُله منحر، وأفضل بقاعه منى، وأفضل بقاعها موضع نحر النبي -صلى الله عليه وسلم- وما قاربه.
وفيه أيضًا: أنَّ عرفة ومزدلفة كل منهما موقف، وأفضل بقاعها موضع وقوف النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص: 398)
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
1. استحباب نحر الهدي، أو ذبحه في منى، والمراد به دم التمتع والقِران والتطوع بهدي الحجّ، وأما دم العمرة ففضيلته في مكة، وأما الدم الواجب لترك نسك، أو فعل محظور فإن كان داخل الحرم، ففي مكان وجود سببه من الحرم، وإذا كان فعل المحظور خارج الحرم فحيث وجد أيضًا، ويجوز أيضًا في الحرم.
2. جواز ذلك في أي مكان من منى؛ حيث إن منى كلها منحر.
3. أنَّ جَمْعًا (مزدلفة) كلها موقف، ففي أي مكان من مزدلفة وقف الحاجّ أجزأه ذلك...
4. أنَّ جميع ميدان عرفة موقف، ففي أي مكان فيها وقف ودعا أجزأه ذلك، وصحّ حجّه...
5. إن تيسر الوقوف في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في عرفة ومزدلفة فهو أفضل، وإذا كان ذلك يشقّ فلا يستحبّ.
6. يُسْرُ الشريعة الإسلامية المطهرة وسماحتها، فلا تكليف ولا عنت ولا مشقة، وإنما مبناها السهولة واليسر.
7. أقامت الحكومة السعودية مسالخ فنية في أرض الحرم القريبة من منى، وبرادات فخمة؛ لحفظ لحوم الهدي والأضاحي؛ للاستفادة منه للمحتاجين على طول العام، وإرسال ما يجوز توزيعه خارج الحرم إلى الدول الإسلامية المتضررة. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 132- 133).