الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«‌كنتُ رديفَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بعرفاتٍ، فرفعَ يدَيهِ يدعُو، ‌فمالتْ ‌به ‌ناقتُهُ، ‌فسقطَ ‌خِطَامُها، قال: فتناولَ الخِطَامَ بإحدَى يديهِ، وهو رافعٌ يدَهُ الأخرى».


رواه أحمد برقم: (21821) والنسائي برقم: (3011) وابن خزيمة برقم: (2824)، من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-.
صحيح سنن النسائي برقم: (2817).  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«رَدِيفَ»:
الذي تَحْمِلُهُ خَلفَكَ على ظَهْرِ الدابة. المصباح المنير، للفيومي (1/ 224).
وقال أبو حفص النسفي -رحمه الله-:
والرَّدِيفُ: يَكُونُ خَلْفَ الرَّاكِبِ. طلبة الطلبة (ص: 28).

«عَرَفَاتٍ»:
عرفة وعرفات: موضع بمكة معرفة، كأنهم جعلوا كل موضع منها عرفة. المحكم، لابن سيده (2/ 113).

«الخِطَام»:
بكسر الخاء هو الحبل الذي يُقاد به البعير يُجعل على خَطْمِهِ (أنفه). شرح صحيح مسلم(2/ 229).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
خِطَامُ البعير: أن يؤخذ حبل من لِيفٍ أو شَعر أو كَتَّان فيُجعل في أحد طَرَفيه حَلْقة، ثُمَّ يُشَدّ فيه الطَّرف الأخر حتى يصير كالحَلْقَة، ثم يُقَاد البعير، ثم يُثْنَى على مَخْطِمِهِ (مَخْطِم: أنف). النهاية (2/ 50).


شرح الحديث


قوله: «كنتُ رديفَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بعَرَفَاتٍ »:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مُطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. البحر المحيط الثجاج (23/ 74).

قوله: «فرَفَعَ يدَيهِ يدعُو، ‌فمالَتْ ‌به ‌ناقتُهُ، ‌فسقطَ ‌خِطَامُها»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «فرفع يديه» فيه دليل على أنَّ عرفة من المواطن التي يُشرع فيها رفع اليدين عند الدعاء، فيخصص به عموم حديث أنس في صلاة الاستسقاء (أي: حديث «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرفع يديه في شيء مِن دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه»). نيل الأوطار (5/ 73).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وقوله: «وسقط خِطامها» ما يُجعل على خَطْمِ البعير، وهو مقدَّم أنفه وفمه، وجمعه خُطُم -بضمتين- مثل كتاب وكتب. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (25/ 354).
وقال ملا طيب بن عبد الله البحركي -رحمه الله-:
يُستفاد منه: تأكيد رفع اليدين عنـد الدعاء في غير الاستسقاء أيضًا. إرشاد المهتدين (ص: 159).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
ولمطلوبية الدعاء في هذا اليوم (يوم عرفة) استُحب الإفطار...، وإنْ كان صومه يُكفِّر سنتين. شرحه على متن الخرقي (2/ 205).

قوله: «قال: فتناول الخِطَامَ بإحدَى يدَيهِ وهو رافعٌ يدَهُ الأخرى»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «وهو رافع يده الأخرى» فيه دليل على أنَّ رفع إحدى اليدين عند الدعاء إذا مَنع مِن رفع الأخرى عذر لا بأس به. نيل الأوطار (5/ 73).
وقال النووي -رحمه الله-:
(فيه) ‌جواز ‌الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة.
وعلى جواز الارتداف مع أهل الفضل، ولا يكون ذلك خلاف الأدب. شرح صحيح مسلم (9/ 25).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(فيه)‌ جواز ‌الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وهو إجماع، وقد جمع ابن منده الإرداف في جزء فزاد على الثلاثين، ويحتمل الزيادة، فالارتداف للسادة الرؤساء سائغ، ولا سيما في الحج لتزاحم الناس، ومشقة الرحالة؛ ولأن الراكب فيه أفضل كما ستعلمه. التوضيح (11/ 14).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما رفع اليدين في القنوت فليس فيه نصّ، والذي يقتضيه المذهب أنه لا يرفع؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن: في الاستسقاء والاستنصار وعشية ‌عرفة. المجموع (3/ 493).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
وفيه: استحباب ‌رفع ‌اليدين ‌عند ‌الدعاء بعرفة، بحيث لا يجاوزان رأسه. الفتح الرباني (12/ 142).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ودلالة الحديث على الترجمة (وهي: باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة) واضحة؛ فإنه صريح في مشروعيّة رفع اليدين عند الدعاء بعرفة.
وفيه: أنه لا بأس بتناول شيء بإحدى يديه، إذا اضطرّ إلى ذلك، وتبقى الأخرى مرفوعة، واللَّه تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (25/ 354).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
والأفضل أن يقف راكبًا على بعيره (في دعاء يوم عرفة) كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن ذلك أعون له على الدعاء، قال أحمد -حين سُئل عن الوقوف راكبًا- فقال: النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على راحلته، وقيل: الراجل أفضل؛ لأنه أخف على الرَّاحلة، ويحتمل التسوية بينهما. المغني (5/ 267).
وقال النووي -رحمه الله-:
ويُستحب أنْ يرفع يديه...، وهل الأفضل أن يكون راكبًا أم لا؟ فيه قولان، قال في الأم: النازل والراكب سواء.
وقال في القديم والإملاء: الوقوف راكبًا أفضل، وهو الصحيح؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقف راكبًا؛ ولأن الراكب أقوى على الدعاء، فكان الركوب أولى؛ ولهذا كان الإفطار بعرفة أفضل؛ لأن المفطر أقوى على الوقوف والدعاء. المجموع (8/ 94).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يستقبل القبلة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- استقبل القبلة؛ ولأنه إذا لم يكن بد من جهة فجهة القبلة أولى...
ويُستحب الإكثار من الدعاء، وأفضله: «‌لا إله إلا الله وحده لا شريك له»؛ لما روى طلحة بن عبد الله أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «‌أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له». المجموع (8/ 94).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُستحبّ الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة؛ فإنه يوم تُرجى فيه الإجابة؛ ولذلك أحببنا له الفطر يومئذٍ؛ ليتقوى على الدعاء، مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين، وروى ابن ماجه في سننه، قال: قالت عائشة -رضي الله عنها-: إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو -عز وجل-، ثم يباهى بكم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» رواه مسلم. المغني (5/ 268).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
الأفضل أنْ يقف عند الصخرات بقُرْب الإمام مستقبلًا للقبلة، راكبًا؛ وليكثر من أنواع التحميد والتسبيح والتهليل، والثناء على الله -عز وجل- والدعاء والتوبة، ولا يصوم في هذا اليوم؛ ليقوى على المواظبة على الدعاء. إحياء علوم الدين (1/ 253).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ينبغي أنْ يكون حال الدعاء مستقبلًا القبلة، وإنْ كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله؛ لأن السُّنة استقبال القبلة، ويرفع يديه، فإن كان في إحداهما مانع رفع السليمة؛ لحديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: «‌كنتُ رِدفَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع الأخرى» رواه النسائي.
ويُظهر الافتقار والحاجة إلى الله -عز وجل-، ويُلح في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة، ولا يتعدى في دعائه بأن يسأل ما لا يجوز شرعًا، أو ما لا يُمكن قدرًا. مجموع الفتاوى (24/ 296)


إبلاغ عن خطأ